فوضى التشريعات المالية «وصفة تاريخية» لتمييع المسؤوليات والهروب من المحاسبة

هل تريد السلطة اللبنانية استرجاع جزء من الأموال التي حُوِّلت إلى الخارج بعد الانهيار، بالتراضي؟ أم تريد فرض ضريبة إلزامية عليها؟ أم أنّها تطمح إلى استعادتها كاملة، غصباً، عبر “عصا” التدقيق الغليظة في مشروعيتها؟

ثلاثة أسئلة فرضتها التناقضاتُ العميقة بين تعاميم مصرف لبنان، وقرارات النيابة العامة المالية، ومشاريع قوانين السلطة التنفيذية، وبين ما أُقرّ من قوانين في مجلس النواب.

تتفق الأغلبية، على الرغم من تنوع مشاربها واختلاف أهوائها، على ثلاثة حقائق، وهي:

  • إخراج مليارات الدولارات “خلسة” لعدد قليل من النافذين من النظام المصرفي اللبناني منذ 17 تشرين الأول 2019، في الوقت الذي كان فيه أغلبية المودعين “يتسولون” سحب حفنة من الدولارات.
  • عدم مخالفة تحويل الأموال إلى الخارج أي قانون، ولاسيما إن كانت الأموال نظيفة، في ظل رفض المنظومة وضع قانون مقيد للتحويلات capital control.
  • اعتبار هذه العمليات غير أخلاقية، لكونها أعطت الأفضلية لأقلية نافذة حماية ودائعها من الذوبان، والاقتطاعات العشوائية (Hair cut) التي وصلت في مرحلة من المراحل إلى 80 في المئة.

نقطة الخلاف الجوهرية المستمرة منذ العام 2020 ولغاية اليوم تكمن في مشروعية استعادة هذه الأموال المحولة، وبأي طريقة.

أول الرقص حنجلة

افتتح مصرف لبنان “حلبة” استعادة الأموال المحولة إلى الخارج بـ”الرقص حنجلة” على إيقاع التعميم 154 في آب 2020، حيث طلب  هذا التعميم من المصارف حث عملاءها الذين قام أي منهم بتحويل ما يفوق مجموعه 500 ألف دولار أميركي أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية الأخرى إلى الخارج خلال الفترة المبتدئة من 1 تموز 2017 حتى تاريخ صدور هذا القرار، على أن يودعوا في حساب خاص مجمد لمدة ثمان سنوات مبلغاً يوازي %15 من القيمة المحولة، و30% إذا كان المحوّل شخصية معرّضة سياسياً PEP’s أو شخصية مصرفية.

وكان مصرف لبنان يطمح لاستعادة ما لا يقل عن 4 مليارات دولار نقداً لتعزيز سيولة المصارف، إلا أن التقديرات وقتها أشارت إلى إرجاع أقل من نصف مليار دولار، نظراً لكون التعميم افتقد إلى الآليات التطبيقية أو حتى العقابية على المخالفين، ولكونه استعمل كلمة “حث”، التي تفتقد إلى القوة الإجرائية.

إعادة هيكلة المصارف

خطوة مصرف لبنان المترددة التي تسبق الرقص الحماسي، ظلت وحيدة على خشبة الفوضى النقدية حتى تموز 2025، تاريخ إقرار البرلمان القانون 23/2025 المتعلق بإصلاح المصارف وإعادة تنظيمها. فنصت المادة 16 منه على إعطاء الغرفة الثانية المنشأة في “الهيئة المصرفية العليا”، صلاحية طلب استرداد الأموال التي تم تحويلها بعد 17 تشرين الأول 2019. لكن بما أن هذا القانون جرى ربطه بصدور قانون الفجوة المالية، ظلت هذه المادة حبراً على ورق مثلها مثل بقية المواد المدرجة.

النيابة العامة المالية تتحرك، ولكن…

بعد أقل من شهر على إقرار قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها “خطف” قرار النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو، الإهتمام بتكليفه الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين ومنهم مصرفيين، بإيداع مبالغ في مصارف لبنانية تساوي المبالغ التي قاموا بتحويلها إلى الخارج خلال الأزمة المصرفية والمالية، وبذات نوع العملة، بهدف إعادة إدخالها في النظام المصرفي اللبناني، وذلك خلال مهلة شهرين، بإشراف النيابة العامة المالية ووفقاً للشروط التي تضعها.

القرار على أهميته لم يشمل كل من حوّل الأموال، بل فقط الذين يمكن أن يكون هناك شبهات على مصادر أموالهم. وقد انطلق القاضي شعيتو من آلية تتوافق مع المثل الشعبي القائل “إلي في تحت باطو مسلة، بتنعرو”، فسمح من جهة بإرجاع هذه الأموال، بغض النظر عن وضعها، إلى لبنان وهدد ضمنياً من الجهة الثانية من لا يلتزم بفتح تحقيق بالتحويلات التي أجريت ومصدر الأموال، وما إذا جرى تسديد الضرائب عليها… وفي حال عدم الالتزام يأتي دور “عصا” التدقيق بتلك الحوالات وتحديد مشروعيتها ومعاقبة المخالفين. فإذا ثبت مثلاً أن المودع لم يسدد الضرائب على المبالغ التي جرى تحويلها، يعتبر الجرم تهرباً ضريبياً، ويمكن للقضاء استعمال القانون 55/2016 المتعلق بتبادل المعلومات الضريبية، ما يمكّن من استرداد الأموال.

