لبنان بين دماء الشهداء وصورة اللقاء: ذاكرة لا تموت… ومستقبل لم يولد بعد 

في لحظة حسّاسة من تاريخ وطننا لبنان، ومع تداول صورة لأول لقاء رسمي بين مسؤولين لبنانيين وممثلين عن العدو الإسرائيلي، تتباين المشاعر في الشارع اللبناني بين غضب موجع وارتباك مشروع، وبين بصيص أمل لدى من أنهكتهم الحروب ويتطلعون إلى استقرار طال انتظاره.

لكن، قبل أي تحليل سياسي، لا بد من التوقف بخشوع أمام وجع الأمهات والآباء، وأمام دماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن أرض لبنان وسيادته، وواجهوا أشد أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً والأكثر فتكاً بالبشر، كما سقطوا في مواجهة خطط التدمير والتفجير، ووقعوا ضحايا للتهجير. هؤلاء لم يكونوا أرقاماً في نشرات الأخبار، بل كانوا حكايات حياة كاملة، ولم يكن قرارهم عبثياً ولا بلا قضية. إن ربط تضحياتهم بالدفاع عن الوطن هو أقل ما يمكن أن يُقال بحقهم، وهو ما يحفظ كرامتهم وكرامة من بقي.

في المقابل، يعلو صوت يقول: “لو حصل هذا المسار منذ اتفاق 17 أيار، لكان لبنان قد تجنّب كل هذا الويل والدمار”. أخي اللبناني، هنا لا بد من مقاربة أعمق، فالتاريخ لا يُقاس فقط بنتائجه، بل أيضاً بكرامة الشعوب في لحظات الاختبار. إن مقاومة الطغيان، والوقوف في وجه ما يجاهر بالتهديد والتهويد والمسّ بالسيادة والجغرافيا والوعيد، هو بحد ذاته موقف أخلاقي وتاريخي ووطني، حتى وإن جاءت النتائج لاحقاً دون التوقعات. أن نقف اليوم، نحن وأحفادنا، مرفوعي الرأس رغم كل الخيبات، هو دليل على أن في هذا الشعب روحاً لا تُكسر.

إخوتي اللبنانيين، إن كان السلام خياراً يُطرح على الطاولة، وواقعاً نسير إليه لا محالة، فلا يجب أن يُفهم كتنازل عن التاريخ، بل كتحوّل في أدوات حماية الوطن. فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل أيضاً بقدرتها على البناء بعد الصراع.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية:

• معركة بناء دولة القانون والمؤسسات واستقلال القضاء عن التدخلات السياسية.
• تفعيل دور مجلس الخدمة المدنية بعيداً عن المحسوبيات، وتعزيز الشراكة مع الاغتراب.
• تطوير النظام التعليمي ليواكب العصر ويصنع جيلاً واعياً.
• إسقاط الحواجز الطائفية والمناطقية التي أنهكت الكيان.
• حوكمة شفافة ورقمنة الدولة واعتماد الحكومة الإلكترونية لتسهيل معاملات المواطنين والمستثمرين.

حين يصبح السلام واقعاً، تتحوّل “المقاومة” إلى شكل أكثر تطوراً: مقاومة التخلّف، مقاومة الفساد، مقاومة الجهل، مقاومة التبعية العمياء، والسعي نحو التفوّق والإبداع في كل المجالات. إن وحدة المجتمع ووعيه هما السلاح الأقوى في هذه المرحلة، فلا سلام حقيقي دون عدالة داخلية، ولا مستقبل دون مصالحة وطنية صادقة مع الذات قبل الآخر. وما احتضان كل مكونات الشعب اللبناني لإخوته في الوطن، المهجّرين إلى الجبل وبيروت والبقاع وأقصى الشمال، إلا دليل على ضرورة اتحادنا وتفويت فرصة العدو لتشتيت شملنا.

وفي الختام، يحق لنا كلبنانيين مبدعين، أينما حللنا، أن نصعد لولبياً نحو عنان السماء، بوطننا وثبات لا بانكسار. وكفى أسطورة طائر الفينيق الذي لا يعود ويحيا من الرماد كل حين.

فلنكتب فصلاً جديداً، تكون فيه نهاية الحروب والشهداء قرباناً للبنان، فقط لبنان. ولتكن بداية خاتمة هذا الدرب الجنوبي الكربلائي، وقيامة لبنان الجديد الذي نريده جميعاً.

مقالات الكاتب

نزار أبو علي

ناشط اجتماعي وعضو مؤسس في عدة جمعيات تُعنى بالشأن العام والخدمة المجتمعية؛ عضو لقاء حوار الأديان؛ مشارك في تنظيم المعارض التجارية والنشاطات البلدية؛ مدير لعدد من الندوات ومنخرط بعدة مجموعات تواصل اجتماعي تُناقش قضايا اجتماعية وسياسية ورياضية.