نعرض في ما يلي القواعد القانونية العامة الناهضة من قرار ديوان المحاسبة الصادر في 17/10/2025 بخصوص التجاوزات والمخالفات المنسوبة الى بعض الوزراء بموضوع مبنى قصابيان [1]
أُثيرت مؤخرًا قضية التجاوزات والمخالفات المنسوبة إلى بعض وزراء الاتصالات في موضوع مبنى قصابيان. ولن نتطرق في هذه الدراسة إلى أساس النزاع، بل سيقتصر بحثنا على القواعد القانونية العامة التي كرّسها ديوان المحاسبة، وهي على الشكل الآتي:
أولًا – القاعدة العامة الأولى: الاختصاص العفوي لديوان المحاسبة
اعتبر مدّعي عام ديوان المحاسبة، في مطالعته رقم الصادر 12 تاريخ 16/3/2025، أنّه لا يمكن مباشرة ملاحقة الموظفين قضائيًا أمام الديوان إلا بادعاء من النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، باستثناء حالات استثنائية لم يُحدّدها.
هذا الموقف يستوجب إبداء ملاحظتين:
- مخالفة المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة لطبيعة اختصاصه: إنّ المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة خالف جوهر اختصاصه، بل سلك طريقًا معاكسًا لطبيعة هذا الاختصاص. فبدلًا من أن يكون طرفًا مدّعيًا في الدعوى، تحرّك وكأنّه طرف مدافع عن الوزراء الملاحقين، ما يفرض تسجيل هذه الملاحظة، مع دعوة القضاة إلى التقيّد بدورهم القضائي وعدم الانحياز إلى أي اتجاه مخالف لمقتضيات هذا الدور.
- صراحة المادة 68 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة: اعتبر المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة في مطالعته (رقم الصادر 12 تاريخ 16/3/2025) أنّه لا يمكن مباشرة ملاحقة الموظفين قضائيًا أمام الديوان إلا بادعاء من النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، باستثناء حالات استثنائية لم يُبيّنها.
غير أنّ قراءة المادة 68 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة تُظهر بوضوح عدم وجود أي أساس قانوني لما ورد في السبب المدلى به من المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة، إذ نصّت المادة 68 حرفيًا على ما يلي: «ينظر الديوان في المخالفة عفوًا أو بناءً على طلب المدّعي العام لديه». وهذا يعني أنّ المادة 68 أناطت بديوان المحاسبة صلاحية النظر في المخالفة في حالتين اثنتين:
- إمّا عفوًا.
- وإمّا بناءً على طلب المدّعي العام لديه.
وعليه، فإنّ ما أدلت به النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة في هذا الخصوص يُعدّ مخالفًا لصريح المادة 68 المشار إليها أعلاه، التي خوّلت الديوان صراحة صلاحية التحقيق والملاحقة والحكم في المخالفات الواقعة ضمن اختصاصه، عفوًا.
وبذلك يكون المدّعي العام لدى ديوان المحاسبة قد أخطأ في موقفه مرتين: مرّة أولى عندما خالف طبيعة اختصاصه، ومرّة ثانية عندما خالف القواعد المستقرة في تفسير النصوص القانونية، التي لا تجيز الاجتهاد في مورد النص الواضح والصريح.
ثانيًا – القاعدة العامة الثانية: صحة اختصاص ديوان المحاسبة بالرغم من المادة 70 من الدستور
أثار بعض الوزراء الملاحقين أنّ القرار المؤقت (11/ر.ق/غ2/مؤقت) تاريخ 4/5/2023 قد خالف المادة 70 من الدستور، على اعتبار أنّ النص الدستوري، بصفته أسمى من نص قانون تنظيم ديوان المحاسبة، قد كرّس الصلاحية الحصرية لمحاكمة الوزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وذلك من خلال مجلس النواب، متى كان الفعل المرتكب متصلًا مباشرة بواجبات الوزير الوظيفية، كما هي الحال في القضية الراهنة. واعتبروا أنّ استعمال المجلس الأعلى لصلاحيته يحجب أي صلاحية أخرى، ومن بينها صلاحية ديوان المحاسبة.
