في مفارقات القيمة من آدم سميث إلى مخيمات اللاجئين… الرصاصة والفرقيعة

تساءل آدم سميث ذات يوم: لماذا الماء، وهو أصل الحياة، لا يساوي شيئًا، بينما الألماس، وهو حجر لا يُطعم ولا يُحيي، يساوي ثروة؟ وظلّت هذه المفارقة معلّقة كسيف فوق رأس الاقتصاد الكلاسيكي قرابة قرن، حتى جاء الاقتصاديون الحديّون في سبعينيات القرن التاسع عشر بجوابهم البسيط المدهش: القيمة ليست في الشيء، بل في اللحظة التي تحتاجه فيها. الماء وفير، فوحدته الأخيرة لا تعني شيئًا. الألماس نادر، فوحدته الأولى تعني كل شيء. هكذا وُلدت نظرية المنفعة الحدية، وظنّ الاقتصاديون أنهم أغلقوا ملف المفارقات إلى الأبد. لم يكونوا محقّين.

بعد قرن، لاحظ جون ماينارد كينز مفارقة من نوع مختلف: حين يقرّر الجميع أن يدّخروا في آنٍ واحد، وهو قرار عاقل لكل فرد على حدة، ينهار الاقتصاد بأسره. الفضيلة الفردية تصبح كارثة جماعية. بعد أن كان ويليام ستانلي جيفونز قد أضاف مفارقته: كلما صارت الآلة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، استهلك البشر طاقةً أكثر. الحلّ يولّد المشكلة. وفي كل مرة، كان الاقتصاديون يكتشفون الشيء ذاته: القيمة ليست صفةً في الأشياء، بل علاقة بين الأشياء والبشر والسياق الذي يحيط بهم.

ولكن ماذا يحدث حين يكون السياق هو الحرب؟ حين تكون الدولة غائبة، والفقر حاضرًا، والسلاح يتدفّق من قنوات لا علاقة لها بالسوق؟ هنا تنهار كل المعادلات. في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، داخل فلسطين وخارجها، وفي لبنان، وفي أرياف سوريا التي طحنتها الحرب، يُحتفل بالأفراح بإطلاق الرصاص في الهواء. ليس لأن الناس لا يعرفون قيمة الرصاصة، بل لأن الرصاصة، بكل تناقض صارخ، لا تكلّفهم شيئًا. إنها تأتي مع الانتماء، مع الولاء، مع الفصيل والحزب. إنها هبة السياسة، لا سلعة السوق. أما الفرقيعة، تلك القطعة الورقية الصغيرة المحشوة ببارود أقل، فتحتاج إلى ما لا يملكه كثيرون: دولار في الجيب.

لو رأى آدم سميث هذا المشهد، ربما أعاد كتابة ثروة الأمم. لأن مفارقة الماء والألماس كانت تسأل: لماذا الضروري رخيص والكمالي غالٍ؟ أما هذه المفارقة الجديدة فتطرح سؤالًا أكثر قسوة: لماذا أداة الموت مجانية وأداة الفرح مكلفة؟ الجواب ليس في نظرية المنفعة الحدية هذه المرة، بل في أن ثمة مجتمعات يتقدّم فيها السلاح قبل الخبز، وتُبنى فيها الهوية على فوهة البندقية. حين يُحتفل بالعرس بالرصاص لا بالفرقيع، فذلك ليس اختيارًا جماليًا، بل صرخة اقتصادية بامتياز: نحن نملك ما أُعطينا، ونحتفل بما تبقّى لنا.

ولعل هذا هو أحزن ما في الأمر: أن يكون الاحتفال نفسه، تلك اللحظة الإنسانية الخالصة من الفرح، مرآةً تعكس عمق الجرح الاجتماعي. الفرقيعة تنفجر وتنتهي ولا تؤذي أحدًا. الرصاصة تصعد إلى السماء، ثم تعود. وحين تعود، لا تسأل عن عُرس أو حِداد. ربما كانت هذه هي المفارقة الأم، التي تحتوي في داخلها كل المفارقات الأخرى: أن يحتفل الإنسان بحياته بأداةٍ صُمِّمت لإنهائها، لأن أداة الفرح الحقيقي بعيدة عن متناوله.

مقالات الكاتب
د. بيار الخوري
كاتب في الاقتصاد السياسي.