ككل شيء في لبنان، تحوّل نظام تعويض نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي، الذي كان في أساسه تدبيراً مؤقتاً، إلى القاعدة المستمرة منذ ثمانية وخمسين عاماً. وخلال سنوات طويلة، فقد الضمان جزءاً أساسياً من الغاية التي أُنشئ من أجلها، وهي الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
على الرغم من أن قيمة تعويضات نهاية الخدمة ظلّت، حتى نهاية العام 2019، مقبولةً، إلا أنها لم تكن عادلة. فقد اقتصر النظام “المؤقت” على حماية فئات محدودة، وأفسح المجال للتصفيات المُبكّرة، ما قلّل قيمة التعويض، وأفقد المضمون ومن هم على عاتقه الحماية خلال فترة الشيخوخة.
أما بعد العام 2019، فقد انهارت قيمة التعويضات بالتوازي مع انهيار سعر الصرف، وفقدت خلال السنوات الثلاث الأولى نحو 90 في المئة من قيمتها. وقد أوجب هذا الانهيار الإسراع في إقرار التعديلات على بعض أحكام قانون “الضمان الاجتماعي وإنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية”، الذي يُدرَس منذ العام 2004، قبل أن تُصدر تلك التعديلات بقانون أخيراً في كانون الأول 2023.
قانون التقاعد والحماية الاجتماعية
ينصّ القانون الجديد على تحويل تعويض نهاية الخدمة إلى معاش تقاعدي مدى الحياة، مرفقاً بالتغطية الصحية والاستشفائية للمضمونين إلزامياً، وللمتعاقدين، وموظفي البلديات، والأجراء الأجانب. كما يمكن للأشخاص العاملين لحسابهم الخاص أن يشتركوا اختيارياً في النظام، وفق سلّم مداخيل واشتراكات محدّد، سواء كانوا يعملون في الداخل أو في الخارج.
يؤمّن نظام التقاعد الاستقرار الاجتماعي للعاملين على مختلف تسمياتهم، ويساهم في تعزيز الوحدة الاجتماعية الوطنية الداخلية، كما يساهم بتعزيز إمكانية التغطية الصحية اللائقة في مرحلة التقاعد، ما ينعكس إيجابا على الاستقرار الداخلي ومستوى الـمعيشة والقدرة الشرائية للقوى العاملة بعد انتقالها للتقاعد، أو توقفها عن العمل لأسباب طارئة.
ويسري الخضوع الإلزامي لنظام التقاعد على الأشخاص الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة بعد تاريخ وضع النظام موضع التنفيذ، وكذلك على المضمونين سابقاً الذين لم يبلغوا سن التاسعة والأربعين عند تاريخ وضعه موضع التنفيذ. أمّا المضمونون السابقون البالغون سن التاسعة والأربعين وما فوق، فيكون لهم حقّ الاختيار بين البقاء في نظام نهاية الخدمة (التعويض) أو الانتساب إلى نظام التقاعد.
ويستحقّ المعاش التقاعدي عند توافر الشرطين الآتيين مجتمعين:
- بلوغ المضمون السنّ القانونية للتقاعد المحدّدة بـ64 سنة مكتملة.
- بلوغ مدة اشتراك لا تقلّ عن خمسة عشر عاماً.
المعاش التقاعدي
تترواح قيمة المعاش التقاعدي بين 55% من الأجر المعتمد بتاريخ التقاعد، لكل من عمل 15 عاماً، وتصل إلى 80%، ذلك أن النسبة تزداد 1.75 في المئة عن كل سنة اشتراك إضافية.
وكان من المفترض البدء بتطبيق هذا القانون بعد عام على إقراره بأبعد تقدير، أي مطلع العام 2025، وهذا ما لم يحصل. فـ”الفراغ السياسي خلال العام 2024 وما تبعه من حرب، وتأخير التعيينات، كلها عوامل أدت إلى تأخير صدور مراسيم القانون التطبيقية البالغ عددها 13 مرسوماً”، يقول مدير عام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي د.محمد كركي، “ومن هذه المراسيم ما يحتاج إلى عمل جاد ومتواصل، نظراً إلى تعقيدها التقني وحساسيتها. كما أن إنجاز الجزء الأهم من هذه المراسيم يتطلب كفاءات عالية وخبرات متخصصة”.