وأكثر من ذلك، أثار أحد الوزراء الملاحقين أنّه لا يجوز إخضاع الوزير للأحكام التي ترعى أوضاع موظفي الإدارات العامة والعاملين في المؤسسات العامة. في المقابل، كرّس ديوان المحاسبة القاعدة العامة التالية:
نصّت المادة 59 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة في فقرتها الأولى على ما يلي: «تشمل الرقابة على الموظفين أعمال كل من يقوم بإدارة أو استعمال الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة، وكل من يقوم بعمليات القبض والدفع لحساب الخزينة أو لصالحها أو بمسك حساباتها، وكذلك كل من يتدخل في إدارة الأموال المذكورة وفي القيام بالعمليات السالفة الذكر، دون أن تكون له الصفة القانونية، أو يساهم في الأعمال التحضيرية لها أو مراقبتها أو بالتصديق عليها».
ويُفهم من هذا النص أنّ رقابة الديوان تشمل كل من يقوم بإدارة أو استعمال الأموال العمومية، أو حتى من يتدخل في إدارتها، كأن يساهم في الأعمال التحضيرية لها أو يراقبها أو يصادق عليها، من دون استثناء أحد، بمن في ذلك الوزير.
إنّ ما يؤكّد صحة اختصاص ديوان المحاسبة، بالرغم من المادة 70 من الدستور، يتمثّل بالآتي:
- تُظهر المادة 59 نيّة المشترع الواضحة بتوسيع رقابة ديوان المحاسبة إلى حدّها الأقصى، من دون أي استثناء، ورغبته في شمول هذه الرقابة جميع الحالات، بما فيها حالات الأشخاص غير الموظفين الذين لا تكون لهم صفة قانونية. وفي القضية الراهنة، يكون الوزير الذي أدلى بعدم اختصاص الديوان قد اشترك، إمّا مباشرة أو عبر لجنة إشراف المالك، في الأعمال التحضيرية، وفي طلب تعديل الشروط التعاقدية، وفي الموافقة على إبرام العقد، إضافة إلى الملحق التعديلي. وعليه، فإنّ ملاحقة الوزير بالمخالفات المرتكبة منه تدخل مباشرة ضمن اختصاص ديوان المحاسبة.
- يعزّز هذا التوجّه أنّ المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يختص بملاحقة الرؤساء والوزراء جزائيًا عند ارتكابهم جريمة الخيانة العظمى أو إخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم، ولا تدخل بالتالي ضمن صلاحياته الملاحقة الإدارية أو المالية الناجمة عن المخالفات التي ينظر فيها ديوان المحاسبة ضمن اختصاصه، بصفته محكمة إدارية تتولى القضاء المالي.
- ويعزّز هذا التوجّه أيضًا ما نصّت عليه المادة الثانية من القانون رقم 13/1990 (أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور)، والتي جاء فيها: «تُسمّي محكمة التمييز بجميع غرفها، بعد نشر هذا القانون، القضاة العدليين الثمانية المنصوص عنهم في المادة 80 من الدستور، الأعلى رتبة حسب درجات التسلسل القضائي، بمن فيهم الرئيس، كما تُسمّي ثلاثة قضاة عدليين أعضاء احتياطيين وفقًا للأصول والشروط ذاتها…». وقد نصّت هذه المادة صراحة على عضوية القضاة العدليين حصرًا في المجلس الأعلى، دون غيرهم من القضاة الإداريين المنتسبين إلى مجلس شورى الدولة أو القضاة الماليين المنتسبين إلى ديوان المحاسبة. وهذا ما يفسّر نيّة المشترع بفصل عمل القضاء الإداري، ولا سيّما عمل ديوان المحاسبة وصلاحياته والأحكام القانونية المتعلّقة به، عن عمل المجلس الأعلى وصلاحياته. ولو لم تكن نيّة المشترع كذلك، لكان عمد إلى تعديل أحكام قانون المحاسبة العمومية وقانون تنظيم ديوان المحاسبة عند إقرار القانون رقم 13/1990، نظرًا لصدوره في تاريخ لاحق.
