العامان الأطول

 

في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مرّت 50 عاماً على حرب “يوم الغفران”. الجيش الإسرائيلي جيش منظم: بمناسبة الحدث، فُتحت اليوميات؛ وعُقدت المؤتمرات. تحدّث الضباط المثقلون بالرتب عن الدروس التي استُخلصت، وعن التواضع الذي حلّ محل الغطرسة، وعن الحوار المفتوح الذي استبدل الانغلاق، وعن التكنولوجيا التي غطّت كل الثغرات. لن يكون هناك تقصير آخر في مدرستنا. ثم جاء السابع من أكتوبر.

أخبرني أحد أعضاء هيئة الأركان العامة أنه عندما خرج من “البئر المحصن” في نهاية 12 يوماً أمضاها خلال حملة “شعب كالأسد” – العملية الناجحة في إيران، رأى كيف استقام ظهر زملائه. وقال لي: “أقلقني ذلك. فكرت في أنهم سيظنون الآن أن السابع من أكتوبر كان مجرد خلل عابر، وحادثة مؤقتة، وأن المذنبين استقالوا، ويمكن للجيش أن يترك هذه المسألة وراءه.”

سألته: لماذا أقلقك ذلك؟

قال: “لأني أخشى الغرور. نحتاج إلى التواضع، نحن مُلزمون التصرف بتواضع.”

قلت له: “أنا أشاركك القلق، فكيف تفسّر القرار الفاشل بشأن مهاجمة الدوحة؟ ألم تربككم العملية الناجحة في إيران؟ ألم تقعوا في فخ الغرور الذي تحذّر منه؟”.

لم يوافقني. ربما يوافقني اليوم، بعد أن اضطر نتنياهو، بضغط من ترامب، إلى الاعتذار لرئيس وزراء قطر. هناك بعض العزاء في الفشل في الدوحة: أوضح لترامب أنه لا يمكنه السماح لنتنياهو بمواصلة الحرب في غزة إلى ما لا نهاية. لقد حان الوقت لإنهائها.

إن مدة الحروب ليست كارثة طبيعية، لأنها من صنع الإنسان. حرب “يوم الغفران” استمرت 19 يوماً، من التقصير إلى اتفاق وقف إطلاق النار، بدأت بخوف حقيقي على مصير الدولة، وعلى وجودها ذاته، وانتهت والجيش الإسرائيلي في قلب مصر وسورية؛ أمّا حرب “7 أكتوبر” فمستمرة منذ عامين. أوضح رئيس الأركان هرتسي هليفي في بدايتها أنها ستكون طويلة، لكنه لم يتخيل أنها ستطول إلى هذا الحد. حتى بعد عامين، ما زالت ثلاث فرق من الجيش الإسرائيلي تقاتل في قلب مدينة غزة.

زار رئيس الأركان المدينة يوم الثلاثاء. ذهب إلى هناك عقب ما حدث في البيت الأبيض مساء اليوم السابق، واجتمع قادة الفرق والألوية حوله. كانت الرسالة التي أراد إيصالها معقدة: استمرار القتال، ما دامت “حماس” لم تقل “نعم”؛ أقصى درجات التأهب لمنع خطف جندي، أو وقوع حادثة دامية في اللحظات الأخيرة؛ واستعداد لاستكمال احتلال المدينة في حال قالت “حماس” لا.

عندما تنظر إلى خريطة غزة المحدّثة، وما احتلته إسرائيل باللون الأخضر، وما بقي في يد “حماس” باللون البني، يصعب الفهم لماذا يسير احتلال المدينة ببطء شديد. “حماس” موجودة في الزاوية الشمالية الغربية من مدينة غزة الكبرى – في مخيم الشاطئ وأجزاء من حي الصبرة المجاور، وبتقدير حذر، تسيطر الحركة الآن على 15 في المئة من مساحة المدينة، وربما أقل، بعد أن خرج آلاف المسلحين مع المدنيين جنوباً، وبعد أن قضى الجيش الإسرائيلي على المئات في معارك أطراف المدينة، بقيت فيها النواة الصلبة للواء غزة، وليس أكثر من ذلك، بقي ثلاثة قادة فقط في الجناح العسكري، واثنان في الجناح السياسي.

التقت الفرق العسكرية في نقاط مختلفة من المدينة؛ الجيش الإسرائيلي يسيطر على الجو والبحر؛ الآن، باتت غزة ساحة القتال الناشطة الوحيدة التي تكرَّس لها كل الموارد وكل الانتباه. ومن المفترض أنه يمكن السيطرة على المدينة كلها خلال أيام. كان الحدث في البيت الأبيض سيكتسب حينها معنى مضاعفاً. بالنسبة إلى ترامب، ربما ستكون غزة في “اليوم التالي”.

لكن الجيش الإسرائيلي لم يتعجل، فوُجهت الأوامر إلى القوات بتجنّب إيذاء الأسرى، وتفادي إصابة جنودنا، والامتناع من خرق القانون الدولي المتعلق بالسكان المدنيين. كان يحوم في الأجواء سببان محتملان آخران: الأول، أن جيشاً يُجبَر على خوض معركة لا يؤمن بها، لا يندفع إلى المخاطرة؛ والثاني، أن احتلال المدينة ينقل سؤال “اليوم التالي” من غرف النقاش إلى الميدان، ومن السياسيين ببدلاتهم الرسمية إلى الجنود بخوذاتهم المدرعة. أن تقاتل لتحتل، هذا شيء، وأن تدير الاحتلال، هذا شيء آخر. يفضّل الجيش ترك هذه المهمة لغيره.

