نقاش أميركي مستجد: هل إسرائيل حليف أم عبء استراتيجي لواشنطن؟

مع اندلاع الحرب الإسرائيليّة- الأميركيّة- الإيرانيّة الثانية، تتزاحم الأسئلة والملاحظات حيال هذه الحرب الكبرى التي سوف تغيّر وجه المنطقة والعالم دون أدنى شك، والتي سوف تترك الكثير من التداعيات حيال مستقبل الشرق الأوسط وطبيعة العلاقات السياسيّة فيه، ولعل هذه أبرز الملاحظات:

  • من الواضح أن هذه الحرب لم يتم الإعداد لها جيداً، فعلى الرغم من القضاء على المرشد الأعلى ووزير الدفاع الإيراني والقيادة العليا من الساعات الأولى، إلا أنه من الواضح أيضاً أن إرشادات القيادة والسيطرة في إيران هي لامركزية والدليل إستمرار إطلاق رشقات الصواريخ في كل الاتجاهات. وبالتالي، عدم قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرب قدرة الرد الإيرانيّة (Second Strike Capability) يؤكد هذا الانطباع. كما أن الرهان على اندلاع المظاهرات الاحتجاجية في أنحاء إيران فشلت بدورها ولا يمكن التعويل عليها. ولا يمكن إغفال أن القتال الإيراني ينطلق من عقيدة دينية تعتبر الاستشهاد هدفاً وكسباً.
  • بالتوازي مع كل الخسائر الايرانيّة الكبيرة، لا يمكن إشاحة النظر عن أن الصواريخ الإيرانيّة قد دمرت بالفعل كل القواعد العسكريّة الأميركيّة في دول الخليج وفق تقرير لافت أعدته صحيفة “نيويورك تايمز”، وهو ما يطرح التساؤل الجدي والعميق عمّا إذا كان الانغماس الأميركي في الحرب يصب في “المصلحة القوميّة للولايات المتحدة”! ولقد تكاثر الكلام السياسي عن أن إسرائيل قد “ورطت” واشنطن في هذه المعركة، وأعلمتها أنها ستخوض الحرب بينما في السابق كانت الحكومات الإسرائيليّة تسعى للحصول على “غطاء” وموافقة أميركيّة قبل شن أي حرب عسكريّة. وهذا يطرح السؤال حول شعار ترامب أن سيوقف كل الحروب وتفاخره بإنهاء ثمانية حروب على الأقل!
  • ليس ثمة غطاء سياسي قانوني أو مؤسساتي لهذه الحرب، لا على المستوى الدولي، أي تعمّد عدم المرور بالأمم المتحدة أو أي من هيئاتها، ولا على المستوى الأميركي المحلي، إذ تغاضى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس تماماً ولم يطلب موافقته متجاهلاً المؤسسة السياسيّة الأميركيّة والدستور الأميركي.
  • يتوسع النقاش داخل الولايات المتحدة عن الأهداف الحقيقيّة للحرب، وما إذا كانت إيران تشكّل حقاً خطراً على الأمن القومي الأميركي. صحيحٌ أن طهران لطالما رفعت شعار “الموت لأميركا” وهي متهمة بتنفيذ العديد من الهجمات ضد القوات الأميركيّة، ولكن النقاش الجدي يدور حول ما إذا كانت تهدد الأمن الداخلي الأميركي حقاً؟ وهل أن شن الحرب عليها هو الخيار الأمثل للتعامل مع التحدي الذي تمثله؟ ويتناول هذا النقاش إسرائيل مجدداً، وأن التهديد يطالها هي وليس أميركا وأن إسرائيل قد جرّت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب. وها هي واشنطن تدفع ثمناً باهظاً أكثر مما تدفع إسرائيل.
  • القصف الإيراني لدول الخليج يفترض أن يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير بعمق في تداعياته، وأن تقيم مقارنة لا مفر منها، ذلك أن دول الخليج تساهم في الاقتصاد الأميركي من خلال صفقات السلاح وغير السلاح بمليارات الدولارات، بينما إسرائيل تكلف واشنطن سنوياً عشرات المليارات من الدولارات وذلك منذ نكبة 1948. أليس ثمة شعور أميركي أن إسرائيل باتت “عبئاً استراتيجياً” أكثر مما هي حقاً “حليفاً استراتيجياً”؟ إنه نقاش سياسي جدي يدور في العديد من الأوساط الأميركيّة.

مهما يكن من أمر، فإن المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، والتطلع الإسرائيلي لقيادة المنطقة وقضم أراضيها تباعاً قد لا يكون مهمة يسيرة على ضوء التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط راهناً، كما أن سياستها القائمة على رفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستمرار احتلال أراضي 1967، والإهمال التام لكل مبادرات السلام منذ عقود، وضربها عرض الحائط لكل الحلول المقترحة، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

من قال أن القبول العربي، وغير العربي، بسطوة إسرائيل التامة على المنطقة سيكون بمتناول اليد حتى ولو أن الأداء العربي على مدى العقود المنصرمة كان مخيباً للآمال وقاصراً عن مواجهة التحديات المتنامية التي مثلها المشروع الإسرائيلي في كل محطاته بدءاً من إقامة الدولة الصهيونيّة على أراضي فلسطين التاريخيّة إلى القضم التدريجي لأراض عربية أخرى، إلى رفض إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ومنع عودة اللاجئين أو التفاهم على ترتيبات معينة لمدينة القدس، وصولاً إلى إسقاط كل الحواجز السياسيّة والأخلاقيّة في حرب غزة الأخيرة التي ناهز عدد الشهداء فيها 70 ألفاً من المدنيين والأبرياء؟

المنطقة دخلت في مخاض عسير، والخروج من الحرب لن يكون يسيراً مثل دخولها، والتطورات والأحداث سوف تكون شاهدة على ذلك.

نقلاً عن: Levant Time

مقالات الكاتب

رامي الريس

كاتب وصحافي وأستاذ جامعي من لبنان، وباحث ومترجم، يكتب في القضايا العربية والدولية، يحمل شهادة ماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت، وله مشاركات في العشرات من المؤتمرات وورش العمل في لبنان والخارج.