الاغتراب اللبناني والكفاءات المُهجَّرة… دولة تُصدِّر عقولها وتستورد دولاراتهم

الاغتراب اللبناني ليس حدثًا عابرًا ولا خيارًا فرديًا معزولًا، بل هو مسار تاريخي فرضته دولة عجزت عن أن تكون دولة. من جيل إلى جيل، يهاجر اللبناني بحثًا عن الأمان، وعن الفرصة، وعن كرامة العمل، بينما يبقى الوطن حاضرًا في الوجدان… وغائبًا في السياسات.

لكن ما يميّز المرحلة الراهنة هو طبيعة المهاجرين؛ إذ لم يعد الاغتراب حكرًا على الفقراء أو المهمَّشين، بل بات يشمل النخب والكفاءات: الأطباء، والمهندسين، والباحثين، وأساتذة الجامعات، والمبدعين، وروّاد الأعمال. هؤلاء لم يغادروا لأنهم لا ينتمون، بل لأن الدولة لم تَعُد تنتمي إليهم.

الدولة، بوظيفتها الطبيعية، يُفترض أن تستثمر في الإنسان، وأن تحمي جهده، وتوفّر له أفقًا. أما في لبنان، فقد حصل العكس: تعليم بلا سوق عمل؛ كفاءة بلا تقدير؛ واجتهاد بلا أمان. فأصبحت الهجرة فعل بقاء لا طموح.

والأخطر أن الدولة لم تتعامل مع هذه الهجرة بوصفها خسارة استراتيجية، بل كأمر واقع… بل كفرصة مالية. فالعلاقة بين الدولة اللبنانية والمغترب علاقة مختلّة: لا سياسات جدّية لاستعادة الكفاءات، ولا برامج دمج أو نقل خبرات، ولا مشاركة فعلية في القرار الوطني.

في المقابل، هناك اعتماد شبه كلي على تحويلات المغتربين. وهي تحويلات تموّل العائلات، وتثبّت الليرة نسبيًا، وتُبقي الاستهلاك حيًا، وتؤجّل الانهيار… لكنها لا تمنعه.

وهكذا يتحوّل المغترب إلى ممول غير مُستشار، وداعم غير ممثَّل، وشريك مالي بلا حقوق سياسية فعلية.

لبنان لا يخسر فقط من يغادره، بل يخسر ما كان يمكن أن يغيّره: يخسر طاقة إصلاح، ويخسر نماذج نجاح، ويخسر قدرة تنافسية. وفي الوقت نفسه، يُستنزف المغترب نفسيًا؛ فهو مطالب بالدعم الدائم، ومحاصر بالحنين، ومتَّهَم بالتخلّي إذا انتقد. فيُطلب منه أن يحب الوطن بلا شروط، وأن يدفع بلا مساءلة، وأن يصمت بلا تمثيل.

المغترب اللبناني غالبًا لا يقطع علاقته بوطنه. يبني بيتًا لا يسكنه، ويعلّم أولاده اسم القرية، ويعود زائرًا… لا مواطنًا. وهنا تكمن المفارقة القاسية: فالدولة التي فشلت في الاحتفاظ به، تنجح في الاستفادة منه، لا عبر دمجه، بل عبر استنزاف ما تبقّى من ارتباطه العاطفي.

فهل من أفق مختلف؟ إن الاستفادة الحقيقية من الاغتراب لا تكون عبر مؤتمرات شكلية، وخطابات حنين، ودعوات استثمار بلا ضمانات، بل عبر دولة قانون، ومؤسسات شفافة، ومشروع وطني يعترف بالكفاءة لا بالطائفة.

من دون ذلك، سيبقى الاغتراب حلًّا فرديًا لمأساة جماعية، ومصدر تمويل لدولة بلا رؤية.

لبنان اليوم لا يهاجر منه الناس فقط، بل تُهاجر منه إمكانيات النهوض. وأي دولة تعتبر أبناءها في الخارج مجرّد أرقام تحويلات، هي دولة قرّرت أن تعيش على فوائد الغياب بدل أن تبني شروط العودة.

مقالات الكاتب

جورج الزغبي

ناشط إعلامي