لبنان بين 6 «سنت» و6 «صواريخ»… حين ينفجر الوطن من الداخل قبل أن يُقصف من الخارج

ليست العيون التي فُقئت في ساحات احتجاجات لبنان عام 2019 مجرّد أرقام، ولا الظهور التي خُرّدت بالعصي والرصاص المطاطي تفصيلاً عابراً في نشرة أخبار.

هناك، في تلك اللحظة، كان اللبناني يدافع عن كرامته، وينزل إلى الساحات أعزل، إلا من صوته، ليقول إن هذا البلد ليس مزرعة، ولا إرثاً خاصاً مملوكاً لأحد، ولا شركةً مفلسة تُدار فوق رؤوس الناس.

كانت الشرارة ستة سنتات على تطبيق واتساب. لكن الحقيقة كانت صرخةً عمرها عشرات السنين، جاءت بعد انتخابات 2018 التي شعر كثيرون أنها لم تُنتج تمثيلاً حقيقياً، بل أعادت تدوير الطبقة نفسها، بالذهنية نفسها، وبالاستخفاف ذاته بعقول الناس.

ثم، بعد قرابة ست سنوات، لم يكن المشهد أقل قسوة. جاءت «الستة صواريخ»… قيل إنها ردّ، وقيل إنها ثأر، وقيل إنها معادلة ردع.

حسناً، لكن النتيجة؟ وطنٌ على حافة حرب، وانزلاق إلى أتون التهجير والتدمير والتفجير، ودماء لبنانيين تسيل من جديد، وضحايا أبرياء اختاروا الحياد.

نعم، هناك أيضاً آلافٌ استشهدوا وهم يؤمنون أنهم يدافعون عن الأرض الجنوبية، وهذا إيمان لا يُهان ولا يُختصر بمقال. لكن، في المقابل، هناك حقيقة لا يمكن دفنها: حين يتحوّل السلاح من وسيلة دفاع إلى لغة تهديد داخلية، وحين تُرفع رايات الخارج أعلى من راية الوطن، وحين يُخاطِب اللبناني أخاه اللبناني بلغة التخوين أو الإلغاء أو التهديد بـ«سنعود إليكم»، نكون قد بدأنا نخسر الوطن… حتى لو اعتقدنا أننا نحميه.

المشكلة لم تكن يوماً في «ستة سنتات»… ولا في «ستة صواريخ». المشكلة كانت دائمًا في ما كان يغلي تحت السطح، ويمكن اختصارها في هذه الأسباب الستة:

  • نظام طائفي يعطّل المحاسبة، ويحمي الفساد، ويخلق ازدواجية في القرار بين الدولة وقوى موازية.
  • فقدان العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، ما أدى إلى هجرة الكفاءات والطبقة المنتجة.
  • تحوّل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.
  • تبعية داخلية لمحاور خارجية.
  • ترسيخ ثقافة الخوف الطائفي بدل المواطنة، وغياب رؤية وطنية موحّدة للبنان.
  • إدارة الأزمات بمنطق الترقيع، لا الحلول أو التخطيط المسبق.

أنا لا أكتب لأزرع الإحباط. بل، على العكس، أسعى دائماً إلى استخراج لحظة إنتاجية من نفق الضباب، وأبحث عن جمرٍ تحت الرماد لأكمل وأضيء الطريق. لكن لا بد من قول الحقيقة كما أراها، لأقول يومًا لأولادي: هذا كان موقفي.

لبنان لا يُبنى بثورة تُكسر، ولا يُحمى بسلاح يُوجَّه إلى الداخل، ولا يُصان بالارتهان لأي جهة خارجية، مهما كانت، ولا بخطاب إعلامي وسياسي قائم على شدّ العصبيات، حيث يقدّم كل طرف روايته كحقيقة مطلقة.

لبنان يُبنى عندما يفهم كل طرف أن كرامته لا تكتمل إلا بكرامة الآخر، وأن الدم الذي سقط في الشارع هو نفسه الذي سقط على الحدود… وكلاهما كان يُفترض أن يحمي الوطن نفسه.

اليوم، من المعيب أن يبقى لكل فريق «لبنانه الخاص». فالتركيبة السياسية قائمة على توازن الزعامات، لا على المحاسبة أو الإنتاجية أو الابتكار، وأي محاولة إصلاح تُواجَه بجدار حماية طائفي. أمامنا خيار واحد: إمّا أن نستمر في تبرير أخطاء بعضنا وتخوين بعضنا، أو أن نرتقي لحظة، ونعترف بأن الجميع أخطأ، وأن الجميع دفع الثمن.

ليس المطلوب أن نتشابه، بل أن نتفق على حدّ أدنى: أن هذا الوطن لا يُدار من الخارج، ولا يُفرض عليه من الداخل.

في 2019، صرخ اللبناني: «كلن يعني كلن»… وفي 2026، دفع الثمن مرة جديدة.

فهل نتعلّم؟ أم ننتظر «ستة» جديدة بشكل مختلف، ونبقى في دوّامة «6 و6 مكرّر» لتفجير ما تبقّى؟

الحل: راية وطنية قبل أي انتماء حزبي… وبداية لقاءٍ جديد.

مقالات الكاتب

نزار أبو علي

ناشط اجتماعي وعضو مؤسس في عدة جمعيات تُعنى بالشأن العام والخدمة المجتمعية؛ عضو لقاء حوار الأديان؛ مشارك في تنظيم المعارض التجارية والنشاطات البلدية؛ مدير لعدد من الندوات ومنخرط بعدة مجموعات تواصل اجتماعي تُناقش قضايا اجتماعية وسياسية ورياضية.