المُحاسبون جزء من المناخ السياسي والإقتصادي في لبنان

هم أيضاً يكرهون المُحاسبة!

 

بعد انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، فُتحت ملفات عديدة مرتبطة بقطاع التأمين في لبنان. أُثيرت شبهة أن وزير الاقتصاد السابق أمين سلام وبعض المقربين منه ضغطوا على شركات التأمين لتكليف شركة معينة بإعداد دراسات مالية مقابل مبالغ كبيرة، كشرط لتجديد رخصها. لاحقاً، ظهرت معلومات عن تورّط نقيب خبراء المحاسبة المجازين في لبنان، إيلي عبود، في هذا الملف، الأمر الذي أثار ضجّة واسعة بسبب موقعه النقابي وانعكس على صورة مهنة التدقيق.

قضية عبود لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي والاقتصادي اللبناني، فالملف يربط بين وزارة الاقتصاد وشركات التأمين ونقابة خبراء المحاسبة. هناك أصوات علت مؤكدة أن عبود مقرّب سياسياً من “القوات اللبنانية”، وأن نفوذ هذه الجهة قد أسهم في عدم توقيفه عند الاستماع الأول، وهو أمر يصعب إثباته لكنه يُشير إلى تسييس الملفات القضائية. كما أن مشروع القانون المقدم من النائب قبلان قبلان، الذي يسعى إلى فرض إذن لجنة تحقيق مهنية قبل ملاحقة المدققين، يُظهر محاولة واضحة لتحصين النقابة في وجه المتابعات القضائية، كما يجزم المختصون.

يهدف هذا التقرير إلى تقديم ملخص علمي وقانوني وواقعي لهذه القضية، بما في ذلك سرد الوقائع المثبتة، والقرارات القضائية، والردود الصادرة عن عبود والنقابة.

الخلفية والسياق العام

بعد انفجار المرفأ، واجهت شركات التأمين نزاعات حول قيمة التعويضات المدفوعة للمتضررين. أشارت تقارير إعلامية إلى أن الوزير سلام ومستشاره فادي تميم أخبرا الشركات بأن تجديد رخصها مرتبط بتكليف شركة معينة بإجراء “دراسات مالية” تتعلق بالتعويضات، مقابل مبالغ كبيرة وصلت إلى 300 ألف دولار للشركة الواحدة. بعد ذلك، أظهرت التقارير أن شقيق الوزير، كريم سلام، شارك في هذه الضغوط، وأن بعض الشركات رفضت الدفع فتعرّضت لسحب رخصها.

في حزيران 2024، قضت محكمة الجنايات في بيروت بإدانة تميم بالرشوة، واعتبرت شهادات بعض الشهود، ومن بينهم النقيب عبود، مبهمة وتستوجب التحقيق وفق المادة 408 من قانون العقوبات (حجب المعلومات). بناءً على قرار المحكمة، أُحيل الملف إلى النيابة العامة المالية، وتقدمت اللجنة النيابية للاقتصاد بكتاب ادّعاء على الوزير السابق وشقيقه ومستشاره، وعلى النقيب عبود، بتهم الاختلاس، الابتزاز، والإضرار بأموال الصندوق الخاص بتعويضات التأمين.

الوقائع الإعلامية حول الملف

ذكرت وسائل الإعلام أن عبود قدّم لفريق الوزير فكرة إجراء دراسة مالية لشركات التأمين بشأن تعويضات انفجار مرفأ بيروت. ومنحت شركته “UHY Andy Bryan”  عقداً بقيمة نحو 420 ألف دولار لإعداد تقارير لعدة شركات، وأفادت بعض التقارير بأنه أعدّ أوراقاً لا تتجاوز صفحة واحدة مقابل مبالغ كبيرة. واتهمت مصادر عبود ومستشار الوزير بالتهديد بسحب رخص شركات التأمين التي لا تدفع المبالغ المطلوبة.

وأوضح أحد المواقع الإعلامية أن “تميم طلب من شركة المشرق للتأمين دفع 100 ألف دولار ثم 250 ألف دولار إضافية مقابل الدراسة، وبعد رفض الشركة تم سحب رخصتها”. وذكرت بعض المقالات أن عبود استغل صفته نقيباً لخبراء المحاسبة للترويج لدراسة خارج إطار صلاحياته، وأنه حصل من الوزير على عقود بقيمة 70 ألف دولار لكل شركة للتدقيق في ملفات التأمين، ما أثار شبهات تضارب المصالح.

