في عالمٍ تُكتب فيه السياسات بالحسابات الباردة لا بالعواطف، تتكوّن التحولات الكبرى من لقاءات محسوبة، وأسئلة مدروسة، ورسائل تُرمى على الطاولة بكلمة أو بتسريب. فاللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووليّ العهد السعودي جاء مثالاً صارخاً على هذا النمط من السياسة المكشوفة التي تُمارس في وضح النهار؛ لعبة تلميع مقابل استثمارات، وضغط مقابل نفوذ، ورسائل تُطلق بين السطور لتذكير الجميع بمن يمسك خيوط اللعبة الإعلامية والسياسية في آنٍ معاً.
نرى في زيارة البابا لاوون الرابع عشر ولقاء الرئيس ترامب والأمير محمد بن سلمان فرصاً سياسية أكثر ممّا هي محطات بروتوكولية. فالزيارة المرتقبة للبابا إلى المنطقة، كما اللقاء الأميركي–السعودي، مؤشران على إعادة ترتيب النفوذ وإعادة رسم الأدوار وتوزيع الأوراق بين القوى الكبرى. وهما في الوقت نفسه إشارة واضحة إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة حساسة: مرحلة قد يُعاد فيها إدخال من استعدّ للّعب، ويُستبعد فيها من فضّل الانقسام والتعطيل والتعويل على دول ذات أطماع جغرافية توسّعية.
بالعودة إلى لقاء المملكة العربية السعودية وأميركا، عندما تطرح صحافية سؤالاً يبدو عفوياً عن علاقة رجل الأعمال ـ السياسي باستثمارات عائلته في المملكة، أو عن رواسب أحداث 11 أيلول، أو عن قضية خاشقجي، لا يمكن فصل السؤال عن توقيت اللقاء ولا عن توازنات القوة. فهي إشارة واضحة إلى أن الملفات القديمة لا تُغلق، بل تُسحب عند الحاجة كورقة ضغط أو كأداة ابتزاز سياسية. وما كان من ترامب إلا أن ردّ بدوره برسائل لا تقلّ وضوحاً، بين الدفاع العلني والتهديد الضمني.
هذه الممارسة ليست جديدة؛ فهي جزء من منظومة دولية تستخدم الإعلام والمحاكمات التاريخية وملفات الإرهاب والحقوق وحتى الزيارات الرمزية كأدوات لفرض السياسات لا كحوادث منفصلة. ومع ذلك، ليست تلك الرسائل موجّهة فقط لدول الخليج، بل تمتدّ تأثيراتها إلى كامل شرق المتوسط، حيث يدخل المشهد اليوم مرحلة إعادة ترتيب واسعة بعد حرب سوريا، وتسويات غزة، والتقارب الإقليمي، وتحضيرات إعادة الإعمار.
من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وما يهمّنا: أين لبنان من كلّ ذلك؟
لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي: إمّا أن يستغلّ هذه اللحظات لإعادة تثبيت حضوره، أو يبقى متفرّجاً على رصيف الإعمار والنهوض، يراقب صناديق الدعم تُفتح لسواه بينما يواجه وحده الانهيار. فبينما تستعدّ المنطقة لاستقبال موجة الإعمار الكبرى في سوريا، ولإعادة وصل الممرات الاقتصادية بين الخليج وتركيا والأردن والعراق، ولتثبيت خطوط الغاز والطاقة نحو أوروبا… يقف لبنان وحيداً عند حافة الطريق: بلد بلا رئيس ذي صلاحيات مؤثرة، بلا إصلاحات، وبلا إقرار لمجلس شيوخ ينهي الصراعات والتجاذبات الطائفية. حكومة بلا قرار واحد، وبلا حضور خارجي قوي مؤثّر. وبدل أن يكون لاعباً، أصبح صندوق بريد بين القوى المتصارعة، وبدل أن يكون نقطة وصل، أصبح نقطة ضعف.
كان لبنان تاريخياً جسراً بين المشاريع؛ أما اليوم فتحوّل إلى متفرّج يُراقب نهضة الجوار من دون أن يكون جزءاً من اللعبة.
أين المغتربون من ذلك؟ وما دورهم؟
في الوقت الذي ينهار فيه الداخل، يمتلك لبنان ثروة بشرية موجودة في الخارج، لديها القدرة على إعادة شرعية الدولة وفتح أبواب الاستثمار. هؤلاء الذين يرون بأعينهم كيف تتقدّم المنطقة وكيف تتغيّر التوازنات، يدركون أكثر من غيرهم أن لبنان لا يمكن أن يعود لاعباً إلا إذا استعاد مؤسساته وشرعيته السياسية.
وذلك لا يتحقق إلا عبر: انتخابات نزيهة، فعلية، تشمل كل اللبنانيين، خصوصاً المغتربين؛ انتخابات تُعيد تشكيل السلطة وتمنح الدولة وجهاً يستطيع الجلوس على طاولة الإقليم والعالم، فالدول تحترم من لديه شرعية داخلية وقوة قرار.
هل سينهض لبنان؟ ويخرج من القمم إلى رحاب القرارات وملعب الأمم؟ الجواب مرتبط بقرار واحد: هل نريد دولة تعود إلى الخريطة؟ أم نريد كياناً يكتفي بالمشاهدة؟
اليوم، ومع التحولات الدولية، ومع إعادة فتح ملفات عمرها عقود، ومع زيارة البابا، واللقاءات التي تُعيد ترتيب الأدوار في المنطقة، يملك لبنان فرصة كي يخرج من دور صندوق البريد إلى دور الشريك في صنع القرار.
فالفرص التاريخية لا تنتظر، والخريطة لا ترحم الغائبين. إمّا أن يعود لبنان دولة تُحاسَب وتُحاور وتُشارك، أو سيبقى على الرصيف… بينما تُعاد كتابة الشرق الأوسط من حوله.

نزار أبو علي
ناشط اجتماعي وعضو مؤسس في عدة جمعيات تُعنى بالشأن العام والخدمة المجتمعية؛ عضو لقاء حوار الأديان؛ مشارك في تنظيم المعارض التجارية والنشاطات البلدية؛ مدير لعدد من الندوات ومنخرط بعدة مجموعات تواصل اجتماعي تُناقش قضايا اجتماعية وسياسية ورياضية.
