منذ أشهر، تصدّر ملف التصديقات في وزارة الخارجية والمغتربين النقاش العام في لبنان، بعدما تحوّل من خدمة إدارية روتينية وبسيطة إلى قضية تعبّر عن حجم الخلل في إدارة الدولة وشفافيتها. وهكذا خرج هذا الملف من جدران الوزارة إلى ساحة الرأي العام، كاشفًا جوانب الفوضى والإشكالات الإدارية التي يعاني منها المواطنون.
وراء هذا الجدل الإداري تكمن معاناة يومية للمواطن اللبناني، الذي يجد نفسه محاصرًا بين إجراءات معقدة وتكاليف إضافية وتأخّر في إنجاز معاملاته. فبدل أن يتمكّن من إتمام تصديقه مباشرة في الوزارة خلال ساعات، يضطر اليوم إلى إرسال مستنداته عبر البريد، في انتظار قد يمتد لأيام، مع تحمّل مبالغ مضاعفة تثقل كاهل ميزانيته في ظل الأزمة الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية. هذه الواقع يطرح أسئلة مهمة: ما حجم التبعات المالية على المواطن؟ وما طبيعة العلاقة بين وزارة الخارجية وشركة البريد؟ وهل يخفي هذا النظام احتمالات تضارب مصالح؟
وزارة الخارجية أغلقت أبوابها… و«ليبان بوست» فتحتها!
في أيار 2025، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين عن إقفال قسم المصادقات في الأشرفية، بحجة أعمال الترميم والتأهيل التي “ستستمر لأسابيع”. وطمأنت المواطنين بأن معاملات التصديق يمكن إنجازها مؤقتًا عبر شركة “ليبان بوست” أو من خلال مكاتب الترجمة المعتمدة. إجراءٌ بدا للوهلة الأولى خطوة تنظيمية لتحسين الأداء الإداري ، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مادة جدل واسعة، بعدما تبيّن أن الإقفال المفتوح بلا مهلة زمنية واضحة جعل من “ليبان بوست” الخيار الوحيد والإجباري أمام المواطنين.
تروي إحدى السيدات تجربتها مع “ليبان بوست” أثناء محاولتها إنجاز معاملة تصديق، فتقول إنّها انتظرت وقتًا طويلًا قبل أن يحين دورها، لتتفاجأ بعدها برفض الدفع بالدولار من دون أي إشعار مسبق. اضطرّ كثيرون إلى مغادرة الطابور والبحث عن صرّاف قريب لتبديل أموالهم، قبل العودة مجددًا وانتظار الدور من جديد. وتضيف السيدة أنّ “الكلفة ارتفعت، معتبرة أنّ المواطن هو من يدفع ثمن الفوضى وغياب التنظيم”.
وتكشف التفاصيل التالية مدى الكلفة المرتفعة التي باتت تُفرض على المواطنين: أجور “ليبان بوست”: 540,540 ليرة لبنانية، بدل تصوير: 18,018 ليرة لبنانية، خدمة “ديليفري بلاس”: 90,090 ليرة لبنانية، رسالة قصيرة: 45,045 ليرة لبنانية، ضريبة القيمة المضافة: 76,307 ليرة لبنانية.
وبذلك، تصل الرسوم الإجمالية التي تتقاضاها “ليبان بوست” إلى نحو 770,000 ليرة لبنانية، تضاف إلى رسم المعاملة الرسمي البالغ حوالى 2,100,000 ليرة لبنانية، أي ما يجعل كلفة التصديق النهائية تتجاوز 2,800,000 ليرة”.
وفي خضم الأزمة الاقتصادية التي تضغط على اللبنانيين من كل جانب، بات تصديق ورقة رسمية مهمة شاقة، بل ومكلفة، في وقت لا تزال فيه بعض المعاملات تشترط حضور صاحب العلاقة شخصيًا، ما يجعل شعار “التسهيل” مجرّد عنوان بلا مضمون.
خدمة رسمية أم صفقة خاصة؟
“يواجه هذا الملف موجة من الانتقادات والشكاوى”، كما يقول المحامي والناشط الحقوقي علي عباس، “بعد تداول معلومات عن ممارسات غير رسمية في بعض فروع “ليبان بوست”، حيث يُقال إنّ بعض الموظفين يعرضون تسريع المعاملات مقابل مبالغ مالية إضافية. ووفق شكاوى عدّة، قد تصل كلفة الوكالة الواحدة — بين الرسوم الرسمية وخدمات الشركة والمبالغ الإضافية إلى نحو 100 دولار”.