وأشارت عدة تقارير إلى أن “أموال صندوق تعويضات الضمان أُستخدمت بطريقة غير قانونية عبر تسديد مصاريف شخصية ومنح عقود وهمية، وأن جزءاً من هذه الأموال توجّه إلى شركات مرتبطة بعبود وتميم”.

قرارات القضاء وتحقيقات النيابة العامة

حكمت محكمة الجنايات في بيروت في حزيران 2024 على المستشار تميم بالسجن سنة بتهمة الرشوة وغسل الأموال، واعتبرت شهادة عبود متضاربة وطالبت بالتحقيق معه لكونه أخفى معلومات. وفي ربيع 2025، استدعت النيابة العامة المالية بالوكالة دورا الخازن، الوزير السابق أمين سلام وشقيقه كريم، والمستشار تميم والمدقق عبود للتحقيق بتهم الاختلاس والابتزاز وتبديد الأموال العامة. كما أصدر النائب العام قراراً بمنعهم جميعاً من السفر وحجز جوازات سفرهم.

قرارات القاضي حلاوي

إستمع قاضي التحقيق الأول في بيروت، بلال حلاوي، إلى عبود كشاهد ثم كمُدّعى عليه. لاحقاً أصدر مذكرة توقيف بحق كريم سلام وأحال الملف إلى النيابة المالية، لكنه قرر إطلاق سراح عبود وتميم بسند إقامة وفق تعهد بعدم السفر. بعد طعن الدولة بقرار إطلاقهما، قبلت الهيئة الاتهامية الاستئناف وقررت منع عبود وتميم من السفر، وإيداع جوازاتهما لدى القضاء، ودفع كفالة مالية قدرها نحو 7 مليارات ليرة لبنانية.

وأكدت عدة تقارير إعلامية أن النائب العام المالي وجّه إلى سلام وشقيقه وتميم وعبود تُهماً تشمل الاختلاس واستثمار الوظيفة والغش في أموال عامة، والرشوة والتزوير واستعمال المزور، والإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال. وحتى نهاية سبتمبر 2025، لم يصدر قرار اتهامي نهائي بحق عبود، والتحقيقات مستمرة أمام النيابة المالية، ما يعني أن أي حديث عن إدانة أو تبرئة نهائية يبقى سابقاً لأوانه.

بيانات النقيب ونفيه التهم

في تموز 2024، ردّ عبود على مقال نشرته جريدة “الأخبار”، اتهمته فيه باقتراح دراسات مالية لشركات التأمين. وأكد في بيانه أن “الخبر كاذب ومفبرك، وأنه لم يلتق الوزير سلام بشأن شركة المشرق للتأمين، ولم يقترح دراسات لهذه الشركة”. وأوضح أن شركته “UHY Andy Bryan” عُيّنت من قبل لجنة الرقابة على هيئات الضمان للتدقيق في حسابات ست شركات تأمين بشأن تعويضات انفجار المرفأ، وأن شركة المشرق ليست ضمن هذه الشركات بسبب وجود تضارب مصالح.

وأشار عبود إلى أنه “استُمع إليه كشاهد في نزاع شركة المشرق مع المستشار تميم، وأنه أدلى بالحقيقة تحت القسم، ومع ذلك فوجئ بأن الحكم اعتبره أخفى معلومات. وقد أعلن عزمه تقديم شكوى ضد القاضي سمير عقيقي وصحيفة “الأخبار” لما اعتبره تشويهاً لصورته”.

التضارب بين الروايات

تعتمد روايات الاتهام في الغالب على إفادات موظفين في شركات التأمين وتحقيقات النيابة المالية، وتشير إلى أن عبود استغل موقعه للحصول على عقود تدقيق بمبالغ كبيرة، وتعاون مع مستشار الوزير للضغط على الشركات. ويتهمون شركته بتحصيل أموال من صندوق تعويضات التأمين مقابل تقارير شكلية، ويعتبرون استفادته من العقد دليلاً على تضارب المصالح.

أما روايات الدفاع، فيُصرّ عبود على أنه نفذ عقود التدقيق بصورة قانونية بصفته مفوَّضاً من لجنة الرقابة، وأن تقاريره كانت مفصلة وقدّمت إلى اللجنة. ويؤكد أنه لم يلتقِ الوزير ولا شركاءه بشأن شركة المشرق، وأنه دُعي كشاهد فقط. كما ترى النقابة أن الحملات ضده تستهدف موقعها ودورها في مكافحة الفساد، رغم الاتهامات الخطيرة والضجة الإعلامية.