إن حرب السابع من أكتوبر غيرت وجه غزة: التدمير المتعمد لكل بيت، والذي كان نتيجة حاجات تكتيكية ونزعات انتقامية لدى القادة والمقاتلين، تحول إلى سياسة رسمية بالتدريج. فالبيوت يمكن بناؤها من جديد، لكن الضرر الذي سببته مشاهد الدمار والتهجير، من الصعب جداً إصلاحه. ما قوبل في الغرب بتفهّم فور “المذبحة”، قوبل بتفهّم، أقل فأقل، كلما طال أمد الحرب. الساسة ساهموا في ذلك؛ وكذلك قنوات التلفزة لدينا التي فضلت إغماض العين، أو المشاركة في الاحتفال. هناك مشكلة في الإعلام الخارجي، لكنها ليست سوى رأس الجليد.

المشكلة الكبرى هي أننا لم نجد وسيلة عسكرية لهزيمة “حماس” من دون التسبب بمقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وبكارثة إنسانية للملايين. ربما لا توجد وسيلة كهذه؛ وربما لم نبذل الجهد الكافي؛ وربما ذهبنا بعيداً جداً في رغبتنا في القضاء على “حماس”. المقارنة الطبيعية هي مع الحرب ضد حزب الله؛ تنظيم “إرهابي” تطور إلى جيش “إرهابي”، يسيطر على أرض، تماماً مثل “حماس”. تم شلّ حزب الله في سلسلة عمليات بارعة، بدأت في أواخر تموز/يوليو، وانتهت في 27 أيلول/سبتمبر 2024، باغتيال نصر الله. نُقل عشرات الآلاف من بيوتهم، وتضررت بلدات بشدة، وسقط مدنيون وجنود، لكن الهدف كان واضحاً وقابلاً للتحقيق، والزمن محدود. الحرب غيرت لبنان، وهذا أحد أعظم إنجازاتها. في غزة، الوضع مختلف تماماً. ليس بسبب الرمل والشمس، بل لأن الحديث هنا عن الفلسطينيين.

بعد “مذبحة” السابع من أكتوبر، لم يكن هناك من مفرّ من دخول الحرب، بما في ذلك المناورة البرية. كانت التعبئة كاملة، والتفاني، والابتكار، والشجاعة، تبعث على الفخر. لكن كان يمكن إنهاء الحرب باتفاق قبل عام، إن لم يكن قبل ذلك. كانت الخطة أقل راحة لإسرائيل، لكن الأسرى كانوا سيعودون إلى بيوتهم، بدلاً من أن يُقتلوا في تل السلطان، والجنود كانوا سيتجنبون الموت، والرأي العام في الغرب – وحتى في الولايات المتحدة – ما كان سيتحول إلى كراهية لإسرائيل ومقاطعتها، وللإسرائيليين جميعاً. إن اعتراف معظم دول العالم بالدولة الفلسطينية هو نتيجة مباشرة لطول أمد الحرب.

لماذا اختار نتنياهو إضاعة فرص التوصل إلى صفقة؟ هذا السؤال يمكن للجنة تحقيق رسمية الإجابة عنه. هناك فرضية واحدة، آمل من كل قلبي ألّا تكون صحيحة، وهي تربط أفعاله وإخفاقاته بتوقيت الانتخابات في الولايات المتحدة. فبحسب الادعاء، وعد نتنياهو رجال ترامب بأنه لن يساعد بايدن وهاريس في الانتخابات، ولن يكون هناك صفقة في أكتوبر؛ لن يكون هناك احتفالات في البيت الأبيض. تمت صفقة الأسرى في كانون الثاني/يناير 2025، بعد شهرين ونصف الشهر على انتخاب ترامب، وقبل أربعة أيام من دخوله البيت الأبيض.

لا أعلم ما إذا كان هناك تفاهمات كهذه، لكنني أعلم أن هذا ما يعتقده ترامب ورجاله. سياسياً، كانت الخطوة مجدية: ما زالت تثمر حتى اليوم، لكن التفكير في الثمن يثير القشعريرة. أو ربما يكون محقاً مَن يقول إن شيئاً ما تغيّر في نتنياهو: الحرب غيّرته. كان نتنياهو القديم ليفكر مرتين قبل أن يأمر الجيش بنصب مكبرات صوت حول غزة لبثّ خطابه؛ نتنياهو القديم ما كان ليورط نفسه في الدوحة.

أجّلت الحرب استمرار الانقلاب القضائي عدة أشهر، وعندما استقر الوضع، عاد إلى جدول الأعمال، وأي تسوية تنهي الحرب ستزيد فقط خطوات الحكومة: معسكر اليمين يحتاج إلى عدو مشترك، إلى غراء يوحده من جديد، فالجبهة الأولى هي المحكمة العليا؛ والثانية عرب إسرائيل؛ والثالثة السلطة الفلسطينية.

لقد نقل إليّ عضو الكنيست (من حزب العمل) جلعاد كَريف، الأسبوع الماضي، رسالة أرسلها إلى نتنياهو، يدّعي فيها أنه بقرار أحادي من سموتريتش، ومن دون نقاش في الكابينيت، أوقفت الحكومة تحويل كل الأموال المستحقة للسلطة. ويقول كريف إن الدين بلغ ملياراً ونصف المليار شيكل، والهدف هو دفع السلطة إلى الانهيار. إذا كان ترامب لا يسمح لإسرائيل بضم الضفة، فإن الفراغ الذي سينشأ سيسمح لها بضم الضفة.

اقتبست في الماضي عن ضابط احتياط، قال لي: “إن ما ستفعله الحرب في غزة لا يقلقني؛ ما يقلقني هو ما ستفعله بالإسرائيليين”.

المصدر: هآرتس

الكاتب: ناحوم برنياع

https://beirut2030.me/?p=1543

 

 

 

مقالات الكاتب

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.