لا تزال قضية انتخابات بلدية مرجبا تراوح مكانها منذ أيار الماضي، عالقة بين طعنٍ موثقٍ بالمخالفات من جهة، وضغوطٍ سياسية متصاعدة تُمارس على القضاء من جهة أخرى. فبينما يتمسّك المرشح دانيال جورج سعد وفريقه بالوثائق والأرقام التي تشير إلى خروقات تمسّ صلب العملية الانتخابية ونزاهتها، تُثار في المقابل شبهات حول تدخل مباشر يقوم به وزير العدل عادل نصّار، المحسوب على حزب الكتائب، في محاولة للتأثير على قرار مجلس شورى الدولة الذي ينظر في الدعوى. فماذا في التفاصيل؟
جرت في 4 أيار 2025 الانتخابات البلدية في بلدة مرجَبَا – قضاء المتن الشمالي، حيث تنافست لائحتان: الأولى برئاسة دانيال جورج سعد والثانية برئاسة وسيم عبدو داغر، وانتهت بفوز داغر ولائحته (باستثناء خرق واحد من اللائحة الأولى). غير أنّ النتائج سرعان ما تحوّلت إلى ملفّ طعون واسعة مدعومة بوثائق ومحاضر رسمية تُشير إلى خروقات تمسّ جوهر العملية الانتخابية ونزاهتها.
ففي 13 أيار، تقدّم سعد بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لإبطال النتائج ووقف تنفيذها، مستنداً إلى سلسلة من المخالفات الجسيمة، اعتبر أنّها أثّرت مباشرة على إرادة الناخبين وأخلّت بالمساواة بين المرشحين، ما يشكّل مسّاً صريحاً بالمبادئ الدستورية والقانونية التي ترعى العملية الانتخابية.
المخالفات بالجملة
أما المخالفات التي وردت في نص المراجعة فنلخصها بما يلي:
- توقيع 6 ظروف اقتراع من قبل 6 ناخبين لصالح اللائحة الفائزة: تمكّن مراقبون من توثيق قيام ستّة ناخبين بالتوقيع على ستّة ظروف اقتراع لصالح لائحة داغر بحضور رئيسة القلم مباشرة، دون أن تُقدم هذه الأخيرة على اتخاذ أي إجراء. واللافت أنها دوّنت في نص المحضر أنّ الأمر حصل “عن طريق الخطأ”، في محاولة لتبرير ما لا يبرَّر، فيما يُعدّ ذلك تدخلاً مباشراً في إرادة الناخبين.
- استخدام ظروف غير مختومة أو موقّعة: تمّ استخدام ظروف اقتراع غير مختومة بالختم الرسمي وخالية من توقيع رئيسة القلم، في مخالفة صريحة لتعليمات وزارة الداخلية. ورغم ذلك، جرى احتساب هذه الظروف ضمن النتائج، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال إدخال ظروف من خارج العملية القانونية، خصوصاً مع توثيق حالات وجود ظرفين مع بعض الناخبين داخل العازل.
- أرقام الاقتراع لا تتطابق: لقد كشفت النتائج الرقمية أن عدد المقترعين بلغ 478 مقترعاً بينما بلغ عدد الظروف في الصندوق 479 ظرفاً في حين وصل عدد الظروف المفروزة فعلياً إلى 485 ظرفاً، أي 7 ظروف إضافية غير مبرّرة. ورغم خطورة الفارق، لم تقدّم هيئة القلم أي تفسير قانوني أو تقني يشرح أسباب هذا التباين في الأرقام. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفارق بين المرشح سعد وبعض الفائزين لا يتجاوز 8 أصوات، ما يجعل هذه الظروف حاسمة في قلب النتيجة.
- الفرز جرى بغياب رئيسة القلم: غياب رئيسة القلم عن قاعة الفرز لأكثر من 45 دقيقة سمح بتحويل عملية الفرز إلى إجراء غير رسمي، حيث قام مندوبو اللوائح بفرز الأصوات وتسجيل النتائج بأنفسهم من دون أي إشراف أو رقابة، في سابقة تضرب ركن الشفافية الانتخابية.
- انتهاك سرّية الاقتراع: سُجّلت حالات لوجود بعض المرشحين من اللائحة الفائزة داخل الأقلام وعلى مقربة مباشرة من العازل أثناء التصويت، في تعدٍّ واضح على مبدأ السرية وتشكيل ضغط على الناخبين.
مجلس شورى الدولة يتحرّك… ولكن
بتاريخ 19 أيلول 2025، وبعد الطعن الذي تقدّم به سعد ولائحته لدى مجلس شورى الدولة، أصدر المستشار المقرّر في مجلس شورى الدولة وسيم كلّاب تقريره، وقضى فيه قبول المراجعة شكلاً وأساساً كما إبطال نتائج الانتخابات في مرجبا وتحميل الدولة الرسوم والنفقات.
وفي 2 تشرين الأول، نُشر القرار في الجريدة الرسمية، ما فتح مهلة قانونية للردّ لا تتجاوز 5 أيام وفق القانون 28/80. إلا أنّ الجهة المستدعى عليها قدّمت ملاحظاتها في 9 تشرين الأول، أي بعد انتهاء المهلة القانونية، وبالتالي ما هو غير مقبول شكلاً لا يمكن النظر إليه مضموناً.
الملف يراوح مكانه
مصادر متابعة تؤكّد أنّ الضغط اليوم موجّه نحو هيئة مجلس شورى الدولة التي يُنتظر أن تصدر حكمها النهائي، وأنّ هذا الضغط يمارَس عبر وزير العدل عادل نصّار المحسوب على حزب الكتائب، مع الإشارة إلى أن رئيس الحزب سامي الجميّل كان داعماً للّائحة المطعون بفوزها.
في المقابل، تشير بعض المعلومات إلى أنّ رئيس البلدية المنتخب لجأ إلى نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب لمنع صدور قرار إبطال النتائج الانتخابية.
ويبقى السؤال الحاسم: هل سينتصر القضاء لمبدأ النزاهة الانتخابية أم سيخضع لمعادلات النفوذ والولاءات؟
الأيام المقبلة ستكشف إن كانت مرجبا ستشكّل نقطة تحوّل في حماية الإرادة الشعبية أم ستُسجَّل كصفحة جديدة في سجلّ تطويع القضاء وتسوية الحقائق.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
