أعادت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، والمتزامنة مع يوم ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلط الأوراق السياسية والعسكرية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية. فقد جاءت العملية في وقت كانت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب تفاهمات دبلوماسية قد تمهد لمرحلة مختلفة في إدارة الصراع بالمنطقة، وسط حراك دولي مكثف ومساعٍ لاحتواء دوائر التصعيد.
وبينما بدا أن مسار الاتصالات السياسية يتجه نحو تهدئة محسوبة تفتح نافذة أمام ترتيبات جديدة، دوّى صوت الصواريخ في قلب الضاحية الجنوبية ليعيد المشهد إلى منطق القوة والرسائل النارية. ولم يقتصر وقع الغارة على أبعادها العسكرية المباشرة، بل أثار سلسلة من التساؤلات حول توقيتها ودلالاتها والجهة المستفيدة من نسف مناخ التهدئة في هذه المرحلة الدقيقة.
وفي منطقة نادراً ما تكون فيها الأحداث العسكرية منفصلة عن الحسابات السياسية، برز السؤال الأهم: هل كانت الغارة مجرّد عملية ميدانية محدودة، أم أنها حملت رسالة استراتيجية أوسع تستهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك وإرباك المسارات الدبلوماسية التي بدأت تتشكل في الكواليس؟
فالغارة حملت أبعاداً تتجاوز الميدان اللبناني المباشر لتلامس مسار التفاوض الإقليمي الجاري. وفي هذا السياق، يعكس اختيار الضاحية الجنوبية تحديداً رغبة إسرائيلية في الانتقال من استراتيجية “نقاط التماس” التقليدية إلى استراتيجية “الضغط على العصب الحيوي”. كما تسعى تل أبيب من خلال هذا التطور إلى فرض قواعد اشتباك جديدة، وإرسال إشارات حاسمة بأنها لن تسمح بأن تتحول المفاوضات السياسية إلى عامل يقيّد حرية تحركها العسكري، محاولةً انتزاع إقرار ضمني بأن “سيادتها الأمنية” تتجاوز الحدود المرسومة لتصل إلى عمق الخصم ونزع صفة “الملاذ الآمن” عنه.
وجاءت هذه العملية وسط حديث متصاعد عن جهود دولية وإقليمية لاحتواء التوتر، ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبارها محاولة لتعديل شروط التفاوض قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن الأطراف المتصارعة غالباً ما تلجأ إلى استخدام الفائض العسكري في اللحظات الأخيرة لتحسين مواقعها السياسية على طاولة المفاوضات، وخلق حالة من “الاستنزاف النفسي” واللايقين لدى المفاوض الآخر لدفعه نحو تقديم تنازلات جوهرية تحت وطأة التهديد بتوسيع دائرة النار لتشمل المراكز الحضرية الكبرى.
وفي المقابل، وفّرت الغارة مادة إضافية للقوى المناهضة لإسرائيل من أجل رفع سقف خطابها السياسي والعسكري. فبدلاً من أن تساهم العملية في تعزيز الردع الإسرائيلي، فإنها قد تدفع نحو تآكل الخطوط الحمر المتبقية وتفرض معضلة “الردع المقابل”، حيث يجد الطرف المستهدَف نفسه أمام اختبارين دقيقين:
- إما ردّ يكسر قواعد اللعبة ويخاطر بمواجهة شاملة
- أو احتواء الضربة والمخاطرة بقبول معادلة تفاوضية غير متكافئة
وهذا الواقع قد يفرز تشدداً أكبر في المواقف، ومطالبة بضمانات أوسع تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية وترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية.
ومن زاوية استراتيجية أوسع، تبرز الغارة كجزء من صراع محموم على “صورة النصر” وتثبيت السردية، ففي اللحظات التي تسبق التسويات، يصبح “الإدراك” وصناعة المشهد الختامي بأهمية الواقع الميداني نفسه. وكل طرف يحاول الدخول إلى قاعة المفاوضات وهو يمتلك “الكلمة الأخيرة” ليقدمها لجمهوره الداخلي، ولتعويض أي تنازلات سياسية قد تضطر الأطراف لتقديمها في بنود الاتفاق الورقي لاحقاً.
كما أن العملية تحمل بريد “رسائل مشتعلة” موجّهة إلى القوى الدولية الراعية للتفاوض (واشنطن تحديداً)، ومفادها أن إسرائيل لن تلتزم بأي إطار للتسوية لا يضمن لها حرية الحركة المطلقة، إلى جانب كونها محاولة لرفع الكلفة السياسية والاجتماعية في الداخل اللبناني عبر فصل الجبهات وإشعار الحاضنة الشعبية بأن ثمن الارتباط بملفات إقليمية أخرى سيمتد ليطال استقرار العاصمة بيروت.
ومع استمرار حالة الترقب لا بدّ من التساؤل عمّا إذا كان قصف الضاحية محاولة لعرقلة مسار التهدئة وفرض وقائع جديدة بالقوة، أم أنه مجرّد فصل إضافي من فصول الضغط المتبادل الذي يسبق عادة لحظات التسوية الكبرى؟
وإذا استمرت العمليات في تجاوز الخطوط الحمراء دون كوابح دبلوماسية حقيقية، فإن طاولة المفاوضات قد تتحول من منصة لصياغة الحلول المستدامة إلى مجرّد “استراحة محارب” مؤقتة بانتظار جولة أعنف، مما يجعل أي تفاهم قادم هشاً ومحكوماً بتوازنات الرعب لا بضمانات الاتفاقيات السياسية.
وعليه، فإن الإجابة عن هذه التساؤلات قد لا تتأخر كثيراً، لأن الأيام المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء حذر للتصعيد أم نحو جولة جديدة من المواجهة المفتوحة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
