الـ«Deepfake»… من يحمي اللبناني عندما تُفبرك صورته وصوته؟

لم يعد الفيديو ولا التسجيل الصوتي دليلاً مطلقاً على الحقيقة. تقنيات التزييف العميق، المعروفة بـDeepfake، قلبت معادلة الإثبات رأساً على عقب، ونقلت النزاع من سؤال تقليدي مفاده «ماذا قيل؟» إلى سؤال أخطر وأعمق: «هل ما نراه ونسمعه قد قيل أو حدث فعلاً؟».

تكمن خطورة هذا التحوّل في أن الضرر يقع بسرعة قياسية، إذ قد تُضرب السمعة خلال ساعات، ويُهدَّد العمل، أو يبدأ الابتزاز برسالة واحدة مرفقة بمقطع مُقنع شكلاً ومفخخ مضموناً.

ما هو الـDeepfake  ولماذا يُعدّ خطيراً؟

يقوم التزييف العميق على إنتاج أو تعديل محتوى رقمي ليبدو حقيقياً إلى حد يصعب على غير المختصين كشف زيفه. قد يكون ذلك عبر تركيب وجه شخص على فيديو، أو تقليد صوته بدقة تجعله يبدو وكأنه قال أو فعل ما لم يحصل.

خطورة هذه التقنية لا تكمن فقط في تطورها، بل في قدرتها على خلق «واقع بصري وسمعي» قابل للتصديق، وسريع الانتشار على المنصات الرقمية، وغالباً ما يُستخدم كأداة ضغط أو تشويه أو احتيال، مستفيداً من ثقة الناس بما يرونه ويسمعونه.

من التشهير إلى الابتزاز

الوقائع العملية تُظهر أن استخدام الـ Deepfake في النزاعات لم يعد افتراضياً. أكثر السيناريوهات شيوعاً تبدأ بفيديو مركّب ذي طابع مسيء يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي أو يُتداول ضمن مجموعات مغلقة، أو بتسجيل صوتي مقلّد يُستخدم لإقناع الغير بأمر مالي أو إداري، أو لإيهامه بوجود تهديد أو موافقة.

وفي حالات أخرى، يُستعمل المحتوى المزوّر لضرب السمعة المهنية لمحامٍ أو طبيب أو رجل أعمال بهدف إسقاط الثقة به. وغالباً ما يتطور الأمر إلى ابتزاز صريح، يبدأ بعبارة «ادفع وإلا أنشر»، مستنداً إلى مقطع يبدو للوهلة الأولى حقيقياً.

جريمة واحدة أم سلسلة جرائم؟

قانونياً، لا يُقارب التزييف العميق كعنوان جرمي واحد ثابت، بل يخضع لتوصيف متغيّر تبعاً لظروف كل ملف. فقد يندرج في إطار القدح والذم والتحقير متى تضمّن إساءة إلى السمعة أو نسب أمور تمس الشرف والاعتبار، خصوصاً في حال النشر. وقد يشكّل انتهاكاً للخصوصية إذا طال الحياة الخاصة أو تضمّن صوراً أو تفاصيل شخصية أو محتوى حميمياً.

وفي حال اقترانه برسائل ضغط أو طلب مال أو منفعة مقابل عدم النشر، يدخل في خانة التهديد والابتزاز. كما يمكن توصيفه كجريمة انتحال صفة أو شخصية إذا استُخدم الصوت أو الصورة لإيهام الغير بأن الشخص الحقيقي هو من يتكلم أو يأمر أو يوافق، أو كاحتيال إذا ترتب على التزييف منفعة مالية أو إضرار مالي.

وفي جميع الأحوال، تبقى المسؤولية المدنية قائمة، بما يشمل التعويض عن الضرر الأدبي والمادي وفوات الفرصة وتكاليف المعالجة. الفكرة الأساسية هنا أن المحتوى ذاته قد يبدأ كتشهير، ثم يتحول إلى ابتزاز، ثم إلى احتيال، ما يفرض بناء الملف على توصيف مركّب لا على عنوان واحد مبسّط.

كيف تُثبت أن المحتوى مُفبرك؟

في هذا النوع من الملفات، لا يكفي الادعاء بأن المحتوى مزوّر. جوهر القضية هو إدارة الدليل بطريقة تُمكّن القاضي من تكوين قناعة، وتتيح للخبير الفني القيام بدوره.