- تُضاف إلى الحجج المتقدّمة حجّة أخرى تتمثّل في نص المادة 64 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، التي جاء فيها: «على الديوان أن يحيط مجلس النواب علمًا بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزراء». وهو ما يؤكّد توجّه المشترع إلى فصل عمل ديوان المحاسبة عن عمل المجلس الأعلى، بحيث يقوم الديوان، بعد ملاحقة الوزراء المخالفين عند الاقتضاء، بإعلام مجلس النواب بالمخالفات المرتكبة من قبلهم كتدبير إضافي، تمهيدًا لمساءلتهم سياسيًا (لجهة استجوابهم أو سحب الثقة منهم مثلًا)، وجزائيًا أمام المجلس الأعلى إذا لزم الأمر، وفق ما يراه مناسبًا [2].
- ويعزّز هذا التوجّه أيضًا ما أكّده مجلس القضايا لدى مجلس شورى الدولة، الذي أيّد المسار الذي اعتمده ديوان المحاسبة في ملاحقة الوزراء وإصدار قرارات بحقهم ضمن اختصاصه، من دون أن تشكّل المادة 70 من الدستور حائلًا دون ذلك [3].
- إنّ أيًّا من النصوص القانونية لم يتضمّن استثناءً يُعفي الوزير من المساءلة أمام ديوان المحاسبة. بل على العكس، فقد أخضعت هذه النصوص الوزير لرقابة الديوان في جميع مهامه المتعلّقة بإدارة واستعمال الأموال العمومية، وبصفته مرجع عقد النفقة في الصفقات العمومية، وجعلته مسؤولًا شخصيًا في أمواله الخاصة في حال عقد نفقة تتجاوز الاعتمادات المفتوحة لوزارته، كما أحلّت مسؤوليته محل مسؤولية الموظف التابع له متى نتجت المخالفة عن تنفيذ أمره.
- إنّ القول بعدم صلاحية ديوان المحاسبة، وهو المحكمة الإدارية المالية التي يشمل اختصاصها محاكمة أي مسؤول عن مخالفة القوانين المتعلّقة بالأموال العمومية في مختلف الإدارات العامة، في مساءلة الوزير ضمن الحدود والحالات المنصوص عليها في القوانين، يؤدّي إلى تعطيل النصوص الخاصة بإدارة واستعمال الأموال العمومية، أي قانون المحاسبة العمومية وقانون تنظيم ديوان المحاسبة. وبالتالي، فإنّ تثبيت اختصاص ديوان المحاسبة بمحاكمة الوزير عن الأخطاء والمخالفات التي يرتكبها، ضمن الحدود المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء، يأتي في موقعه القانوني الصحيح.
- هذه هي الأسباب التي اعتمدها ديوان المحاسبة لتثبيت اختصاصه في محاسبة ومساءلة الوزراء عن الأخطاء والمخالفات المالية التي قد يرتكبونها، ضمن الحدود المنصوص عليها في القوانين ذات الصلة، ولا سيّما قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
ثالثًا – القاعدة العامة الثالثة: معايير توصيف الأموال المبذولة كأموال عمومية
أثار أحد الوزراء الملاحقين، في مذكرته المرسلة إلى ديوان المحاسبة، أن شركتي MIC1 S.A.L و MIC2 S.A.L تعملان كشركتين خاصتين وتخضعان لقانون التجارة، وأن جميع أموالهما هي أموال خاصة لا تحمل الصفة العمومية، وأن عقود الائتمان مع المصارف قد استبقت نقل ملكية الذمة الائتمانية من الدولة إلى المصارف مؤقتًا، ما يجرّد هذه الأموال من الصفة العمومية. كما أضاف أن شركتي الاتصالات كانتا تحوّلان الإيرادات إلى وزارة الاتصالات، وليس إلى الخزينة العامة.
حدّد ديوان المحاسبة المعايير الواجب اعتمادها لتوصيف الأموال العمومية، انطلاقًا من تحديد اختصاص الديوان والجهات الخاضعة لرقابته وتعريف الأموال العمومية (أولًا)، ثم انتقل إلى تطبيق هذه المعايير على وقائع النزاع (ثانيًا)، ليخلص في النتيجة إلى أن الأموال الملاحق بشأنها هي أموال عمومية.