تتمحور التعديلات والإضافات بشكل أساسي على:
- إنشاء نظام هجين الذي هو مزيج من نظام الرسملة والتوزيع.
- تعديل التنظيم الإداري للصندوق في ما خصَّ أجهزته، بإضافة لجنة الاستثمار إليه، على أن تتشكَّل من خبراء مختصين، وتكون بديلاً عن اللجنة المالية.
- تشكيل مجلس الإدارة من 10 أعضاء من بينهم خبراء مختصين، (4 ممثلين عن العمال، و4 ممثلين عن أصحاب العمل، وممثلين عن الدولة)، وذلك بدلاً من 28 عضواً، كما كان معمولاً به في النظام القديم.
- إلغاء هيئة مكتب مجلس الإدارة.
التعديلات وضعت على نار حامية، ولكن!
“هذه التعديلات بدأ العمل عليها بشكل جدي ومتواصل وسريع، منذ انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة”، بحسب الدكتور كركي. وقد جرى حتى اليوم إنجاز ثلاثة مراسيم تطبيقية من أصل ثلاثة عشر مرسوماً واجب الصدور.
ويتناول المرسومان الأولان تحديد اختصاصات أعضاء مجلس الإدارة، وذلك بعد تقليص عدد أعضائه من 28 عضواً إلى 10 أعضاء، وتحديد الفئات الأكثر تمثيلاً من العمال وأرباب العمل. كما ينصّان على إنشاء جهاز رابع في الضمان الاجتماعي، هو لجنة الاستثمار والجهاز التنفيذي التابع لها، إضافة إلى الأجهزة الثلاثة القائمة: أمانة السر، والمديرية العامة، واللجنة الفنية. ويُفترض أن يُسهم هذا التنظيم في جذب الكفاءات والمتخصصين للمشاركة في الورشة الكبرى التي يجري التحضير لها.
وفي إطار التحوّل الكبير في نظام التقاعد، أُعيدت هيكلة الضمان الاجتماعي ونظام التقاعد مدى الحياة للمواطنين، ويجري العمل حالياً على تعيين مجلس الإدارة الجديد. وقد انتهت في 14 تشرين الثاني الحالي مهلة تقديم طلبات الترشّح لعضوية مجلس الإدارة، وهي المهلة التي مدّدها وزير العمل مرتين حرصاً على إتاحة الفرصة أمام أوسع مشاركة ممكنة، وتشجيع الكفاءات وأصحاب الاختصاص على التقدّم. ومن المنتظر، بحسب كركي، صدور مرسوم تعيين مجلس الإدارة الجديد في أقرب فرصة، وقبل نهاية هذا العام.
العائق الأكبر
من أصل المراسيم العشرة المتبقية، هناك تسعة مراسيم تعالج أموراً تفصيلية صغيرة ويمكن إنجازها في غضون أشهر قليلة، إلا أن “مرسوماً واحداً منها يُعدّ بالغ الحساسية ويتطلّب وقتاً أطول”، بحسب كركي. ويتعلّق هذا المرسوم بـ:
- نسبة الاشتراكات في النظام الجديد.
- كيفية توزيعها بين الأجير وأرباب العمل.
- آلية انتقال المضمونين من النظام القديم إلى النظام الجديد عند تصفية التعويضات.
- كيفية تسديد أرباب العمل قيمة التسويات.
تحتسب التعويضات على أساس 1.33 %عن كل سنة. فمن يعمل 40 عاماً، ينال 60% من متوسط الراتب، ومن يعمل 30 عاماً ينال 40%.