هذا الواقع جعل من “ليبان بوست” المستفيد المالي الأكبر من النظام الجديد. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل العلاقة بين “ليبان بوست” ووزارة الخارجية مجرّد تعاون إداري لخدمة المواطنين، أم أنها تحوّلت إلى شكلٍ جديد من الاحتكار المقنّع؟
ويردّ عباس على هذا السؤال قائلًا أنّ “الوقائع تُظهر أنّ الشركة أصبحت تمثّل نموذجًا لهيمنة القطاع الخاص على خدمات عامة، إذ واصلت عملها بآليات شبه خاصة، مستفيدة من اتفاقيات قديمة لم تُراجع بشكل كافٍ. ويضيف أنّ هذا الواقع يثير علامات استفهام حول غياب المنافسة واستمرار احتكار الخدمات البريدية، بما يخالف مبادئ الشفافية والمنافسة العادلة المنصوص عليها في قوانين الشراء العام”. ويتابع عباس بالتساؤل: “لماذا لا تُفتح الفرصة أمام شركات أخرى لإدارة هذا القطاع الحيوي، بما يضمن المنافسة العادلة وتحسين الخدمات للمواطنين؟”
منظومة سياسية تحمي المحتكرين وتضعف مؤسسات الدولة
وأشار عباس إلى أن ملف شركة “ليبان بوست” يثير تساؤلات حول المستفيدين من هذا القطاع، ومن بينهم شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، من دون توضيح رسمي لطبيعة هذه المصالح. واعتبر أن هذه المجموعة هي من الشركات التي تحظى بدعم سياسي واضح وتتمتع بموقع مهيمن في السوق، في ظل منظومة قائمة على المحاصصة بين أطراف عدّة لا تظهر أسماؤهم إلى العلن، كما هو الحال في معظم قطاعات الدولة اللبنانية”.
ويشرح عباس أنّه “عادةً ما تُقدَّم إلى الرأي العام واجهة قوية وواضحة تمثل هذا القطاع، فيما تختبئ وراءها أسماء نافذة ومؤثرة وأخرى تعمل في الظل، تشارك في الأرباح وتستفيد من الامتيازات بعيداً عن الأضواء”. وبحسب قوله، تُعتبر “ليبان بوست” مثالاً واضحاً على هذا النموذج، إذ تحوّلت من شركة تُعنى بخدمة البريد إلى مؤسسة متغلغلة في مختلف الإدارات العامة، تُستخدم بطريقة تُثير تساؤلات حول مدى خدمتها للمصلحة العامة مقارنة بالمصالح الخاصة.
ويضيف أنّ “أنشطة الشركة توسّعت لتشمل خدمات متعدّدة تحقق لها إيرادات كبيرة، ما يثير نقاشًا حول حدود دورها في العلاقة مع الدولة”. فالعلاقة، بحسبه، لم تعد تقتصر على الخدمات البريدية، بل امتدّت لتشمل أدوارًا أوسع داخل الإدارات العامة، حيث باتت الشركة تتولّى مهام لوجستية وإدارية تتصل ببيانات ومعاملات رسمية. “العقد الأساسي المنظّم لهذه العلاقة، الذي انتهت صلاحيته منذ سنوات، يُجدَّد سنويًا بشكل استثنائي بذريعة ضمان استمرارية الخدمات العامة، ما يثير تساؤلات حول آلية هذا التجديد وحدود الشفافية في تطبيقه”.
وختم عباس لافتًا إلى “وجود نهجٍ منظّم يهدف إلى إضعاف القطاع العام، من خلال تجاهلٍ متعمّدٍ لضرورة تطوير الإدارات الرسمية وتحديثها وتفعيلها، ما يدفع المواطن اللبناني في نهاية المطاف إلى الاعتماد على ما يُعرف بالشركات الوسيطة مثل “ليبان بوست” وغيرها”.
ويبقى هذا الملف مفتوحًا على مزيد من الأسئلة حول مستقبل العلاقة بين الدولة والشركات المتعاقدة معها، وحدود الشفافية في إدارة المرافق العامة.

جويل الفغالي
صحافية اقتصادية حاصلة على شهادة في الاقتصاد، متخصصة في متابعة الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتحليل السياسات العامة وتأثيرها على المجتمع.
