حين تطرد الدولة السفير ولا يغادر: من يحكم لبنان فعلاً؟

ليست المشكلة، اليوم، في أن لبنان اتخذ قرارًا دبلوماسيًا بحق الموفد الإيراني المعيَّن سفيرًا. المشكلة الحقيقية تبدأ بعد القرار: ماذا يعني أن تقول الدولة لشخص أجنبي يتمتع بصفة دبلوماسية إنك لم تعد مرغوبًا فيك، ثم يبقى في مكانه؟ هنا لا نكون أمام تفصيل بروتوكولي، بل أمام امتحان مباشر لفكرة الدولة نفسها: هل تملك سلطة الإلزام، أم تكتفي بإصدار المواقف؟

الوقائع الأساسية واضحة. ففي 24 آذار 2026، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية سحب موافقتها على اعتماد الموفد الإيراني، واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، وطلبت منه مغادرة لبنان قبل 29 آذار، مع التأكيد أن الإجراء لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران. وبعد انقضاء المهلة، نُقل عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن الموفد سيبقى في بيروت وسيواصل عمله.

قانونًا، السند الذي استند إليه لبنان ليس موضع التباس. فالمادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تعطي الدولة المضيفة حق إبلاغ الدولة الموفدة، في أي وقت ومن دون أن تكون ملزمة بتفسير قرارها، بأن رئيس البعثة أو أي عضو من طاقمها الدبلوماسي أصبح شخصًا غير مرغوب فيه. وفي هذه الحالة، على الدولة الموفدة أن تستدعيه أو تنهي وظائفه، وإذا امتنعت خلال مدة معقولة، جاز للدولة المضيفة أن ترفض الاعتراف به عضوًا في البعثة. هذا يعني أن قرار “الشخص غير المرغوب فيه” ليس موقفًا سياسيًا عاطفيًا، بل أداة قانونية صريحة في صلب النظام الدبلوماسي الدولي.

لكن الأهم أن اتفاقية فيينا لا تقف عند المادة 9. فالمادة 41 تفرض على كل من يتمتع بالامتيازات والحصانات الدبلوماسية واجب احترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهذا مهم في الحالة اللبنانية تحديدًا، لأن الخارجية اللبنانية بررت قرارها بأن الموفد الإيراني خالف الأعراف الدبلوماسية بإدلائه بتصريحات حول السياسة الداخلية اللبنانية. وعليه، فإن لبنان لم يقدّم قراره بوصفه خلافًا سياسيًا مجردًا، بل كإجراء مرتبط مباشرة بقواعد السلوك الدبلوماسي نفسها.

غير أن النقطة القانونية الأكثر حساسية هي هذه: عدم المغادرة لا يُبطل القرار اللبناني. فبموجب المادة 43 من الاتفاقية، تنتهي وظيفة الدبلوماسي أيضًا عندما تُخطر الدولة المضيفة الدولةَ الموفدة بأنها، استنادًا إلى الفقرة الثانية من المادة 9، ترفض الاعتراف به عضوًا في البعثة. صحيح أن المادة 39 تنص على أن الامتيازات والحصانات لا تزول عمليًا دفعة واحدة، بل تستمر عادة إلى حين المغادرة أو انقضاء مدة معقولة لذلك، مع بقاء الحصانة عن الأعمال الرسمية السابقة، لكن ذلك لا يغيّر الأصل: من حيث الصفة، يصبح الشخص فاقدًا للاعتراف السياسي والقانوني الكامل الذي كانت تمنحه له الدولة المضيفة.

وهنا تظهر خطورة المشهد اللبناني. فإذا بقي الموفد الإيراني بعد انتهاء المهلة، فلا يكون المعنى أن القانون الدولي سقط أو أن القرار اللبناني أصبح بلا أساس. المعنى الأدق أن الدولة اللبنانية استعملت حقًا قانونيًا صحيحًا، لكن الطرف المقابل قرر تحدّي أثره العملي، مستندًا، وفق ما نقلته رويترز، إلى “نقاشات” مع “الأطراف اللبنانية المعنية”. هذه العبارة وحدها تكفي لتفسير حجم المشكلة: عندما يصبح مصير قرار دبلوماسي سيادي مرتبطًا بمواقف قوى داخلية، لا بقرار الدولة وحدها، نكون أمام أزمة حكم لا مجرد أزمة تمثيل دبلوماسي.

لهذا السبب، فإن بقاء الموفد الإيراني بعد المهلة لا ينبغي قراءته كواقعة إجرائية بسيطة، بل كإهانة سياسية وقانونية لفكرة السيادة. فالدولة التي تقول: “أنت غير مرغوب فيه”، ثم لا يترتب على قولها أثر ظاهر، تبدو كأنها تملك حق الكلام أكثر مما تملك حق الفعل. والمفارقة أن الخلل هنا لا يقع في النصوص، بل في ميزان القوة الذي قد يحوّل القرار الرسمي إلى قرار معلّق على قبول الآخرين به. وهذا أخطر بكثير من أي خرق بروتوكولي.

الأزمة، إذن، ليست فقط مع إيران. الأزمة مع النموذج اللبناني نفسه: دولة تصدر القرار، وآخرون يقررون مدى قابليته للتنفيذ. وما إن انتهت مهلة المغادرة فيما الموفد ما زال في بيروت و”يواصل عمله”، كما قالت طهران، حتى برز السؤال: من المرجع النهائي على الأرض اللبنانية؟ الخارجية؟ الحكومة؟ أم مراكز قوى تعتبر أن في استطاعتها تعطيل القرار السيادي أو إعادة تفسيره بعد صدوره؟

في الخلاصة، يملك لبنان، قانونًا، أساسًا متينًا لقراره. لكن النصوص القانونية تصطدم اليوم بحقيقة واحدة قاسية: قيمة القرار ليست فقط في صحته، بل في قابليته للنفاذ. فإذا بقي القرار حبرًا سياديًا من دون أثر عملي، تكون الرسالة الأخطر قد وصلت: المشكلة في لبنان لم تعد فقط انتهاك القواعد، بل عجز الدولة عن فرض احترامها.

مقالات الكاتب

د. داني جعجع

محامٍ لبناني.