من الحزب والحركة إلى التيار والقوات… كيف حوّلت الأحزاب البلديات إلى صناديق تمويل لها؟

 

في لبنان، تُدار البلديات بالولاء لا بالقانون، فيما يبقى المواطن آخر من يعرف مصيره المالي والاجتماعي. فمنذ اتفاق الطائف (1989)، وُعد اللبنانيون بلامركزية موسّعة تُعدّ مدخلًا لإصلاح الإدارة العامة، غير أنّ الواقع كشف هشاشة الدولة المركزية وانكفاء مؤسساتها عن الرقابة والمساءلة، لتتحوّل البلديات تدريجيًا إلى أدوات حزبية وطائفية تُوزَّع الخدمات فيها على أساس الولاء لا الكفاءة.

ورغم الالتزام النظري بمبدأ اللامركزية، ما تزال وزارة الداخلية تتحكّم بتعيين القائمقامين والمحافظين، وتمارس سلطة رقابية واسعة على البلديات واتحاداتها. ووفقًا لتقرير المفكرة القانونية (2023)، فإنّ اللامركزية اللبنانية “مفرغة من مضمونها”، إذ إن القرار والتمويل ما زالا بيد المركز، بينما تُترك البلديات وحدها في مواجهة المسؤوليات التنموية والمالية المتزايدة.

الحكم الهجين والزبائنية الحزبية

يصف الخبراء النظام البلدي اللبناني بأنه نموذج لـ”الحكم الهجين”، إذ يجمع بين سلطة الدولة الرسمية من جهة، وسلطة الشبكات الحزبية والطائفية والمنظمات الدولية من جهة أخرى. هذا التداخل بين الرسمي وغير الرسمي أنتج نظامًا متعدد الرؤوس يصعب تحديد من يحكمه فعليًا، وخلق بيئة خصبة للفساد وتبييض الأموال.

وقد جاءت حرب أيلول 2024 لتكشف هشاشة هذا النظام بوضوح. فوفق تقرير UN-OCHA (2025)، تدفقت المساعدات الإنسانية بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار، إلا أنّ الجزء الأكبر منها أُدير عبر شبكات حزبية وطائفية، ما عكس استمرار سيطرة القوى السياسية الكبرى )حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية) على إدارة التمويل المحلي، وأضعف أي آلية رقابية مركزية كان يُفترض أن تضمن الشفافية والمساءلة.

كما أشار تقرير Refugees International (2025) إلى أنّ أكثر من 60٪ من المستفيدين من المساعدات هم من الجهات نفسها التي استفادت خلال أزمة 2020، فيما حصلت المناطق ذات التمثيل الحزبي الضعيف على أقل من 10٪ من الدعم. وفي بعض المناطق الجنوبية، وُزعت الحصص الغذائية عبر مكاتب حزبية، واستُخدمت لوائح النازحين السوريين لتبرير مساعدات لم تصل فعليًا إلى مستحقيها.

أما تقرير البنك الدولي (آذار 2025)، فأكد أن نحو 35٪ من الأموال المخصصة لإعادة تأهيل البنى التحتية صُرفت دون فواتير رسمية. ووفق Transparency International (2025)، بلغت المساعدات خلال الشهر الأول بعد الحرب نحو 700 مليون دولار، صُرفت عبر قنوات متناقضة؛ إذ لم تتلق البلديات المحروقة في بنت جبيل وصور سوى 3٪ من التمويل المباشر، بينما ذهبت النسبة الأكبر إلى مؤسسات حزبية نفّذت إعادة إعمار انتقائية تخدم مناطق نفوذها.

بهذا، تحوّل التمويل الدولي من أداة دعم إنساني إلى رافعة زبائنية تُعيد إنتاج موازين القوى السياسية بدل تعزيز التنمية المتوازنة.

ويُظهر استطلاع Arab Barometer (2024) أن 74٪ من اللبنانيين يعتقدون أنّ الحصول على خدمة عامة يتطلب وساطة سياسية، و58٪ يرون أنّ البلديات تُدار على أسس طائفية لا مهنية، ما يجعل الولاء الحزبي شرطًا أساسيًا للحصول على أي خدمة أو دعم محلي.

الفساد البلدي والتمويل الخارجي: غياب المساءلة وتفكك الدولة

تُظهر التقارير الرقابية أنّ البلديات اللبنانية باتت مسرحًا لتقاسم النفوذ الحزبي وتبييض المساعدات عبر عقود التراضي، في ظل غياب شبه تام للرقابة المالية والإدارية. في ما يلي نماذج فساد موثّقة (2023–2025):