وعلى الرغم من مضي نحو 4 أشهر، لم تسجل بحسب معنيين أي اعادة للأموال، وهو ما دفع القاضي شعيتو إلى تحريك العصا. فوجّه في 17/11/2025 طلب الحصول على كشوفات مفصّلة بحركة الحسابات والتحاويل المصرفية للفترة الممتدة بين  1/7/2019 حتى 1/1/2023. كما طلب تفنيد حركة الحسابات التي تعود إلى رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف التجارية العاملة في لبنان، ومديري المصارف على كافة المستويات، والمفوّضين بالتوقيع، وذلك بالاستناد إلى تحقيقات أوّلية تجريها النيابة العامة المالية بموضوع اشتباه بحصول جرائم جزائية ومنها جرائم مصرفية. وطلب شعتبو التوسع بالتحقيقات لتشمل الأزواج والأولاد أيضاً.

السلطة «تعمي» المحاسبة

بدلاً من أن “تكحّل” السلطة التنفيذية القرارات والتعاميم السابقة، وتبني عليها، “أعمتها” في قانون الفجوة المالية، المسمى “قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”. فبحسب المسودة الأولى المسرّبة، تُفرض على التحويلات التي أجريت بعد 17 نيسان 2019 من قبل المصرفيين، ومن بعد 17 تشرين الأول 2019 لبقية المودعين، وبقيمة تتجاوز المئة ألف دولار، ضريبة نوعية إستثنائية نسبتها 20% من القيمة الإجمالية لهذه التحويلات.

وتقوم المصارف المعنية باقتطاع هذه الضريبة من أية أموال جديدة مودعة لدى المصرف المعني في حال وجودها. أما في حال عدم وجود أموال جديدة لهؤلاء الأشخاص، تقوم وزارة المالية بإصدار أوامر قبض بقيمة الضريبة المفروضة يتم تحصيلها وفقاً لأصول تحصيل الضرائب والرسوم المحددة في الفصل 11 من قانون الإجراءات الضريبية رقم 2008/44 وتعديلاته ولغايات تطبيق هذه الفقرة، على أصحاب الحسابات المعنية الإمتناع عن إجراء أية تحويلات من حساباتهم من شأنها إنقاض أرصدة تلك الحسابات عن قيمة الضريبة النوعية المذكورة، وذلك تحت طائلة ملاحقتهم بجرم التهرب الضريبي. ولا يحول تسديد الضريبة المنصوص عليها في هذه الفقرة دون إمكانية الحكم بإعادة المبالغ موضوع تلك التحاويل، كلياً أم جزئياً، بموجب قرار يصدر عن القضاء المختص.

البناء على قرارات المدعي العام المالي

أهمية قرارات النيابة العامة المالية يقابلها غموض في قانون هيكلة المصارف 23 المقر، وقانون استرداد الودائع المنوي إرساله إلى المجلس النيابي قبل نهاية العام. وهذان القانونان معيقان لدرجة كبيرة. فلو سلّمنا جدلاً بامكانية إقرار القانون الأخير في البرلمان، فإنه يتطلب عشرات المراسيم التطبيقية التي قد لا تكون المهلة كافية أمام الحكومة لإصدارها قبل الانتخابات النيابية. وفي جميع الحالات فإن القانونين يتعارضان لجهة التعامل مع الأموال المحوّلة كما أسلفنا، وتطبيقهما مرتبط لغاية الآن بصدورهما سوية.

“لعل أخطر ما يجري هو دمج البعض عن حسن نية أو سوئها، بين قانون الفجوة المالية الذي أقر ضريبة بنسبة 20 في المئة على التحويلات التي جرت منذ العام 2019، وبين المسؤولية المترتبة على تحويل هذه المبالغ إلى الخارج”، يقول المحامي كريم ضاهر. وبرأيه “إذا بيّنت التحقيقات بالتحويلات ومصادر الأموال وجود جرائم ناتجة عن الإفلاس التقصيري، أو عن عمليات إفشاء بمعلومات مميزة يعاقب عليها القانون 161/2011، (القانون الذي أنشأ هيئة الأسواق المالية) أو عن الاحتيال أو إساءة الأمانة أو تبييض الأموال، كلها مواضيع تسمح للإدعاء العام المالي الاستمرار في التحقيق بها، بغض النظر عما تضمنه أو سيتضمنه قانون استرداد الودائع. وما لم يصدر عفو عام شاكل، وهذا مستبعد، فإن التحقيقات يجب أن تأخذ مجراها الطبيعي، مدعومة بقانون تعديل السرية المصرفية المقر بداية العام، والذي يسمح بالعودة بالتدقيق إلى فترات سابقة، وذلك بغض النظر عما صدر من قوانين”.

“أهمية قرار النيابة العامة المالية لم يقتصر على ملاحقة من حوّل أمواله بشكل مباشر، إنما من حوّل بطريقة غير مباشرة أيضاً”، يضيف ضاهر. “فالتحويل إلى الخارج كان يتم عبر طرف ثالث مستتر، تحوّل له الأموال في الداخل وهو من يتكفل في تحويلها إلى الخارج لإبعاد الشبهات. وبناءً عليه، طلبت النيابة العامة المالية كشف الطرف الثالث الضالع في هذه التحويلات”.

هذه المشهدية العامة تعيدنا إلى القاعدة القانونية الأقدم تاريخياً وهي أن الغموض في القوانين وعدم وضوحها واتساقها، يؤدي إلى تأويلات مختلفة، ويخلق تضارباً في الأحكام القضائية، الأمر الذي يشتت الصلاحيات ويسمح بتهرب المرتكبين من المحاسبة عن المخالفات. فهل هذا هو المطلوب؟

 

مقالات الكاتب

خالد أبو شقرا

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.