نحن عيّنة من أهل الفكر والسياسة والقانون والإعلام وعامة الشعب، أمضينا معظم أعمارنا في أروقة العمل السياسي، وذرفنا معظم أوقاتنا في مسالك النضال بين الكتابة والكلمة والنصّ الفقهي، وعقدنا صداقات حقيقية وافتراضية مع كل رجل سياسي شريف، ومع كل مواطن مؤمن بقدسية الوطن لبنان وسيادته وحرّيته واستقلاله التام والناجز.
نكتب لقداستكم في هذا الظرف الدقيق، معتبرين أنّ زيارتكم تأتي في لحظة حسّاسة من حيث توقيتها ومضمونها.
نحن شعب يعتريه اليأس تارةً والغضب تارات، لما آلت إليه الأوضاع العامة في البلاد من عبث وتعطيل واجتزاء، حتى كادت عضلاتنا، ومن تبقّى من أهل التحفّظ والعلم والوفاء للوطن وللأديان السماوية، أن تخور بسبب التضليل الممنهج المُتَّبع من قِبَل من استقبلوكم وهلّلوا لكم، بعدما ضرب الزلزال أرض القداسة فتشقّقت جزرًا وأندية ومصالح ومجموعات ومواقع متصارعة، وترجرجت كفّتا العلمانيين والروحيين، وتعرّى الحقّ والحضور من كلّ السقوف الدستورية والقانونية والدينية.
نحن شعبٌ مُحبَط يا قداسة البابا، ننظر بكثير من الإشفاق إلى الوطن والشعب، مسيحيين ومسلمين، حين لا يُحسب للفكر وللباحثين وللمتنورين أي وزن أو مكانة في المنظومتين السياسية والدينية، فتصدر سلطات التسلّط قرارات عاجلة بتغييب هذا أو ذاك من رجال الفكر والأصالة اللبنانية والدينية.
نحن شعب مُحبَط يا قداسة البابا، ندون عبر هذه السطور حرارة تنهيداتنا العميقة، ولا نكاد نصدّق أننا مُحرومون من لقائكم ومن إظهار حرصنا على مناشدتكم النظر في واقع شعب لبنان بكل أطيافه. فقد صنّف مستقبِلوكم الشعبَ والمفكرين بين “مرموق” و”غير مرموق”، ومنهم من سعى بالوساطات المحرّمة إلى تدبير دعوة من هنا أو من هناك ليقف ذليلاً على مفترق طرق أو على مقعد لرؤيتكم.
نحن شعب مُحبَط يا قداسة البابا، ومُذَلُّون لأننا كنا على يقين بأنّ زيارتكم مهمّة لشعب مزّقته عواصف العمالة والتبعية والارتهان والتفرقة والتضليل، في ظل دولة فاشلة تهتك بشعبها ومؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية، لا تُبالي بإفقار أبنائها ولا تسعى لخلاصهم، ولا تضع سياسة صارمة لصدّ الأوبئة السياسية والدينية، فضلًا عن ارتكابها إهمالاً فادحاً يُوازي الجناية والعمالة، وتنفض عنها بصفاقة مسؤولية تغييب المفكّرين ورجال الفكر وأصحاب الاختصاص.
نحن شعب مُحبَط يا قداسة البابا، اسمح لنا أن نصرخ وأن نلملم جراحنا، أن نحزن، أن نغضب، أن نتوجّع، أن نجمع ما تبقّى فينا. اسمح لنا أن نقول لقداستكم إننا لسنا بخير، وأننا لم نعد نحتمل الضربات التي تكسرنا. اسمح لنا أن نقول لقداستكم إننا خائفون وضعفاء ومكبّلون. اسمح لنا يا قداسة البابا أن نبكي تاريخ أمتنا اللبنانية، أن نبكي عيشنا المشترك، أن نبكي شهداءنا الذين ماتوا وهُدرت دماؤهم بحبر التسويات والمزايدات والمراهنات، وأن نبكي ذكرياتنا في وطن أحببناه وعشنا ضيقته ورسوليّته التي تحدّث عنها سلفكم البابا يوحنا بولس الثاني.
يا بابا السلام، في الشكل تتميّز زيارتكم عما سبقها من زيارات لأسلافكم. ومن بعيد، وكما أرى بوصفي أمين سرّ المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية PEAC، تبدو الزيارة شاملة ومحيطة بالشعب اللبناني مسيحييه ومسلميه، كما بدت خارطة طريق للسلام الموعود على قاعدة السيادة وحفظ الحقوق والأدوار وتطبيق القانون الذي لا يعلو عليه أحد.
شعبنا مُحبَط يا قداسة البابا، وإحباطه موجع ومؤلم. إحباطه نابع من طبقة سياسية علمانية – دينية فاشلة أو عاجزة عن لعب الدور المحوري والريادي لمواكبة الحلول المقترحة للأزمة اللبنانية. وهذا الاستنتاج له مدلولات كثيرة، ويكفي أن نذكّركم بالوقائع المؤلمة التي يعاني منها شعبنا.
شعبنا مُحبَط يا قداسة البابا، ولِتُثمِر زيارتكم وتنجح، لن أكتفي بتوصيف المشكلة والشكوى والتذمّر، بل أتوخّى تحديد سبل العلاج ووضع نقاط الحل على مكامن الأزمة، في خارطة طريق تنسجم مع ما تفضّلتم بذكره أثناء لقاءاتكم، مُذكّراً بالثوابت الوطنية وصيغة العيش المشترك وعناوينها:
- بسط سلطة الدولة على كامل ترابها الوطني، ومنع أي تدخل في شؤونها، وحصرية السلاح عملاً بالقوانين والدستور، وفي طليعتها قانون الدفاع الوطني ووثيقة الوفاق الوطني.
- اعتماد الديمقراطية في ممارسة النظام السياسي عبر قانون انتخابي يعيد تكوين السلطة على أسس ديمقراطية حقيقية لا على إلغائها.
- تطبيق المناصفة الفعلية في المشاركة بين اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، في الحكم والإدارة.
- إقرار قانون اللامركزية الإدارية الموسعة بما يمنح الأقضية صلاحيات فعلية وواسعة.
قداسة البابا، آمل من الرب أن أكون قد وُفِّقتُ في ما قصدت إليه في هذه المقالة، راجياً رؤيتكم لنيل البركة، ولمراجعة ما أسلفتُ مع كل مواطن شريف.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
