فخامة الرئيس… الاستثمار يحتاج وطناً لا «جمهورية أحلام»

 

فخامة الرئيس، تحيةً مجلّلة — وبعد:

بالأمس، حضرتنا كلماتك التاريخية العظيمة التي هزّت أركان الاقتصاد والسياسة وشدّتنا إلى إعادة حساباتنا مع العالم. قلتَ: «بدك ترجّع لبنان؟ ارجع صنّع بلبنان، وارجع استهلك من لبنان، وارجع صدّر بضاعة لبنانية، حتى نوقف نصدّر ولادنا ونستورد استهلاكنا، ونرجع نستعيد ولادنا ونصدّر إنتاجنا».

فتحت لنا أبواب الأمل: المستثمرون سيعودون، والسياح سيهرولون، والمهاجرون سيبادرون بحماسٍ إلى شحن عفشهم إلى وطنهم المحبوب بعدما سمعوا خطاباً «نووياً» من نوعٍ جديد. لا بدّ أن الحديث عن «عودة الاستثمارات» كفيل بأن يعيد بناء الدولة بين ليلةٍ وضحاها، خصوصاً إذا تزامن مع تصويرٍ ترويجي لبضاعة مكتوب عليها «صنع في الجمهورية الحالمة».

لكن — وبكل لطفٍ رئاسي — اسمحوا لنا أن نضع أمام فخامتكم جدولاً استثمارياً مبسّطاً قبل أن تنهال علينا رؤوس الأموال من كل حدب وصوب:

  • تعالوا واستثمروا في الجنوب، حيث نعيش تجربة أمنية مميزة: حدود متفلتة، وانتهاكات مستمرة، و«عربدة» عدوانية بلا رقيب. صباح أمس فقط، أعدم العدوّ موظف بلدية في بلدة بليدا أثناء تأدية واجبه، قبل أن تتراجع القوات المعتدية باتجاه الحدود.
  • تعالوا واستثمروا في سهول البقاع، حيث يتنافس التهريب والقوى المسلحة السورية والمحلية في تقديم عروضٍ اقتصادية فريدة، من نوع «استثمر في سوقٍ بلا رقابة». لدينا بنى تحتية طبيعية للاستثمار: حواجز متفرّقة، طرق غير خاضعة لأي سلطة، ونسيج أمني خاصّ يجعل من عملية نقل البضائع مغامرة تستحق التجربة.
  • تعالوا واستثمروا في المخيّمات، حيث تُنصَب الحواجز باسم «تطهير المخيمات الفلسطينية» فتردي أي لبناني يقترب منها جثة هامدة تصيب مسؤولي لبنان بصمت مريع، وتفتح باب تفاوض بين «مؤسسة المخيمات العسكرية» و «مسلّحي» الجيش اللبناني. إنّها فرصة فريدة لرأس المال المخفي: تعملون في «دويلةٍ لبنانية» مصغّرة، وتستمتعون بغياب الدولة وسلامةٍ قانونية مخصّصة لكل زبونٍ وممرّ.
  • تعالوا واستثمروا في المناطق الخاصة التي يُمنع الجيش من دخولها؛ يبدو أنّ تجارة المخدّرات هناك أجمل استثمار، فلا قوانين حقيقية، ولا محاسبة، فقط أرباح سريعة وانتعاش اقتصادي «سرّي». لن نَحكُم أنّ هذا هو المستقبل الذي تحلمون به، لكنّه بالتأكيد مستقبلٌ مليء بالحركة النقدية.
  • تعالوا واستثمروا في بلدٍ ينهش حكّامه ما تبقى منه باسم حقوقِ المغتربين، وهم، لو كانوا فعلاً حريصين على أبناء وطنهم، لما وجدوا اليوم ملايين اللبنانيين خارج البلاد، فيما تغص المدن والقرى بنازحين أجانب استهووا البقاء في بلد الـ”أهلا وسهلا”. فنحن شعب «قلبه كبير ويساع كتير».
  • تعالوا واستثمروا في بلدٍ حكومته أعجز من أن تتخذ قراراً حقيقياً، وقصره الرئاسي منفصل عن الواقع حيث تُحلّ المسائل بخطاب قسم رنّان وعبارات حماسية جياشة وابتسامات توزّع على الحضور ومنافسات متألقة في الإطلالات «الزوجية». إنّها بيئة عمل مثالية تستحق المخاطرة في الاستثمار.

فخامتكم، الصيغة الرنانة «عودوا واستثمروا» جميلة، لكنّها كالموسيقى في خيمةٍ بلا جدران: تُسعد الحضور لحظة، ثمّ تتطاير مع أول هبّة هواء. الاستثمار لا يعود بكلماتٍ فقط؛ هو يعود بقانونٍ ثابت، بأمنٍ فعلي، بجهاز قضائي مستقل، بحدودٍ آمنة، بمؤسسة عسكرية قادرة على حماية الوطن، بوجود دولة لا ميليشيات تحكمنا، بقوانين تخدم الشعب والمستثمر لا الطبقة الحاكمة وأزلامها، وبسياسةٍ اقتصادية واعية لا تُقاس ببياناتٍ ورقية.

وإذ نقدّر حبّكم للبنان وصناعته، نذكّركم بأنّ رجال الأعمال يفضّلون بيئةً مستقرة، لا عروضاً معنوية. إن أردتم فعلاً أن يعود اللبنانيون و«يصنّعوا في لبنان»، عليكم أن تجعلوا لبنان مكاناً يعود إليه الإنسان بأمان، كي لا نبقى غارقين في نشوة «جمهورية الأحلام».

مع خالص التحية، وسخرية مؤلمة من واقع لم يعد يُحتمل…

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.