أثارت المقابلة التي أجرتها قناة الإخبارية السورية مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط جدلًا واسعًا، نظرًا لتوقيتها ومضامينها التي جاءت في مرحلة حسّاسة تمرّ بها محافظة السويداء بعد الأحداث الدامية التي شهدتها في تموز/يوليو الماضي، والتي خلّفت مئات القتلى من المدنيين وعشرات القرى المدمّرة والمنهوبة، نتيجة هجومٍ ممنهجٍ على الدروز نفّذته قوات الأمن العام والجيش التابع لوزارة الدفاع السورية في حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بالإضافة إلى حشودٍ من العشائر التي استخدمتها السلطة خلال هجومها.
بدت المقابلة محاولةً إعلاميةً لاستثمار مكانة وليد جنبلاط الرمزية لدى الدروز، لتوجيه رسائل تدعم خطاب السلطة الجديدة في دمشق، فيما أراد جنبلاط تمرير مواقف سياسية تخالف رياح الشرع بقدرٍ من الحذر والرمزية.
يهدف هذا المقال بجزئيه إلى استكشاف سياسة الإعلام السوري الرسمي وغاياته في ظلّ نظام الشرع، من خلال تحليلٍ نقديّ لمقابلة جنبلاط.
منبر الإخبارية: الموضوعية قولًا والتحيّز فعلًا
استأنفت قناة الإخبارية السورية بثّها التجريبي في أيار/مايو 2025، في مشهدٍ وُصف بأنّه بدايةُ مرحلةٍ إعلاميةٍ جديدةٍ في البلاد. أعلن القائمون عليها آنذاك أنّ نهجها الجديد سيرتكز على الموضوعيّة والمهنيّة والحياد، مؤكدين أنّ هدف انطلاقتها هو نقل الإعلام السوري إلى عصر الحرية والتعبير المسؤول، بعد عقودٍ من الهيمنة والدكتاتورية الإعلامية التي طبعت مرحلة النظام الأسدي السابق. غير أنّ هذه الانطلاقة لم تتجاوز حدود الشعار، إذ سرعان ما تبيّن أنّ الخطاب الجديد لم يخرج عن سياق النهج القديم.
خلال الأشهر الأخيرة، كثّفت قناة الإخبارية السورية نشاطها الإعلامي عبر سلسلة من المقابلات مع شخصيات سياسية بارزة في البلاد. وفي الأيام الماضية، بثّت القناة مقابلة وُصفت بـ«الاستثنائية» مع الزعيم الدرزي اللبناني والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي لطالما عُرف بدوره المحوري في رسم السياسات اللبنانية المتعلقة بالطائفة الدرزية.
جاءت هذه المقابلة في لحظة حرجة بالنسبة لدروز سوريا، الذين يشكّلون نحو 3% من إجمالي عدد السكان، لتثير جدلًا واسعًا حول مغزاها وتوقيتها، خصوصًا أنّها عُرضت على شاشة الإخبارية السورية نفسها.
منذ البداية، اتّسمت المقابلة بمزيجٍ من المجاملة المصطنعة والتشويه الممنهج للحقائق، تنفيذًا – على ما يبدو – لتوجيهاتٍ صادرةٍ عن مكتب الأمانة العامة السياسية في وكالة الأنباء السورية الرسمية. تتمثّل مهمّة هذا المكتب في مراقبة خطاب قناة الإخبارية وسياستها الإعلامية، وضمان عدم تعارضها مع نهج السلطة الجديدة. وهكذا، تبدو وظيفة الإعلام، كما تتجلّى في أداء القناة، تلميع صورة السلطة الحاكمة والترويج «لإنجازاتها» على الأرض من جهة، ومن جهة أخرى الحرص الشديد على تجنّب أيّ زلّةٍ إعلامية قد تُظهر فشلها في إدارة المجتمع السوري المتنوّع أو تفضح تجاوزات الفصائل التي منحت ثقتها لسلطة الشرع خلال ما سُمّي بـ«مؤتمر النصر»، وما ترتكبه من فظائع ضدّ الأقليات ومعارضي النظام. وليس في ذلك عجب؛ فالأمانة العامة السياسية، بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني، ليست سوى المسمّى الجديد لهيئة تحرير الشام التي أعلنت حلّ نفسها بعد تسلّم السلطة.
