هل كان زياد محقًا: «لبنان الجديد لحم بعجين»؟

لبنان بين حرب الأمس وانقسام اليوم

عندما يستعيد اللبنانيون ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية، يتذكرون سنوات طويلة من الدم والانقسام الطائفي الحاد الذي مزّق المجتمع والدولة. كانت تلك الحرب واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ لبنان، حيث تقاتلت الأطراف المختلفة تحت شعارات متناقضة، لكن كل فريق كان يزعم أنه يقاتل دفاعًا عن لبنان كما يراه ويؤمن به.

ورغم عمق الانقسام آنذاك، كان هناك قاسم مشترك غير معلن: فكرة لبنان نفسها. حتى في ذروة الصراع، بقي الانتماء إلى الوطن جزءًا من الخطاب السياسي لكل طرف، وكأن الجميع يتنافس على من يملك الرواية الأكثر إقناعًا عن «لبنان».

اليوم يبدو المشهد مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فالانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي أو طائفي تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حالة من الشك المتبادل والعداء العلني بين فئات من المجتمع. ويظهر ذلك بوضوح في الجدل المستمر حول دور حزب الله وعلاقته الوثيقة بإيران، مقابل تصاعد مشاعر الغضب والرفض لدى شرائح أخرى من اللبنانيين.

هذه الحالة خلقت واقعًا خطيرًا، حيث لم يعد الخلاف يقتصر على السياسات أو الخيارات الاستراتيجية، بل أصبح يمسّ فكرة العيش المشترك نفسها. ومع تصاعد الخطاب الحاد والعنصري أحيانًا، يبدو أن المجتمع اللبناني يمر بمرحلة قد تكون أخطر من مجرد انقسام سياسي.

ربما لهذا السبب تبدو ملاحظة الفنان والمفكر زياد الرحباني أكثر واقعية اليوم. فقد عبّر في أعماله الساخرة عن فكرة أن «لبنان الجديد لحم بعجين»، في إشارة إلى حالة الخلط والتناقض التي يعيشها البلد. وبين ذاكرة الحرب وواقع الحاضر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم اللبنانيون من تاريخهم، أم أن الانقسام سيبقى قدر هذا البلد الهش؟

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.