  • بلدية الغبيري (2025): كشف تحقيق درج أنّ عقود التنظيف والصيانة أُبرمت بالتراضي مع شركات محسوبة على حزب الله وحركة أمل، منها “الوفاء للخدمات العامة” و”الجنوب كلين”، دون مناقصات علنية، وبقيمة تجاوزت 5 ملايين دولار خلال ثلاث سنوات، ورفضت البلدية تزويد ديوان المحاسبة بالمستندات بحجة “الظروف الأمنية”.
  • مشاريع الطرق الزراعية في البقاع (2023–2025): تجاوزات في مشاريع ممولة من USAID في زحلة والبقاع الأوسط وبعلبك–الهرمل؛ إذ مُنح 45٪ من العقود بالتراضي لشركتَي “الشرق للمقاولات العامة” و”البقاع غروب” المملوكتين لمتعهدين مرتبطين ببلديات محسوبة على حركة أمل وحزب الله، فيما 30٪ من المشاريع لم تُنفّذ رغم صرف مستحقاتها.
  • جبل لبنان والشمال (2024–2025): كشف تقرير LTA (2024) أن 45٪ من البلديات الكبرى لم تنشر بياناتها المالية للسنة الثالثة على التوالي، مع تلاعب واضح في تسعير العقود الممولة من الاتحاد الأوروبي لصالح شركات مثل “مارون تريد” و”نور الإنماء للهندسة” المرتبطتين بالتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية.
  • طرابلس (2024): بعد الهبة التركية لإعادة ترميم البنى التحتية إثر حرائق صيف 2024، اختفى نحو 3 ملايين دولار من المنحة، واستُخدمت الأموال لمشاريع تجميلية بدلاً من صيانة الأحياء المتضررة، ولم تُقدَّم كشوفات الإنفاق إلى وزارة الداخلية حتى منتصف 2025.
  • الصندوق البلدي المستقل (2025): امتنعت وزارة الداخلية عن تحويل مستحقات 650 بلدية لعامَي 2022–2023، ووزّعت التحويلات الأخيرة وفق الولاءات السياسية، ما حوّل أداة التمويل المركزي إلى وسيلة عقابٍ ومكافأة حزبية.

التمويل الخارجي كرهينة للحوكمة المحلية

في غياب رؤية وطنية شاملة، أصبحت المساعدات الخارجية شريان حياة للحكم المحلي، لكنها حين تُحقن في جسدٍ فاسد تعيد إنتاج المرض بدل معالجته.

ووفق تقرير U4 (2025)، لم تُنفّذ 75٪ من المشاريع وفق معايير الشفافية الدولية، وأعاد التمويل الدولي ترسيخ شبكات الفساد القديمة، ما جعل الحوكمة المحلية مرتهنة للتمويل لا للسياسة العامة.

تحوّلت اللامركزية اللبنانية إلى مرادفٍ لتفكيك الدولة المركزية دون بناء بديلٍ مؤسسي. المحافظات تُدار كإقطاعيات إدارية، وكل منطقة تعمل بمنطق “الدويلة الخدماتية” التي تؤمّن الخدمات لمناصريها فقط.

الدولة الغائبة والرقابة المشلولة

تشير IDEA (2025) إلى أن الإنفاق غير المراقَب يتجاوز 60٪ من مجموع الإنفاق المحلي، وأنّ أكثر من 45٪ من العقود تُعدّل قبل التنفيذ نتيجة التدخلات السياسية.

منذ عام 2020، أُنشئت أكثر من 12 هيئة رقابية بلا صلاحيات فعلية؛ فالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لم تُعيّن كوادرها الكاملة حتى 2025، وديوان المحاسبة لا يملك ميزانية كافية لتدقيق سوى 15٪ من البلديات سنويًا.

أما قانون الحق في الوصول إلى المعلومات (2017) فبقي حبراً على ورق، إذ تشير منظمة “نحن” (2025) إلى أنّ أقل من 10٪ من البلديات تجاوبت مع طلبات المعلومات، وغالباً بعد تدخلٍ سياسي أو إعلامي.

في المصلة، تحوّلت البلديات اللبنانية إلى حصونٍ حزبية، والمساعدات الدولية إلى ريعٍ سياسي، فيما يُستغل المال العام لتعزيز الولاءات بدل خدمة المواطنين. كل أزمة تُصبح فرصة لتوزيع الغنائم، وكل حرب تُولّد مجالًا جديدًا لترسيخ النفوذ الحزبي.

إنّ الحوكمة المحلية الهجينة في لبنان لا تُنتج تنميةً بل تُعيد إنتاج الفساد والتبعية، حيث تتشابك الدولة مع اللادولة، ويُستخدم التمويل الدولي كأداةٍ لإعادة تثبيت الولاءات الحزبية لا لبناء الثقة المؤسسية.

اللامركزية؟ شعارات على ورق.

 الدولة؟ غائبة عن المشهد.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بفصل المال العام عن الولاءات الحزبية، وإعادة بناء مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على استعادة ثقة المواطنين، بعد أن تحوّل لبنان إلى فسيفساء من الإقطاعيات الحزبية المتنازعة.

مقالات الكاتب

هنا وليد عرابي

كاتبة وباحثة متخصصة بالإقتصاد الموازي والسياسات العامة وقضايا التنمية. حائزة على دكتوراه في العلوم السياسية والإدارية والإقتصادية.