إخلاء سبيل القذافي… سقطة قضائية جديدة تحوّل العدالة إلى انتقام

 

قرار جديد يهزّ الثقة بما تبقّى من هيبة القضاء اللبناني. القاضي زاهر حمادة أصدر قراراً بإخلاء سبيل هنيبعل القذافي مقابل كفالة مالية بلغت 11 مليون دولار أميركي. رقمٌ يختصر حجم العبث الذي بلغته بعض القرارات القضائية، ويطرح مجدداً أسئلة جوهرية حول مبدأ العدالة، ومعايير التوقيف والكفالة، وموقع القانون في ميزان الاجتهادات الشخصية.

فالقذافي، الموقوف منذ أكثر من عشر سنوات من دون محاكمة، يُشكّل نموذجاً فاضحاً لخرق أبسط مبادئ العدالة الجزائية، إذ تنص المادة 108 من أصول المحاكمات الجزائية على أن مدة التوقيف الاحتياطي في القضايا الجنائية لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، باستثناء الجرائم التي تمس الأمن القومي. غير أن هذا الاستثناء، وإن كان قائماً من الناحية القانونية، لا يمكن أن يُفسَّر على نحوٍ يجعل التوقيف الاحتياطي يمتد إلى عقدٍ كامل، في تجاوزٍ واضح لمبدأ التناسب بين التوقيف وخطورة الجرم، ولجوهر العدالة الذي يفترض أن يُطبّق لا أن يُعطَّل.

أما تحديد كفالة بقيمة 11 مليون دولار، فيعتبر سابقة في تاريخ القضاء اللبناني ويفضح حجم الاستنسابية والتفاوت في تعامل القضاء مع المتقاضين. فالكفالة، وفقاً لروح القانون، يجب أن تتناسب مع الوضع المالي للمدعى عليه وطبيعة الجرم، لا أن تتحوّل إلى رمز للانتقام أو المزايدة القضائية.

وإذا كان الهدف من التوقيف هو حماية العدالة والمجتمع، فلا بدّ من التذكير أن هنيبعل القذافي حين اختفى الإمام موسى الصدر لم يكن قد بلغ سنّ الرشد القانوني، ما يطرح سؤالاً قانونياً بحتاً: على أي فعلٍ يُحاسب قاصر؟ وهل تحوّل القضاء اللبناني من سلطةٍ لتطبيق القانون إلى منصّةٍ للتشفّي من الأسماء والعائلات؟

لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم التوقيف الاحتياطي، وفي سلطة القاضي التقديرية غير المقنّنة في تحديد الكفالات، لأن ما يُمارَس اليوم ليس سوى استنساب قضائي على حساب دولة القانون.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.