1- المعايير
- اختصاص الديوان: نصّت المادة الأولى من قانون تنظيم ديوان المحاسبة على أن: «ديوان المحاسبة محكمة إدارية تتولى القضاء المالي، مهمتها السهر على الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة…». كما أناطت به المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة فرض عقوبات على كل موظف يقوم بإكساب الأشخاص الذين يتعاقدون مع الإدارة ربحًا غير مشروع، أو إذا ارتكب خطأً أو تقصيرًا أو إهمالًا من شأنه إيقاع ضرر مادي بالأموال العمومية أو بالأموال المودعة في الخزينة. وبذلك، فإن اختصاص ديوان المحاسبة في مراقبة الصفقة المبرمة واتخاذ قرارات بحق كل موظف يقوم بأي من المخالفات الملاحق بها الوزراء المعنيون في القضية الراهنة يكون ثابتًا.
- الجهات الخاضعة لرقابة الديوان: حدّدت المادة الثانية من قانون تنظيم ديوان المحاسبة الجهات الخاضعة لرقابته، ومن بينها إدارات الدولة والمؤسسات التابعة لها، وكذلك الشركات التي للدولة علاقة مالية بها عن طريق المساهمة أو التسليف أو المساعدة.
- تعريف الأموال العمومية: عرّفت المادة الثانية من قانون المحاسبة العمومية الأموال العمومية بأنها: «أموال الدولة، والبلديات، والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو البلديات، وأموال سائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية».
2- تطبيق المعايير على وقائع النزاع
بتاريخ 1/6/2002، صدر القانون رقم 393/2002 الذي أجاز للحكومة منح رخصتين لتقديم خدمات الهاتف الخلوي آنذاك. وقد نصّ في مادته الثالثة على أنه، إذا لم تنجح المزايدة للحصول على رخصة تقديم خدمات الخلوي لأي سبب كان، «تصبح إيرادات شبكتي الخلوي لصالح الدولة ابتداءً من 31/8/2002». ولما لم تحصل المزايدة المذكورة لتقديم خدمات الهاتف الخلوي المحلي بتقنياته المختلفة والمتطورة، لجأت الدولة إلى تأسيس شركتي اتصالات مملوكتين منها بالكامل، وتداران من وزارة الاتصالات أو من شركة مشغّلة.
ثم أبرمت الدولة، ممثَّلة بوزارة الاتصالات، مع مصرفين مختلفين عقدي ائتمان على الأسهم المملوكة منها في شركتي الاتصالات، وقد أُبرم هذا العقد، في ما يتصل بأسهم شركة «ميك 2»، مع بنك عوده ش.م.ل.
وقد تأكّد لاحقًا الدور المركزي للدولة، ممثَّلة بوزارة الاتصالات، في إدارة الشركتين المملوكتين فعليًا من الدولة، كما تأكّد توصيف أموالهما على أنها أموال عامة، وذلك في عقد الإدارة المبرم بين الدولة والشركة المشغّلة MTC لشركة «ميك 2» ش.م.ل، الموقّع في 31/1/2012، أي قبل بدء المفاوضات وتوقيع العقود العائدة لاستئجار مبنى قصابيان.
وقد نصّ هذا العقد صراحةً، في مادته الأولى، على أن مجموع الإيرادات الصافية هو مجموع الإيرادات بعد حسم النفقات التشغيلية والاستثمارية التي تبذلها الشركة. كما نصّ صراحةً في مادته الثامنة على أن الشركة المشغّلة ملزمة بتحويل مجموع الإيرادات الصافية إلى الجمهورية اللبنانية في اليوم الخامس عشر من كل شهر وفي اليوم الأخير منه، أي مرتين شهريًا، على أن تُدفع هذه الدفعات بموجب شيكات مسحوبة على مصرف لبنان لمصلحة المديرية العامة للاستثمار والصيانة لدى وزارة الاتصالات، ما يؤكد أن الأموال تُحوَّل إلى الخزينة العامة وليس إلى وزارة الاتصالات، وهي تالياً أموال عامة؛ علمًا أن تحويلها إلى وزارة الاتصالات لا يحول دون توصيفها بالأموال العمومية.
