تكشف بيانات معهد الطاقة لعام 2024 (Energy Institute Statistical Report) حول كيفية حصول أكبر عشر اقتصادات في العالم على الطاقة عن خريطة عميقة الدلالة تتجاوز مجرد الأرقام، إذ إنها تعكس درجة هشاشة الاقتصادات أو صلابتها في مواجهة صدمات الطاقة المحتملة، سواء تمثلت في انقطاع الإمدادات أو في ارتفاع الأسعار. ففي عالم يشهد اضطرابات جيوسياسية متكررة في مناطق إنتاج النفط والغاز، لم يعد السؤال الاقتصادي الأساسي يتعلق فقط بتأمين الطاقة، بل بقدرة الاقتصاد على الاستمرار في العمل حتى في حال اختناق شرايين الطاقة التقليدية.
تُظهر أرقام المعهد أن بعض الاقتصادات الكبرى لا تزال تعتمد بشكل كثيف على الوقود الأحفوري، بينما نجحت اقتصادات أخرى في بناء مزيج طاقي أكثر تنوعاً أو أكثر اعتماداً على مصادر منخفضة الكربون. وهذا الاختلاف يحدد بدرجة كبيرة قابلية هذه الدول للاستدامة الطاقية، أي قدرتها على الحفاظ على إنتاج الطاقة واستقرار الأسعار في ظروف الاضطراب العالمي.
في هذا السياق تبدو فرنسا من بين أكثر الاقتصادات الكبرى استقراراً من حيث البنية الطاقية، إذ يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الطاقة النووية، ما يمنحها نوعاً من الاستقلال النسبي عن تقلبات أسواق النفط والغاز. هذا النموذج يمنح فرنسا ميزة استراتيجية مهمة في عالم تتزايد فيه احتمالات اضطراب أسواق الطاقة، لأن الطاقة النووية توفر إنتاجاً مستقراً للكهرباء بكلفة يمكن التنبؤ بها نسبياً. كذلك تستفيد فرنسا من وجود مصادر طاقة مائية ومتجددة تكمّل هذا النظام، ما يجعلها من أكثر الدول قدرة على الاستمرار في الإنتاج الصناعي دون التعرض لصدمات حادة في أسعار الطاقة.
تظهر كندا أيضاً في موقع قوي من حيث الاستدامة الطاقية، لكن لأسباب مختلفة. فهذه الدولة تجمع بين احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وبين انتشار واسع للطاقة الكهرومائية والمتجددة، وهو ما يمنحها نوعاً من الاستقلال الطاقي شبه الكامل. في حال ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً يمكن لكندا أن تستفيد اقتصادياً من صادراتها من الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه تملك قاعدة واسعة من الطاقة النظيفة المحلية التي تضمن استقرار إمدادات الكهرباء. هذه الازدواجية تجعل الاقتصاد الكندي من أكثر الاقتصادات قدرة على الصمود في مواجهة صدمات الطاقة.
أما ألمانيا وإيطاليا فتظهران كنموذجين لاقتصادات انتقالية. فمزيج الطاقة فيهما لا يزال يعتمد بدرجة مهمة على الغاز الطبيعي، لكنهما في الوقت نفسه استثمرتا بشكل واسع في الطاقة المتجددة، خصوصاً طاقة الرياح والطاقة الشمسية. هذا الوضع يجعلهما أكثر عرضة نسبياً لاضطرابات إمدادات الغاز، كما ظهر خلال أزمة الطاقة الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا، لكنه يمنحهما في المقابل قدرة عالية على التحول السريع نحو مصادر طاقة بديلة بفضل البنية الصناعية والتكنولوجية المتقدمة. لذلك يمكن وصف هذين الاقتصادين بأنهما يمتلكان مرونة انتقالية، أي القدرة على تعديل مزيج الطاقة بسرعة نسبية إذا فرضت الظروف ذلك.
في المقابل تكشف الصورة عن اعتماد كبير للصين والهند على الفحم، وهو ما يعكس طبيعة اقتصادهما الصناعي الكثيف الاستهلاك للطاقة. الفحم يوفر لهاتين الدولتين قدراً من الأمان الطاقي الداخلي لأن جزءاً كبيراً من الإنتاج يتم محلياً، لكنه يضعهما في موقع أقل تقدماً من حيث الاستدامة البيئية والتحول نحو الطاقة النظيفة. ومع ذلك فإن الصورة ليست سلبية بالكامل، خصوصاً بالنسبة للصين، التي أصبحت في الوقت نفسه أكبر مستثمر في الطاقة المتجددة في العالم. فالقوة الصناعية الصينية تسمح لها ببناء محطات شمسية ورياحية على نطاق هائل، ما يعني أن اعتمادها الحالي على الفحم قد يتراجع تدريجياً مع تسارع التحول الطاقي.
تبدو اليابان في موقع أكثر هشاشة من معظم الاقتصادات الكبرى. فهذه الدولة تفتقر إلى الموارد الطبيعية وتعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز لتلبية احتياجاتها الطاقية. وقد زادت هذه الهشاشة بعد تقليص الاعتماد على الطاقة النووية عقب كارثة توهوكو، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الوقود المستورد. في حال حدوث اضطرابات كبيرة في طرق إمداد الطاقة العالمية يمكن أن يتعرض الاقتصاد الياباني لضغوط كبيرة، خصوصاً في قطاعي الصناعة والنقل.
الولايات المتحدة تقدم نموذجاً مختلفاً يعتمد على وفرة الموارد الطبيعية والمرونة الصناعية. فرغم أن مزيج الطاقة الأميركي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز، فإن ثورة الغاز الصخري خلال العقدين الماضيين منحت الولايات المتحدة درجة عالية من الاستقلال الطاقي. وفي الوقت نفسه تشهد البلاد توسعاً سريعاً في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يعزز قدرتها على تنويع مصادر الطاقة. هذه التركيبة تجعل الاقتصاد الأميركي من أكثر الاقتصادات قدرة على التكيف مع صدمات الطاقة، حتى وإن لم يكن الأكثر تقدماً من حيث الاستدامة البيئية.
أما روسيا فتظهر في الصورة كاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري، مع حصة محدودة جداً من الطاقة المتجددة. هذا الاعتماد يمنحها قوة كبيرة كمصدر للطاقة في الأسواق العالمية، لكنه يجعل تحولها نحو اقتصاد منخفض الكربون أكثر تعقيداً. كما أن اعتماد اقتصادها على صادرات النفط والغاز يعني أن أي تحول عالمي سريع نحو الطاقة النظيفة قد يشكل تحدياً استراتيجياً لها في المستقبل.
إذا ما نظرنا إلى الصورة العامة يتضح أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة. ففي الماضي كان هذا المفهوم يعني أساساً القدرة على الوصول إلى النفط والغاز بأسعار مقبولة، أما اليوم فأصبح يتعلق أكثر بقدرة الدول على إنتاج الطاقة محلياً من مصادر متنوعة ومستقرة. الدول التي تمتلك طاقة نووية قوية أو موارد مائية واسعة أو قدرة صناعية كبيرة لتطوير الطاقة المتجددة ستكون الأكثر قدرة على الصمود في عالم يتسم بتقلبات الطاقة. وفي هذا السياق يبدو أن الدول التي تجمع بين الاستقلال النسبي في الموارد وبين القدرة التكنولوجية على توسيع الطاقة النظيفة ستكون في موقع أفضل خلال العقود المقبلة، لأن المنافسة العالمية لم تعد تدور فقط حول السيطرة على حقول النفط، بل حول السيطرة على منظومة إنتاج الطاقة في عصر ما بعد الوقود الأحفوري.

