هل تتغيّر التحالفات في لبنان؟ قراءة في مشهد مأزوم بلا بدائل واضحة

على مدى السنوات الأخيرة، عاد الجدل بقوة حول طبيعة العلاقة بين القوى السياسية اللبنانية ومنظومة الفساد التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. وفي قلب هذا الجدل، يبرز دور حزب الله، بين من يعتبره جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة، ومن يرى أنه أحد مكوّنات نظام أوسع تشكّل من توازنات طائفية وتشابكات مصالح داخلية وخارجية.

لا يمكن فهم المشهد اللبناني الحالي من خلال اختزاله بطرف واحد. فمنذ اتفاق الطائف، نشأت شبكة حكم معقّدة شاركت فيها قوى متعددة، توزعت على مختلف الطوائف والتيارات، واستفادت بدرجات متفاوتة من بنية الدولة الضعيفة والاقتصاد الريعي. هذه المنظومة لم تكن يومًا حكرًا على فريق دون آخر، بل كانت نتاج تسويات داخلية ورعاية إقليمية ودولية.

غير أن التحولات التي شهدها لبنان منذ عام 2019، مع اندلاع احتجاجات لبنان 2019 والانهيار المالي غير المسبوق، دفعت العديد من القوى إلى إعادة تموضعها. بعض الأطراف التي كانت تُحسب ضمن تحالفات تقليدية بدأت تتبنّى خطابًا أكثر نقدًا، في محاولة للتكيّف مع غضب الشارع وتراجع الموارد المالية. هذا التغيّر في النبرة لا يعني بالضرورة قطيعة نهائية، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في مرحلة شديدة السيولة.

في هذا السياق، يُطرح سؤال حول مستقبل ما يُعرف بـ محور المقاومة، ومدى تأثره بهذه التحولات. إلا أن القراءة المتأنية تشير إلى أن هذا المحور لا يرتبط فقط بالداخل اللبناني، بل يتصل بمعادلات إقليمية أوسع تشمل توازنات القوة في الشرق الأوسط، والعلاقة مع إيران، إضافة إلى ملفات أمنية واستراتيجية تتجاوز حدود لبنان. لذلك، فإن الحديث عن “انهيار وشيك” يبدو متسرعًا في ظل استمرار هذه العوامل.

في المقابل، يظل العامل الاقتصادي أحد أبرز محددات المستقبل. فقد اعتاد لبنان تاريخيًا على الاستفادة من مصادر تمويل خارجية، سواء من دول الخليج أو من الغرب أو من إيران، وهو ما ساهم في تأجيل الانفجار لفترات طويلة. لكن الأزمة الحالية كشفت حدود هذا النموذج، وأظهرت أن الاستمرار فيه دون إصلاحات بنيوية لم يعد ممكنًا.

البديل المطروح نظريًا يتمثل في بناء دولة أكثر استقلالًا وشفافية، قادرة على إدارة مواردها بعيدًا عن الارتهان الخارجي. غير أن تحقيق هذا الهدف يصطدم بغياب توافق داخلي حقيقي، وباستمرار مصالح القوى التقليدية التي لا تزال تمسك بمفاصل أساسية في النظام.

في المحصلة، لا يبدو أن لبنان يتجه نحو قطيعة حاسمة مع تحالفاته القديمة بقدر ما يعيش مرحلة إعادة تشكيل تدريجية داخل نظام مأزوم. وبين تراجع الثقة الشعبية، وضغوط الاقتصاد، وتشابك العوامل الإقليمية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، من دون أن يلوح في الأفق بديل واضح وقادر على فرض نفسه في المدى القريب.

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.