حفلات «الطبقة المخملية» تشتري صمت الدولة… من يحمي رئيس بلدية جعيتا؟

 

لم يكن افتتاح مغارة جعيتا بعد فترة من الإقفال مناسبة لاستعادة موقع سياحي وطني، بل تحوّل في أول اختبار إلى فضيحة نموذجية تكشف حجم الانهيار في الدولة: انهيار مفاهيم الحماية العامة، وانحلال المسؤولية، ووقاحة التعامل مع الإرث الطبيعي بوصفه ملكية خاصة قابلة للتأجير عند الطلب.

ففي قلب الموقع الجيولوجي المصنّف كمحمية طبيعية وحساسة بيئياً، أُقيم حفل زفاف فخم لمئات المدعوين من فئة الـ”VIP”، ترافق مع موسيقى صاخبة وأجهزة إنارة وتنظيم احتفالي داخل تكوين صخري مغلق تشكّل عبر ملايين السنين.

ما جرى ليس سوى تعدٍّ مباشر على موقع وطني، واختبار فاضح لمدى قدرة الإدارة العامة في لبنان على حماية ما تبقّى من إرثه الطبيعي. والنتيجة جاءت واضحة: عجز، تواطؤ، أو الاثنين معاً.

من الوعود إلى الفضيحة

قد يُسجّل للمدير السابق للمغارة، د. نبيل حداد، حرصه على احترام المعلم، حيث لم نشهد أي مخالفة خلال فترة إدارته. أما اليوم، وبعد أقل من أربعة أشهر على تسلّم بلدية جعيتا إدارة المغارة، جاءت المخالفة مدوّية. ففي آب الماضي، أعلن رئيس البلدية وليد بارود انطلاق مرحلة جديدة، واعداً بـ”تنظيم أكثر فعالية” و”معايير سلامة عالية” تضمن الحفاظ على الموقع الطبيعي وترميمه.

وقدّم بارود يومها صورة وردية عن “هوية جديدة” ترتكز على السياحة المستدامة والحفاظ البيئي، مشيراً إلى تحسّن الحركة السياحية بعد إعادة الافتتاح، ومعرباً عن أمله في أن تبقى المغارة تحت إشراف البلدية لتكون نموذجاً يُحتذى به.

لكن يبدو أنّ كل ما قيل عن “المعايير العالية” و”الهوية الجديدة” قد سقط. فهل لمن تحدّث عن “تنظيم فعّال وسلامة عامة” أن يبرّر زفافاً في موقعٍ مصنّف كمحمية طبيعية؟ وكيف لمن تعهّد بحماية الإرث الطبيعي أن يسمح عملياً بتحويله إلى منصّة للاستعراض الاجتماعي تُنتهك فيها القوانين تحت ذريعة إقامة نشاطات يعود ريعها لتأهيل المغارة وتنظيفها؟

بين الفوضى والإهمال… جعيتا تكشف عجز الإدارة اللبنانية

في حديث لـ”بيروت 2030″ اعتبر جاد ابو عراج، أستاذ جامعي متخصص بالاقتصاد البيئي وإدارة الموارد الطبيعية، أنّ ما جرى مؤخراً في مغارة جعيتا “غير مقبول على الإطلاق”، مشيراً إلى أنّ لكل موقع طبيعي وسياحي قدرة استيعابية محددة تُحدَّد وفقاً لحساسيته البيئية.

وأوضح أنّ تبرير إقامة الحفل داخل المغارة بالاستناد إلى أنّ احتفالات تُقام في مواقع أخرى مثل بعلبك “غير منطقي”، لأنّ “الاحتفال في بعلبك يتم في الهواء الطلق، بينما مغارة جعيتا موقع مغلق تتراجع فيه نسبة الأوكسيجين ويزداد تركيز ثاني أوكسيد الكربون، ما يشكّل خطراً مباشراً على الحاضرين”. وأضاف أنّ ما جرى تضمّن تلوّثاً سمعياً وتجاوزاً واضحاً لشروط السلامة العامة، وهي عناصر أساسية كان يجب احترامها.

وعن الإطار القانوني، أشار ابو عرّاج إلى أنّ “المغارة تخضع لإشراف وزارة السياحة التي أبرمت عقداً بالتراضي مع بلدية جعيتا لإدارتها، موضحاً أنّ هذا العقد يحدّد بوضوح شروط التصرّف داخل الموقع، بحيث يُمنع أي نشاط أو فعالية دون إذنٍ خطيّ مسبق، خصوصاً إذا كان ذات طابع بيئي حسّاس أو مردود اقتصادي، كما في حالة الحفل الأخير”. ورأى أنّ ما حدث يعكس تطبيعاً مقلقاً للتجاوزات، إذ تحوّل الاستثناء إلى قاعدة في ظلّ غياب المحاسبة الصارمة، ما يشجّع على تكرار الانتهاكات.