وبتاريخ 31/11/2020، استعادت وزارة الاتصالات إدارة الشركة فعليًا، بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 5/5/2020. وقد تضمّن قانون الموازنة لسنة 2020، في المادة 36 منه، إلزام «الشركات المشغّلة لقطاع الخلوي بتحويل الإيرادات الناتجة عن خدمات الاتصالات الخلوية المحصّلة إلى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، على أن تُحدَّد آلية دفع المبالغ التي تتوجب على الخزينة لصالح تلك الشركات من بدل إدارة ونفقات وأعباء ومشتريات وخلافه، تتحملها الشركات في مجال عملها، بموجب قرار يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيري المالية والاتصالات».
وقد تم لاحقًا تعديل المادة 36 بموجب القانون النافذ حكمًا رقم 9/2022، المنشور بتاريخ 17/1/2022، والذي ألزم أيضًا شركتي الخلوي، وبشكل شهري، تحويل صافي الإيرادات إلى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان عن الشهر الذي سبق، بعد حسم كافة النفقات، على أن تكون هذه النفقات ملحوظة في بنود الموازنة السنوية لكل منهما وموافقًا عليها من قبل وزيري الاتصالات والمالية، ومرفقة بكشف تفصيلي يُظهر الإيرادات المحصّلة والنفقات المسدّدة وغير المسدّدة خلال هذا الشهر. وقد نصّت المادة المعدّلة صراحةً على أن المصاريف الرأسمالية تخضع لموافقة مجلس الوزراء.
وانطلاقًا من مجمل هذه الوقائع، خلص ديوان المحاسبة إلى أنه «يُستشف من كل ما تقدّم أن الشركة تعود ملكيتها الفعلية وإدارتها المباشرة للدولة، وأن الأموال العائدة لها هي أموال عامة بموجب القانون رقم 393/2002».
رابعًا – القاعدة العامة الرابعة: احترام الإجراءات الملزمة لديوان المحاسبة
أثار أحد الوزراء الملاحقين أمام ديوان المحاسبة أن القرار القضائي المؤقت (رقم 5/ر.ق/مؤقت تاريخ 18/3/2025) خالف مبدأ الوجاهية وانتقص من حقوقه في الدفاع، على اعتبار أن المواد 68 وما يليها من قانون تنظيم ديوان المحاسبة قد فرضت إجراء تحقيق مسبق قبل إصدار الديوان لقراره المؤقت، وحدّد القانون أصول هذا التحقيق وسمّى من يتولّونه. وقد ورد في المذكرة أن القرار المؤقت تجاوز هذه الإجراءات، وجاء خاليًا من أي إشارة إلى القيام بها، ولم يُرفق ببيان ما إذا كانت قد وردت مطالعة من المدعي العام، كما هو مفروض بموجب المادة 70 من قانون تنظيم الديوان. كما أُشير إلى أنه لم يتم الاستماع إلى الوزراء الملاحقين أو استلام ما لديهم من أدلة ومستندات، بما يمسّ بحق الدفاع المكرّس قانونًا واجتهادًا، ولا سيما في ضوء ما ورد في المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد اعتبر بعض الوزراء الملاحقين أن عدم سماعهم من قبل المدعي العام أو المستشار، قبل صدور القرار، كإجراء إلزامي، يشكّل انتهاكًا لحقهم في الدفاع ومخالفةً لمبدأي الوجاهية والمساواة.
وهنا أيضًا، كرّس ديوان المحاسبة مبدأ احترام الإجراءات الملزمة له، ثم انتقل إلى إسقاط هذا المبدأ على وقائع القضية.
1- تكريس مبدأ احترام الإجراءات الملزمة لديوان المحاسبة
هذا المبدأ مكرّس في المواد 68 و69 و70 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
نصّت المادة 68 على ما يلي:
- ينظر الديوان في المخالفة عفوًا أو بناءً على طلب المدعي العام لديه. وللمدعي العام، لهذه الغاية، أن يُجري التحقيق حول القضية أو أن يتوسّع في التحقيق الجاري في شأنها، وله أن يستمع إلى الموظفين والشهود، وأن يطلب من الإدارة أو الهيئة المختصة إيداعه المستندات والإيضاحات والمعلومات التي يحتاج إليها. وفي حال الإثارة العفوية، تُتَّبع الأصول المبيّنة أعلاه، على أن يتولى القاضي المختص مهمة المدعي العام المبيّنة فيها.