أولى الخطوات تتمثل في حفظ الدليل من دون إفساده، أي الامتناع عن تعديل الملف أو قصّه أو إعادة حفظه أو تحويله، لأن أي تغيير قد يؤثر على خصائصه الرقمية. كما يُنصح بعدم إعادة نشر المحتوى بحجة الدفاع عن النفس، لأن ذلك يضاعف الضرر ويعقّد مسار الإثبات.

في المقابل، يجب الاحتفاظ بالرابط الأصلي واسم الحساب وتاريخ النشر ولقطات شاشة تُظهر المصدر والسياق.

الخبرة الفنية محور الحسم غالباً

غالباً ما تشكّل الخبرة الفنية محور الحسم في قضايا التزييف العميق. فالخبير قد يفحص البيانات الوصفية للملف، بحثاً عن مؤشرات تتعلق بإنشائه أو تعديله أو بالبرامج المستخدمة في إنتاجه، إن ظهرت.

كما يبحث عن آثار التلاعب التقني، مثل عدم تزامن حركة الشفاه مع الصوت، أو تشوهات الوجه، أو اختلاف الإضاءة، أو آثار دمج غير طبيعية، أو ضجيج غير مألوف في التسجيل الصوتي، أو وجود طبقات مونتاج.

كذلك تُجرى مقارنات تقنية بين الصوت أو الوجه المشكوك فيهما وبين عينات أصلية موثوقة لتحديد نسبة التشابه أو مؤشرات الاصطناع.

سلسلة الحيازة (Chain of Custody)

لكي يكون الدليل مقنعاً، لا بد من توثيق ما يُعرف بسلسلة الحيازة، أي تحديد من استلم الملف أولاً، وكيف تم حفظه ونسخه، وأين خُزّن، ومن كان له حق الوصول إليه. أي ثغرة في هذا المسار قد تُضعف الحجية القانونية للدليل، حتى لو كان الانطباع العام يميل إلى أن المحتوى مفبرك.

المسار الذي يوقف الضرر ويُثبت الحق

في قضايا الـ Deepfake، يشكّل الوقت عنصراً حاسماً، لأن الانتشار الرقمي سريع ويصعب احتواؤه. لذلك، غالباً ما يفرض الواقع اعتماد مسارين متوازيين:

  • المسار الأول يتمثل في اتخاذ تدابير مستعجلة تهدف إلى وقف النزيف، من خلال السعي إلى إزالة المحتوى حيث أمكن، ومنع إعادة نشره، وإلزام الجهات المعنية بحفظ البيانات وعدم إتلافها متى كان ذلك ممكناً قانوناً. الهدف هنا هو منع تحوّل الفبركة إلى «حقيقة اجتماعية» يصعب نفيها لاحقاً.
  • المسار الثاني يقوم على طلب تعيين خبير لإثبات الفبركة، ومباشرة الملاحقة الجزائية وفق التوصيف المناسب، مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي وطلب التعويض. بالتوازي، تُعدّ مخاطبة المنصات الرقمية ضمن إطار منظم خطوة أساسية، سواء لطلب الإزالة أو تجميد الحسابات أو حفظ البيانات المتاحة، لما لذلك من أثر فوري في الحد من الضرر.

أخطاء الضحايا القاتلة: الدفاع يتحول إلى إدانة ذاتية

تُظهر التجارب أن الضحايا يقعون أحياناً في أخطاء تُضعف مواقعهم القانونية. أبرز هذه الأخطاء إعادة نشر المحتوى بحجة الدفاع، ما يمنحه انتشاراً أوسع وحياة أطول، أو دفع المال للمبتز، الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى مطالبات متكررة بعد إثبات قابلية الدفع، أو تضييع الدليل عبر حذف المحادثات أو فقدان الروابط أو تعديل الملف قبل حفظ نسخة أصلية صالحة للإثبات.

من «الصورة لا تكذب» إلى «كل شيء قابل للتزييف»

فرض التزييف العميق انتقالاً جذرياً من منطق «الصورة لا تكذب» إلى منطق أكثر تعقيداً مفاده أن كل ما نراه ونسمعه قد يكون قابلاً للفبركة.

غير أن القانون لا يزال قادراً على تفكيك هذا النوع من التزييف، شرط الانطلاق من المكان الصحيح، أي سرعة التحرك، وحفظ الدليل من دون عبث، وطلب تدابير توقف الانتشار، ثم الاستناد إلى خبرة تقنية تُثبت التلاعب وتحدد المسؤوليات.

في هذه القضايا، من يتحرك خلال الساعات الأولى لا يحمي سمعته فحسب، بل يحمي ملفه القضائي أيضاً.

مقالات الكاتب

د. داني جعجع

محامٍ لبناني.