هل يُمهَّد لتطهير سياسي وعرقي وديني في سوريا؟

تعيش سوريا اليوم إعادة إنتاجٍ للغَلَبة تحت عنوانٍ جديد. والخطر لا يطال طرفًا بعينه، بل يطال سوريا كبلدٍ متعدّد: الأكراد، الدروز، العلويون، المسيحيون، السريان، والأشاعرة والصوفيون وغيرهم… كلّ من لا يدخل في قالب «اللون الواحد» الذي يُراد فرضه بالقوّة.

وحين تصبح الإهانة سياسة، والتحريض أداة حكم، والتخوين لغة يوميّة، فهذا ليس اضطرابًا في مرحلة انتقالية… بل تأسيسٌ رسميّ لبيئة تطهيرٍ سياسيّ ودينيّ وعرقيّ. فالتطهير لا يبدأ دائمًا بالمجازر؛ بل يبدأ بالكلمة التي تنزع عن الناس إنسانيتهم، ثم يتدرّج إلى الانتهاك العلنيّ بوصفه «تأديبًا»: حلقُ شارب شيخٍ لإذلاله، وقصُّ ضفائر امرأةٍ لإخضاعها، وإهاناتٌ تُعرض أمام الناس لتكريس منطق «نحن نقرّر من أنتم». هكذا تتحوّل السلطة من إدارة مجتمعٍ إلى كسر مجتمع.

وما يُقدَّم اليوم على أنّه «بناء دولة» ليس إلا بناء آلة خوف: دولةٌ تُصاغ على أساس تصوّرات حول جماعةٍ أكثريّة، وتُعرّف الوطنيّة كطاعة، وتُعرّف الاختلاف كخيانة، وتُحوّل التنوّع السوري من مصدر غنى إلى ملفّ أمني. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الإقصاء قانونًا غير مكتوب: يبدأ بالترهيب والاعتقال والتصفية السياسيّة، وينتهي —حين تتّسع الدائرة— إلى تهجيرٍ صامت أو إبادةٍ متقطّعة لا تستدعي حتى اعترافًا رسميًا.

والبُعد الأخطر أمنيًا هو عودة «داعش» كفزّاعة وواقعٍ محتمل في آنٍ واحد. فمع انهيار ترتيبات السيطرة السابقة لقوات سوريا الديمقراطيّة، وتزعزع الأمن في شمال شرق سوريا، عاد ملفّ معتقلي «داعش» إلى الواجهة، وبدأت بالفعل خطوات نقل أعدادٍ منهم خشية انفلات السجون والمخيّمات. وفي لحظات الفوضى الكبرى، يكفي أن تتصدّع بوّابة سجنٍ واحد… كي يعود «الوحش» إلى الشوارع.

هذه ليست تفاصيل «سوريّة داخليّة». لأن أي دولةٍ تُدار بهذا الشكل على حدود لبنان الشماليّة والشرقيّة، ستعني تلقائيًا ارتداداتٍ تتجاوز الخرائط. وحين تتحوّل سوريا إلى ساحة حكمٍ بالغَلَبة، يصبح لبنان —بحكم هشاشته وموقعه— أقرب من غيره لدفع ثمن هذه التحوّلات، إن لم نتنبّه لها وندِر الداخل بشكلٍ يحمينا من ارتدادات الخارج، وهذا غير ممكن إلّا في ظلّ دولةٍ لا يُقاسمها أحد في الأدوار والوظائف.

خلاصة مريرة: سوريا لا تتّجه إلى دولة مواطنة، بل إلى سلطةٍ تُدير البلاد بمنطق القمع العقائدي، وتفتح الباب أمام دورةٍ جديدة من العنف والإقصاء. ومن يبرّر هذا المسار اليوم —باسم الاستقرار أو «المرحلة الانتقالية»— يعرف أنّه يروّج لوهمٍ قاتل… لأن فائض الهمجيّة، حين يُطلَق، لا يكتفي بمن يُصنّفهم خصومًا، بل يبتلع الجميع.

مقالات الكاتب

علاء الصايغ

سياسي لبناني مستقل، وخبير في الابتكار الاقتصادي-الاجتماعي والإصلاح الديمقراطي. مستشار في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط في واشنطن.