وعدّد ابو عرّاج ثلاث نقاط أساسية تستدعي الوقوف عندها:

  • تجاوز قانوني وأخلاقي بحق موقع طبيعي يُعدّ ملكاً عاماً لا يجوز العبث به، ويستوجب محاسبة فعلية لا تقتصر على الإنذارات.
  • مساس بمبدأ العدالة والمساواة، إذ بات البعض يظنّ أنّ المال أو النفوذ يتيح له التصرّف بفوقية ودون رادع.
  • خطر حقيقي على السلامة العامة نتيجة تجاهل الشروط البيئية والصحية داخل موقع مغلق.

كما لفت إلى أنّ مغارة جعيتا تُعدّ من أهم مصادر المياه في لبنان، إذ تغذّي بيروت وساحل المتن، متسائلاً: “من يضمن أن هذه المياه لم تتعرّض للتلوّث نتيجة النشاط الذي حصل داخل المغارة؟”. وانتقد ابو عرّاج التبريرات الصادرة عن الجهات المعنية، واصفاً إيّاها بأنها “أقبح من الذنب”، لأنّ “القول إنّ ما حدث ناتج عن تسرّع لا يُقنع، فالمشكلة في الأساس إهمال وجهل، لا تسرّع”.

وختم بتحذير من أنّ السكوت عن هذه المخالفة سيفتح الباب أمام انتهاكات جديدة للملك العام: “ماذا سيبقى من هيبة الدولة ومن قيمة الطبيعة إذا استمرّ من يملك المال والسلطة في تجاوز القوانين بلا رادع؟ المواطن العادي هو من يدفع الثمن في النهاية، والطبيعة وحدها تتحمّل كلفة هذا التعدّي المستمرّ”.

نعم… الوزارة كانت تعلم

البيان الذي صدر عن وزارة السياحة كان تبريراً بائساً لسقطة مدوّية. فالوزارة لم تنفِ الواقعة، ولكنها لم تحمّل نفسها مسؤولية الرقابة، بل اكتفت بإلقاء اللوم على بلدية جعيتا، حيث اعترفت بأن رئيس البلدية تواصل مع الوزيرة شفهياً لطلب إذن لإقامة الحفل، وأن الأخيرة شددت على وجوب تقديم طلب خطي. ومع ذلك، ورغم علمها المسبق بوجود النية لتنظيم النشاط، لم تتخذ الوزيرة أي إجراء لمنع حصوله، ولم تُوفد مفتشاً، ولم تُصدر تنبيهاً عاماً، ولم تُقفل الموقع مؤقتاً، بل اكتفت بموقف «العارف الصامت».

أما الحديث عن «إيرادات قياسية» منذ الصيف، فهو بمثابة زلة لسان تكشف الذهنية الحاكمة للمشهد: المغارة بالنسبة للوزارة والبلدية ليست ثروة جيولوجية فريدة عمرها ملايين السنين، بل مرفقاً مدرّاً للدخل يقاس نجاحه بعدد التذاكر المباعة.

وبهذا المعنى، فإن الحقيقة الوحيدة التي تقف وراء البيان: الوزارة كانت تعلم، ولم تتحرك؛ والبلدية استثمرت، ولم تُعاقب؛ وأما المغارة فدُهِست بين الإثنين.

ثم السؤال الأكثر إلحاحاً: أين وزارة البيئة من كل ما حصل؟ أوليست هي المسؤولة عن «الجريمة البيئية» التي ارتكبها ضيوف الحفل داخل المغارة؟

المطلوب بسيط: لا لملمة، لا تبرير ولا تمرير. إنما محاسبة جدّية. فلو كنا في دولة تحترم نفسها، لكان أي حدث من هذا النوع سيؤدي حتماً إلى استقالة فورية لوزير السياحة، إيقاف رئيس البلدية عن العمل وإحالته إلى القضاء، تغريم الجهة المنظمة، ومحاسبة كل مسؤول شارك أو سكت أو تواطأ.

لكننا للأسف نعيش في بلد يصحو كل يوم على فضيحة جديدة حيث تأتي «الاستثناءات» من باب النفوذ السياسي. مصادر محلية أكّدت أن زوجة أحد النافذين في بلدية جعيتا تشغل منصب مستشارة لدى النائب والوزير السابق علي حسن خليل. فهل من يحاسِب أو يحاسَب؟

 

 

 

مقالات الكاتب

جويل الفغالي

صحافية اقتصادية حاصلة على شهادة في الاقتصاد، متخصصة في متابعة الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتحليل السياسات العامة وتأثيرها على المجتمع.