وبحسب القانون الجديد، يجب تصفية التعويضات لجميع المضمونين، ولا سيّما الذين تقلّ أعمارهم عن 49 عاماً، تمهيداً لانتقالهم إلى نظام التقاعد والحماية الاجتماعية. وهذا يعني عملياً أن مؤسسات القطاع الخاص ستكون ملزَمة بتسديد مبالغ تسوية كبيرة لتصفية التعويضات، ولا سيّما بعد ارتفاع الحد الأدنى للأجور من 675 ألف ليرة، وهو الرقم الذي كانت تُحتسب على أساسه هذه التسويات، إلى 28 مليون ليرة حالياً.
وللتبسيط، فإن التسويات التي ستترتّب على أصحاب العمل ستكون مضاعفة أضعافاً عمّا سبق لهم أن سدّدوه للضمان. فلو افترضنا مثلاً أن تعويض أحد الأجراء يبلغ 400 مليون ليرة، في حين أن المؤسسة راكمت خلال السنوات الماضية ما لا يتجاوز 30 مليون ليرة، فهذا يعني أنها ستُضطر إلى دفع نحو 370 مليون ليرة عن كل أجير لديها لصالح النظام الجديد.
التحضيرات اللوجستية مستمرة، واقتراح حلول
وفي هذه الأثناء، تواصل إدارة الضمان تجهيز المتطلبات اللوجستية الأساسية، وقد “تمّ إنجاز إدخال كل البطاقات الفردية للمضمونين على البرنامج المخصّص”، كما يقول كركي. ويضيف: “نعمل بالتعاون مع منظمة العمل الدولية على إعداد الدراسات الأكتوارية، وهي الدراسات التي تحدّد قيمة حقوق المضمونين وتقارنها بالموارد المالية المتوافرة، ما يسمح بتقييم الوضع العام”. وعليه، “أعلنّا أننا بحلول نهاية العام 2026 نكون قد أنجزنا ما هو مطلوب منّا”، يقول كركي، مضيفاً أن “الكرة تصبح عندها في ملعب السلطة السياسية لوضع القانون موضع التنفيذ”.
تم إنجاز مشروع قانون التعويض ضد البطالة في العام 2022. ومن الممكن إقراره ووضعه موضع التنفيذ سريعاً، ذلك أن نسبة الاشتراكات فيه بسيطة. وهو من الإجراءات المطلوبة لتأمين الاستقرار الاجتماعي في لبنان.
إذًا، في حال السير بالبرنامج كما هو مُعدّ، فمن المفترض أن يبدأ تطبيق قانون التقاعد والحماية الاجتماعية مطلع العام 2027. أمّا في حال عرقلة التعيينات أو تعطيل آلية تصفية التعويضات، فمن المُرجّح أن يتأخر التطبيق أكثر. وقد برزت في الآونة الأخيرة محاولات لتمرير تعديلات على القانون تتيح للشركات التخفيف من نقل التعويضات إلى النظام الجديد وتسديد التسويات المتوجبة عليها، وذلك من خلال رفع سن الانتساب إلى النظام الجديد إلى 55 بدلا من 49، و”قد تصدينا لها من خلال اتاحة المجال بتقسيط هذه التسويات على عدد من السنوات”، يقول كركي، إذ إن الأولوية تبقى حماية حقوق الأجراء ومصالحهم.
بشكل عام، وبالمتوسط، يفوق الراتب التقاعدي ثلاثة أضعاف تعويض نهاية الخدمة، وبالتالي، من مصلحة المضمونين الانتساب إلى هذا النظام الجديد، خصوصاً أنه يترافق مع تغطية صحية شاملة. ويعتبر القانون من أهم الإنجازات التاريخية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي التي شهدها لبنان منذ 3 عقود. فمبدأ التقاعد والحماية الاجتماعية يشكل عنصراً مفصلياً في تأمين الحد الأدنى من الأمن الاجتماعي لشرائح واسعة من المجتمع، على قاعدة التعاضد والتكافل والعقد الاجتماعي الذي يحكم علاقات العمل والتقاعد.

خالد أبو شقرا
صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.