وفي الوقت الذي خصّصت فيه القناة مساحة واسعة للحديث عن مواقف جنبلاط العروبية، سعت في المقابل إلى التقليل من الهجوم الدموي الذي شنّته قوات الأمن العام والجيش التابع للرئيس الانتقالي أحمد الشرع على محافظة السويداء، وما رافقه من انتهاكات جسيمة خلّفت مئات القتلى من المدنيين وعشرات القرى المدمّرة والمنهوبة. خاطبت المذيعة ضيفها بعد كلّ سؤال بعبارة «وليد بيك»، في تكرارٍ يوحي بنبرة تبجيلية تبتعد عن الحياد المهني. هذا الأسلوب، إلى جانب الأسئلة الموجّهة، عكس رغبة القناة في تقديم جنبلاط كمرجعية درزية عليا، قادرة على إعادة ضبط موقف دروز سوريا تجاه السلطة الحالية.
كيف تحجب جبلًا بحفنة تراب
كرّرت مقدّمة البرنامج اتهام رفع العلم الإسرائيلي من دون أن تتوقّف عند الأسباب التي دفعت أهل السويداء إلى ذلك. فالهجوم الواسع الذي شنّه عشرات الآلاف من المقاتلين، الذين اندمج بعضهم ضمن تشكيلاتٍ تتبع لقوات الأمن العام وجيش وزارة الدفاع، تزامن مع ارتكاب مجازر موثّقة بالصوت والصورة، صوّرها الفاعلون أنفسهم بأجهزتهم المحمولة؛ وهو ما دفع السكان إلى البحث عن حمايةٍ من أيّ طرف قادرٍ على إنقاذهم.
ولكنّ هذه الوقائع التي شهدتها السويداء كانت قد مرّت بها جيرانها في درعا سابقًا إبّان هجوم الأسد عليهم خلال الثورة السورية، حيث ظهرت أصواتٌ صريحة دعت إسرائيل إلى التدخّل لوقف انتهاكات النظام.
كما أقامت فصائل المعارضة الإسلامية قنواتِ اتصالٍ مع الجيش الإسرائيلي — حسب تقارير دولية منذ عام 2013 — وتلقّى مقاتلوها رواتب شهرية منه، وعولج مئات الجرحى من مقاتلي المعارضة في الجنوب السوري مثل «فرسان الجولان» و«لواء عمر بن الخطاب» و«جبهة النصرة» الإرهابية خلال سنوات الصراع في مشافٍ داخل دولة إسرائيل.
ومع ذلك، لم ترَ المقدّمة — التي تنتمي أصلًا إلى محافظة درعا، وتعرف جيدًا كل ذلك — أيَّ خيانةٍ في تعاون فصائل المعارضة السورية السنّية مع دولة إسرائيل في صراعها ضدّ نظام الأسد، فيما أرادت أن لا يسمع المشاهد إلّا عن حفنة الأعلام التي رُفعت من قبل أفرادٍ قلائل في محافظة السويداء تحت هول مجزرةٍ انتهكت فيها كلّ الحُرُمات، ولم تتوقّف إلّا بقصفٍ إسرائيليّ، ولم تعد إلّا بالتهديد الإسرائيلي المستمرّ! ليس ذلك صدفة، ولا هو فقط من أجل شيطنة دروز السويداء وتخوينهم؛ بل يُراد منه طمسُ تعامل أركان النظام الحالي وحلفائهم مع إسرائيل إبّان الحرب الأهليّة، في سعيٍ دؤوب وممنهج لِكَيِّ الذاكرة السورية والعربية وإعادة تشكيلها بما يخدم تجميل معالم صورة النظام «الوطنية» و«الإسلامية».
عسلُ الكلام ومرُّ الأفعال
في المقابلة أيضًا، كرّرت المقدّمة مديحها لدروز سوريا، مذكّرةً بتاريخهم الوطنيّ والتزامهم بقضايا العروبة وسعيهم الدائم إلى وحدة الوطن السوري، وكأنّ هذه التصريحات الإيجابية تكفي لطمأنة الدروز المنكوبين تجاه نوايا السلطة الحالية بعد كلّ ما ارتُكب بحقّهم! والسؤال البديهي للمذيعة وللقناة الفضائية السورية هو: هل هكذا يُكرَّم الوطنيون والعروبيون والوحدويّون في «سوريا الجديدة»؟ بالإعدامات الميدانية، والسبي، والنهب، والتدمير؟
ومن جهة أخرى، ما جدوى هذا الثناء، فيما دأبت القناة نفسها على تخوين أهالي السويداء باستمرار؟ وما قيمة أن تُوصَف تلك المكوّنات بالوطنية، بينما تُستغلّ شاشات القناة لتصنيف السوريين على أساس مذهبيٍّ تحريضيّ؟ ألم تصف الجرحى في الهجوم على أشرفية صحنايا، عند علاجهم في المشافي، بأنهم «دروز»؟ ثمّ أليس في تكرار أحد محلّلي السلطة على شاشتها أنّ «الأكراد مجموعة لا يؤمنون بالإله» تعزيزٌ مباشر لخطاب التكفير الذي تتبنّاه أطرافٌ إرهابيةٌ مسلّحةٌ مؤيّدةٌ للسلطة، وتستبيح من خلاله استهداف «الآخر»؟ إنّ مثل هذا الخطاب، بما يتضمّنه من تصنيفٍ للآخر على أنّه كافرٌ تجوز إبادته، لا يختلف في جوهره عن استراتيجيات الإبادة التي يعمل عليها منظّرو «هيئة تحرير الشام» لتمكين حكمهم.