- يُحيل رئيس الغرفة المعاملة على المستشار المختص. وللمستشار أن يطلب من الإدارة المختصة الإيضاحات والمعلومات الخطية التي يحتاج إليها، وأن يستجوب الموظف المنسوبة إليه المخالفة، وأن يستمع إلى الشهود، وأن يقترح على الهيئة تعيين الخبراء…
كما نصّت المادتان 69 و70 على ما يلي:
- المادة 69: «يضع المستشار بنتيجة التحقيق تقريرًا يتضمّن ملخص القضية مع إبداء رأيه في شأنها».
- المادة 70: «تُحال على المدعي العام، مع أوراق الثبوت، تقارير المستشارين التي يُطلب بها إعادة النظر، أو تعيين الصلاحية، أو إشغال الذمة، أو إبراء الذمة، أو فرض الغرامة. أما سائر التقارير، فتُحال عليه إذا طلبها أو إذا قرّر الرئيس أو الهيئة المختصة ذلك. ويُعيد المدعي العام هذه التقارير مشفوعة بمطالعته الخطية، وذلك خلال مهلة أقصاها عشرة أيام».
2- إسقاط المبدأ على وقائع القضية
- في التقيّد بأحكام المادة 68: يتبيّن من الوقائع أن الإجراءات الملزمة لديوان المحاسبة قد تمّ احترامها. فقد نظرت الغرفة مصدرة القرار المؤقت في القضية عفوًا، وأن القاضي المختص فيها أدّى، تبعًا لذلك، مهمة المدعي العام. كما أن هذا الأخير غير ملزم بالاستماع إلى الموظفين والشهود أو بطلب الأدلة قبل إصدار القرار المؤقت، كما ورد في الفقرة الثانية من هذه المادة، إذ إن هذه الفقرة تركت للغرفة أو للمستشار الناظر في القضية حرّية الاستجواب أو طلب المعلومات، من دون أن تفرض ذلك كإجراء جوهري، ما يستبعد إلزام الديوان بهذا الموجب الذي يبقى اختياريًا.
- في التقيّد بأحكام المادتين 69 و70: وضع ديوان المحاسبة التقرير رقم 3/2023 بتاريخ 28/3/2023. إن التقرير الذي وُضع ضمن إطار الرقابة اللاحقة قد أُبلغ إلى النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، وذلك بموجب الفقرة الثالثة من القرارات التي خلص إليها التقرير. ولا يوجب قانون تنظيم ديوان المحاسبة على الديوان الاستماع إلى الموظف أو إلى الشهود إلا إذا رأى حاجة إلى ذلك.
وعليه، لا يمكن الادعاء بانتهاك حق الدفاع أو مبدأ الوجاهية، لكون أحد الوزراء الملاحقين، الذي تذرّع بذلك، قد سبق له أن مارس حقه في الدفاع على أكمل وجه، بموجب مذكرته المقدّمة ردًا على القرار المؤقت، وذلك تمامًا كما نصّت عليه المادة 71 من قانون تنظيم الديوان، فيكون قد مُنح وقتًا كافيًا للرد ردًا وافيًا على جميع ما ورد في التقرير الخاص وفي القرار المؤقت، أي إن الحقوق المحفوظة قانونًا واجتهادًا للوزير المدّعي بعدم احترامها قد جرى احترامها فعلًا.
ولا يصح القول إن القرار المؤقت قد فصل في القضية، إذ إن الوزير المعترض مُنح، بموجبه، فرصة توضيح الأفعال المنسوبة إليه، والتي يمكن البناء عليها لترتيب المسؤولية عليه من عدمها، فيكون ما أدلى به مردودًا.
خامسًا – القاعدة العامة الخامسة: عدم تلازم الملاحقة أمام ديوان المحاسبة وتلك العالقة أمام مجلس النواب
قبل التطرّق إلى القاعدة العامة، لا بد من عرض إدلاءات أحد الوزراء الملاحقين.