ولم يصدر حتى شهر أيلول 2025 حكم نهائي في هذه القضية. الإجراءات القانونية ما زالت مستمرة بين قاضي التحقيق والنيابة العامة المالية، ما يعني أن مبدأ قرينة البراءة يظل قائماً تجاه عبود. ومع ذلك، فإن استمرار الاتهامات والأدلة الظرفية والشكوك حول تضارب المصالح يُلقي ظلالاً من الشك على ممارسات بعض المدققين، ويبرز الحاجة إلى إصلاح قانوني يضمن الشفافية وحماية المهنة من التسييس.

اقتراح القانون الذي تقدم به النائب قبلان

في ظل هذه التطورات، تقدم النائب قبلان قبلان بمشروع قانون لتعديل قانون تنظيم مهنة خبراء المحاسبة، بهدف منحهم حصانة من أي ملاحقة في أي قضية تتعلق بممارستهم المهنة أو في معرضها، إلا بقرار من هيئة التحقيق المهني تصدره النقابة.

ويعتبر المعارضون أن “ظروف تقديم الاقتراح والضغوط الممارسة بمناسبته ليست عادية، إذ إن نقابة المحاسبين المجازين لم تكتفِ بزيارات تسويقية للاقتراح، بل مارست الابتزاز والتهويل على الدولة، وأن قبلان يحاول عبر اقتراحه ابتداع حصانة جديدة لفئة وظيفية ينتمي إليها حوالي 3000 شخص. وليس ذلك فحسب، بل تتعلق الحصانة المقترحة بفئة تعمل مباشرة في الشأن المالي، وذلك بعد أكبر انهيار مالي ومصرفي في تاريخ لبنان، وهو انهيار ما كان ليحصل لولا سلسلة من الجرائم المالية، والأهم لولا تواطؤ العديد من خبراء المحاسبة أو تخاذلهم في أداء مهامهم الرقابية”.

شرارة: مشروع القانون المقدم هو حماية للأوادم

أكد النقيب السابق لخبراء المحاسبة في لبنان، عفيف شرارة، لموقع «بيروت 2030» أنه “حتى اليوم تُعتبر مهنة التدقيق المحاسبي غير محصنة في لبنان، ولا يوجد أي نص قانوني يحصّن مدقق الحسابات من أي تعدٍ على حقوقه أو محاسبته في حال مخالفته أنظمة ممارسة المهنة”، مشدداً على أن “مدقق الحسابات يمارس عمله باحتراف ومهنية تبعاً لمناعته الشخصية وحريته وشفافيته المطلقة. وفي حال كان فاسداً، يمكن أن ينجر إلى مخالفة القوانين وممارسة مهامه بغير انضباط، وعدم تطبيق الشروط القانونية لممارسة هذه المهام، وقد يستفيد من حماية سياسية أو فردية لبعض النافذين، ويمكن أن يُعاقب”.

وأضاف: “الحصانة حالياً غير موجودة لمدقق الحسابات، والنصوص القانونية مجحفة بحقه لأنها تُحمّله مسؤوليات غير واضحة وتجعلها عرضة للاجتهاد والتفسيرات المختلفة. والمثال على ذلك الأزمة المالية التي تعرض لها لبنان، حيث لم تُحاسب أي شركة تدقيق تولت التدقيق في حسابات مصرف لبنان والمصارف قبل الأزمة، لأن النص القانوني لم يحدد مهام مدقق الحسابات وشروط تطبيقه، وأعلنت الشركات الكبرى التي قامت بالتدقيق أنها مارست القانون المهني كما هو دون محاسبة أي مدقق حسابات”.

ويرى شرارة أن “في ملف شركات التأمين، حصل اجتهاد في التفسير فقط، ومدقق الحسابات عملياً غير محصن ويمكن أن يُلاحق، وهذا ما حصل مع العديد من الخبراء والنقباء لأسباب متعددة”. ويعتبر أن “مشروع القانون المقدم من النائب قبلان يهدف إلى تثبيت العدالة، وينص على تشكيل لجنة مكوّنة من ثلاثة خبراء وثلاثة أشخاص مستقلين للنظر في الدعوى المقامة ضد الخبير المحاسبي، فإذا خالف القانون يُحاسب، وإذا قام بمهامه وفق القانون فلا يتعرض للمحاسبة”.

ويختتم شرارة: “مشروع القانون هو نوع من الحماية للأوادم، لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كان الخبير المحاسبي قد قام بمهامه وفق الأصول إلا من خلال رأي خبير مثله متمرس وذو خبرة. ويطلب القانون تشكيل هيئة تفصل في مخالفة الخبير أم لا، مما يمنح خبراء المحاسبة الضمانة أنهم مستندون إلى قانون يحميهم ويمنع عنهم الهيمنة السياسية، ويمنحهم القدرة على إبداء رأيهم وفق الأصول”.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.