الوطنيّة السوريّة المُخوَّنة
ويبدو أنّ «الوطنيّة» على شاشة الفضائيّة السوريّة ليست مفهومًا صلبًا، بل مادّةٌ مرنة يمكن تشكيلها وإعادة تشكيلها تبعًا لطبيعة الخبر والجهات المعنيّة به. لذلك، من المنطقيّ أن تُسأل إدارة القناة عن فهمها لمفهوم الوطنيّة في نظر السلطة الحاكمة، وعن ماهيّة «الهويّة السوريّة الجامعة» التي تزعم أنّها تعمل على ترسيخها.
فقد صنّفت هذه السلطة، منذ مدّةٍ قصيرة، عبر المناهج المدرسيّة الجديدة، أعلامَ القوميّة العربيّة والمطالبين باستقلال أوطانهم عن السلطنة العثمانيّة من السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا في السادس من أيار 1916 على يد جمال باشا السفّاح — الذي تبرّأ الأتراك أصلًا من أفعاله وحمّلوه مسؤولية انهيار الدولة العثمانيّة — بأنّهم «متمرّدون» و«عملاء» للإنكليز والفرنسيين، ومتآمرون على الخلافة العثمانيّة. كما وصفت الثورة العربيّة ضدّ الأتراك بأنّها «تمرّد» كذلك.
وكلّها مؤشّراتٌ واضحة على أنّ سلطة أحمد الشرع تعمل على بناء هويّةٍ سوريّةٍ تقوم على أسس القوميّة السنيّة، لا القوميّة السوريّة الجامعة، كما كتب الأستاذ الجامعي اللبناني سعيد أبو زكي في مقالة له بعنوان: «حين يتكلّم التاريخ: أزمة السويداء في مرآة الماضي».
ما جرى في السويداء جرائم لا أخطاء
سعت المذيعة طيلة المقابلة إلى تمرير روايات السلطة عن أحداث السويداء. فبالرغم من التقارير الصادرة عن منظمات دوليّة تعنى بحقوق الإنسان، والفضائيّات ووكالات الأنباء الأجنبيّة التي وثّقت ارتكاب القوات التابعة للحكومة الانتقاليّة جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة، وصفت المذيعة ما حدث بأنه «أخطاء»، كما وصفها الرئيس الانتقالي قبلها، في محاولة لتخفيف وقعها السياسي والإنساني، ولتسجيل هذه الملاحظة في منزل جنبلاط لإضفاء شرعيّة الزعيم الدرزي عليها.
ويبدو أنّ القناة أرادت، من خلال تمرير هذا الحكم القيمي، إعادةَ تعريف عمليات قتل المدنيين في الساحات العامة، ورميهم من شرفات المباني، وإهانة النفس الإنسانيّة للضحايا عبر قصّ الشوارب، وممارسة العنف الجنسي ضدّ النساء والفتيات، وتهجير نحو ثلث سكان المحافظة من أبناء الطائفة الدرزية قسرًا، واستمرار احتلال القرى الواقعة في ريف السويداء الغربي والشمالي حتى اليوم، باعتبارها «أخطاءً عرضيّة» لا تبرّر قرار أبناء المحافظة مقاطعة السلطة في دمشق والمطالبة بالانفصال. غير أنّ جنبلاط كان حازمًا في رفضه لهذا التوصيف، مؤكدًا أنّ ما جرى في السويداء هو «جرائم» لا يمكن اختزالها بخطأ إداري أو تجاوز عرضي، ما وضعه في موقعٍ متباين مع السرديّة الرسمية التي أرادت القناة ترسيخها.