1- إدلاءات أحد الوزراء الملاحقين:
أدلى أحد الوزراء الملاحقين بأن مجلس النواب يدرس، بالتزامن مع إجراءات ديوان المحاسبة، طلب اتهام بحقه في القضية عينها ولم يبتّ به بعد، مذكّرًا بحظر المادة 182 من قانون العقوبات ملاحقة الفعل أكثر من مرة واحدة، استنادًا إلى مبدأ عدم ازدواجية العقوبة المتعلّق بالنظام العام، مطالبًا برفع يد ديوان المحاسبة عن القضية ووقف الملاحقة لهذا السبب، على خلفية تلازم الملاحقة مع تلك العالقة أمام مجلس النواب.
2- قاعدة عدم التلازم بين الملاحقتين: أمام المجلس النيابي وأمام ديوان المحاسبة
تختلف الملاحقة القضائية أمام ديوان المحاسبة، في جوهرها، عن الملاحقة الجزائية، سواء من حيث الغاية منها وإسنادها، أو من حيث آلية الملاحقة، أو لجهة العقوبات المفروضة، ما ينفي تمامًا إمكان الادعاء بسبق الملاحقة أو المحاكمة. وقد فرّقت المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة بشكل تام بين العقوبات التي يمكن أن يفرضها ديوان المحاسبة وبين العقوبات الجزائية، بل أكّدت على إمكان فرض العقوبتين معًا، إذ نصّت على أنه: «يعاقب بالغرامة من 150,000 ليرة إلى 1,500,000 ليرة كل موظف ارتكب أو ساهم في ارتكاب إحدى المخالفات الواردة في هذه المادة، وذلك بالإضافة إلى الإلزامات المدنية والعقوبات الجزائية والمسلكية التي يمكن أن تقضي بها المراجع المختصة…».
إن قاعدة عدم ازدواجية الملاحقة هي قاعدة جزائية محصورة بإطار الملاحقة الجزائية ولا تتعداها إلى ملاحقات من نوع آخر. وقد أكّد ذلك الوزير المعترض نفسه عندما أدلى بأن القانون الجزائي غير مطبّق في حالتنا الراهنة، إذ إننا لسنا في إطار ملاحقة جزائية [4]. وإن قاعدة عدم جواز ملاحقة الفعل الجرمي مرتين، المنصوص عليها في مستهل المادة 182 من قانون العقوبات، يُقصد بها الملاحقة أمام القضاء الجزائي، وليس أمام أي إدارة أو هيئة رقابية، إذ إن التحقيق المجري هنا يرمي إلى إنزال العقوبة المسلكية بالموظف المقصّر أو العابث، إذا توافرت الشروط القانونية لذلك. وفي حال ظهور مخالفة لقانون العقوبات أو لقانون المحاسبة العمومية، يُحال الموظف المخالف إما إلى ديوان المحاسبة أو إلى النيابة العامة التمييزية لإجراء الملاحقة الجزائية والمالية معًا [5].
فالفقرة الأولى من المادة 182 المذكورة تقضي بوجهتين:
- الأولى، تحول دون إمكان الادعاء جزائيًا مرة ثانية بالفعل الجرمي ذاته الذي كان موضوع ادعاء سابق ولم يصدر بشأنه حكم مبرم تبعًا لهذا الادعاء؛
- والثانية، تمنع ملاحقة الفعل الجرمي ذاته مرة ثانية، ولو بوصف قانوني مختلف، متى كان قد صدر بشأنه حكم مبرم متمتّع بقوة القضية المحكوم بها.