فجنبلاط، الذي حافظ على علاقاته واتصالاته مع جبهة النصرة (المصنَّفة تنظيمًا إرهابيًا أمميًا) منذ نشأتها في بدايات عام 2012، يُتوقّع منه — بحسب أوساط في جماعة هيئة تحرير الشام التي انبثقت عن النصرة لاحقًا — أن يقف سدًّا منيعًا، أو على الأقلّ أن يلتزم الصمت، في دعم سرديّة «السلطة الانتقاليّة» بقيادة الشرع حيال ما جرى في السويداء ومعظم مناطق سوريا من تجاوزات. ويُنتظر منه كذلك ألّا يوجّه انتقاداتٍ لها أو يشكّك في «حكمتها» في القيادة، حرصًا على الحفاظ على علاقاتٍ جيّدة معها ومع الداعمين الماليين الخليجيين لهيئة تحرير الشام، ولا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية في العام المقبل وأهمية تدفّق المال العربي في الاستحقاقات الانتخابية.
وفي السياق نفسه، لم يخلُ خطاب وليد جنبلاط من طرحٍ إشكالي حول هويّة دروز سوريا وتاريخهم؛ إذ أعاد إنتاج الصورة النمطية التي روّج لها مؤيدو السلطة منذ بداية حملات التحريض عليهم عقب سقوط نظام الأسد.
فقد أشار جنبلاط إلى أنّ الدروز يسكنون في المنطقة منذ نحو 300 عام، معتبرًا أنّ تهجير البدو من محافظة السويداء كان «خطأً كبيرًا»، وبما معناه شكلًا من أشكال «التغيير الديمغرافي»، مضيفًا أنّ منطقة حوران «هي أرض البدو»، وألحق كلامه بالقول إنّ الدروز «جاؤوا إليها قبل 300 عام».
هذا الطرح يوحي — ضمنًا — بأنّ الدروز ليسوا أصحاب الأرض الأصليّين، بل قدموا إليها لاحقًا، مانحًا البدو السنّة من «أهل حوران» الأحقّية التاريخيّة بالمنطقة. وهذا خطأٌ تاريخيّ فادح من الزعيم الدرزي. فالمصادر التاريخيّة تؤكّد أنّ الدروز، حين انتقلوا من لبنان إلى جبل حوران (الاسم القديم لمنطقة السويداء)، لم يخوضوا معارك للسيطرة على أراضيه، بل استقرّوا في قرى مهجورة «خرائب»، وزرعوا أراضي قاحلة حوّلوها بجهدهم إلى مناطق زراعيّة عامرة، ما يجعلهم مكوّنًا أصيلًا في الجغرافيا السوريّة الجنوبيّة.
كما أنّ جنبلاط تجاهل اتفاقيّة فضّ النزاع التي جرت في 17 تموز/يوليو الماضي بين السلطة والسويداء، والتي ألزمت البدو بركوب الحافلات ومغادرة المحافظة. وهي الاتفاقية التي استعملتها السلطة لاحقًا حجّةً ضدّ الدروز، متّهمةً إيّاهم بأنهم من هجّروا البدو وأنهم لا يرغبون مطلقًا بوجودهم. كما عملت السلطة، من خلال إعلامها الرسمي، على تضخيم أعداد البدو في المحافظة، وقالت إنهم يشكّلون نصف عدد سكانها، علمًا أنّ هذه الأعداد غير حقيقية على الإطلاق؛ فبحسب المصادر المحليّة في محافظة السويداء، لم تتجاوز أعدادهم حتى نهاية عام 2023 نحو ثلاثةً وثلاثين ألفًا فقط.
حتى إنّ جنبلاط أغفل كذلك شهاداتِ عشرات الأشخاص الذين أكّدوا قيام محافظ السويداء، مصطفى البكور، بتجنيد المئات من البدو في صفوف جماعة «العصائب الحمراء» التكفيريّة التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي شاركت في المجازر المرتكبة بحقّ الدروز. فضلًا عن شهادة ابنة داريا، إيناس مطر، في مقابلتها مع منصّة «الراصد» الإعلاميّة من السويداء، إذ قالت صراحةً إنّها تحدّثت مع العائلات البدوية وعلمت منهم أنّ السلطة هي التي طلبت منهم مغادرة المحافظة وأجبرتهم على ركوب الحافلات.
هل فقد جنبلاط تأثيره في سوريا؟ وهل نسج الحقائق بخيط مصالحه؟ التفاصيل في الجزء الثاني والأخير.

سامر فهد
سياسي من السويداء، مختص في دعم الاندماج والمشاركة للمهاجرين واللاجئين في السياسة الألمانية.