سادسًا – القاعدة العامة السادسة: ازدواجية بدء احتساب مهلة مرور الزمن عبر التمييز بين المخالفة الظاهرة والمخالفة الخفيّة
أدلى أحد الوزراء الملاحقين بوجوب سقوط الملاحقة الراهنة بمرور الزمن الخماسي، عملًا بالمادة 65 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة. غير أن الفقرة الثالثة من المادة 65 المذكورة فرّقت بين حالتين: المخالفة الظاهرة والمخالفة الخفيّة، بحيث لا يبدأ احتساب مدة مرور الزمن في الحالة الأخيرة إلا من تاريخ اكتشافها. ولم يتبيّن، من خلال التدقيق الداخلي، أن أي معلومة عن الصفقة موضوع هذا القرار قد وصلت إلى علم ديوان المحاسبة، أو أن أي مستند قد ورد إليه طوال هذه الفترة. بل إن أول إثارة لديوان المحاسبة بشأن هذه الصفقة حصلت بموجب التقرير رقم 2/2022 تاريخ 5/4/2022، وقد باشر ديوان المحاسبة الملاحقة الراهنة بشأنها في العام 2023. وبذلك، يكون بدء احتساب مدة مرور الزمن لم يتحقق إلا عند اكتشاف الصفقة من قبل ديوان المحاسبة في العام 2022، ما ينفي سقوط الملاحقة بمرور الزمن الخماسي.
في الخلاصة، إن الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو استخراج بعض القواعد العامة الناهضة من قرار ديوان المحاسبة الصادر بتاريخ 17/10/2025، والتي تحكم الإجراءات المتّبعة أمامه، في ظل تجربة عملية محدودة لا تتيح للممارسين تحقيق معرفة كافية في هذا المجال. كما لا بد من تدوين احترامنا وتقديرنا لعمل ديوان المحاسبة في السنوات الأخيرة، حيث بدأ يساهم بصورة فعّالة في اكتشاف الفساد وترتيب النتائج القانونية اللازمة بحق الجهات التي ارتكبته أو ساهمت فيه، وصولًا إلى الوزراء الذين كانوا، لفترة سابقة، «مُحصَّنين» سياسيًا من أي ملاحقة بخصوص الفساد المنسوب إليهم. فها هم اليوم يُلاحقون، شأنهم شأن أي موظف آخر. وتبرز هنا أهمية إضافية يجب الإشارة إليها، وهي عدم جواز «الاختباء» وراء المادة 70 من الدستور اللبناني.
وفي مادة تقلّ فيها الممارسة العملية، بما ينعكس «شحًّا» في المعرفة القانونية لدى الممارسين وأهل العلم، فضلًا عن أن ديوان المحاسبة بدأ، خلال الفترة القصيرة الماضية، يسلك نهجًا أكثر فعالية في مكافحة الفساد، متجاوزًا الحصانة القضائية «الزائفة» للوزراء الذين يصرّون على «الاحتماء» بالمادة 70 من الدستور للتفلّت من العقاب. غير أننا نستبشر خيرًا بالقضاء في هذا الاتجاه؛ فبدءًا من قضية البحصاص [6]، مرورًا بقضية مبنى قصابيان الراهنة، لم تعد المادة 70 من الدستور تشكّل «حماية زائفة» للوزراء للإفلات من العقاب. ومع الأمل بأن يستمر هذا المسار وصولًا إلى قضية تفجير مرفأ بيروت، حيث رفض قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار أن يجعل من المادة 70 حاجزًا يحول دون ملاحقة بعض الوزراء، يبقى السؤال: هل تُقرَع أجراس العدالة في هذه القضية قريبًا، في جريمتي تفجير المرفأ واختلاس الودائع؟
نأمل ذلك.
[1] رقم القرار 1650 / ر. ق نهائي، اساس 15 / 2023 مؤخرة ( موظفين )، مشور على موقع قضاء جبيل ـ Jbeil District الالكتروني.
[2] راجع لطفا القرارات السابقة لديوان المحاسبة من بينها القرار رقم 318 / ر.ق / نهائي تاريخ 24/9/2020، غير منشور.
[3]شورى الدولة، مجلس القضايا، رقم 492، 27 نيسان 2023، غير منشور.
[4] محكمة التمييز الجزائية، قرار رقم 80، 23 آذار 2005، مشار اليه في قرار ديوان المحاسبة.
[5] محكمة التمييز الجزائية، قرار رقم 150، 11 حزيران 2002، مشار اليه في قرار ديوان المحاسبة.
[6] قضية الوزير الصفدي.

د. عبده جميل غصوب
دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.
