قداسة الحبر الأعظم… زيارتكم عزيزة ولكن حُرمنا من لقائك

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

كنتُ أحبّ أن أخبرك، لو سُمح لي ولرفاقي بلقائك، أنّ المسيحيين في لبنان والشرق يعانون من واقعٍ مأساويّ نتيجة حكّامٍ ضعفاء، ونتيجة التهجير القسري والنزوح، والممارسات السياسية والأمنية والاجتماعية والمالية والاقتصادية الشاذّة، إضافةً إلى الاضطهاد الذي يستهدفهم. وبالمناسبة، هذا الاضطهاد يطالني أنا ورفاقي أيضاً، لأنهم حرمونا من لقائك لنقدّم لك مذكرة صغيرة تشرح معاناتنا كلّها.

صحيح أنّ المسيحيين مستهدفون في المشرق كلّه، وفي وطننا يُستَخدمون كأوراق ضغط سياسية.

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

نحن في لبنان تراجع دورنا وعددنا، وصار انتشارنا محدوداً في الأقضية المختلطة والأقضية المسيحية. والأخطر من ذلك أنّ الدوائر العقارية في جبل لبنان تعطّلت لفترة طويلة، ولهذا السبب هاجر كثيرون منّا إلى الخارج لأنهم فقدوا الأمل والرجاء.

ولن نخفي عنك أمراً بالغ الدقّة والخطورة، وهو أنّ شعبنا المسيحي يتعرّض لتهديدات متزايدة وبشكل مستمر، وقد ازدادت حدّة التباعد بين المكوّنات المسيحية. وكلّ يوم يزداد التعصّب والانقسام بين السياسيين، مما يشكّل خطراً على الشعب المسيحي بسبب عمليات التضليل الممنهجة التي يمارسها الذين يريدون أن يستقبلوك، والذين يشبهون «قيافا»…

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

إنّ وضع المسيحيين في إدارات الدولة اللبنانية خطير ودقيق ومخزٍ: ففي المؤسسة العسكرية لا تتجاوز نسبة الشباب المسيحيين المتطوّعين 29% بمختلف الاختصاصات، وفي الإدارة بالكاد يصلون إلى 27%.

ويعود ذلك إلى المسؤولين الدينيين (بطاركة – أساقفة – كهنة) وإلى المسؤولين السياسيين (رؤساء – نواب – وزراء)، بسبب الجهل وقلّة الاهتمام لدى رجال الدين، والجهل وقلّة المسؤولية لدى رجال السياسة لدينا.

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

لقد كتبنا وراسلنا دوائر الفاتيكان بشأن سوء الإدارة السياسية في لبنان، ولكن المؤسف أنّ هذه الرسائل لم تلقَ أي صدى. لذلك كنّا نتمنّى رؤيتك لإطلاعك خلال زيارتك على خصائص هؤلاء السياسيين وتصرفاتهم بشكل مباشر. لكن للأسف، جاء الجواب سلبياً من سفارتك في لبنان.

لدينا سياسيون فاشلون لا يعتمدون التفكير المنطقي العميق الذي يرتكز على دراسة المشكلات وتحليلها ومعرفة أسبابها للوصول إلى حلول حقيقية. هؤلاء المسؤولون الذين سيستقبلونك يبنون غالباً على حلول مستعجلة، مثل التزفيت والترقيع والتبليط الذي يحصل قبل زيارتك. وهنا عتبنا على السفير البابوي الذي لا يحرّك ساكناً لإيقاف عملية التضليل الممنهج.

ما نفع التزفيت واللقاءات حين يكون شعبك المسيحي مضطهداً من الذين يحكمونه ديناً ودنيا؟

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

الديانة بالنسبة للشعب التزامٌ صريح، وهي الرابط بين علاقة المؤمنين وربّهم، ولكنّ الحياة الدينية اليوم باتت مليئة بالتناقضات. رجال الدين عندنا غير آبهين بأوضاعنا السياسية والاجتماعية والدينية والمالية والاقتصادية.

نشعر أنّ هناك جشعًا (يا رب سامحنا)، وأنّ الذين حكمونا باسم الديانة تجاوزوا كلّ الحدود، وبات واضحًا أنّهم غير مهتمّين بشؤوننا، وأنّ أداؤهم غير مبنيّ على القناعة بل على المصالح. حتى إنهم لا يهتمّون بأوضاع طلابنا في المدارس والجامعات في ما يتعلّق بالأقساط، وخصوصًا في المدارس الكاثوليكية، وكذلك في المستشفيات والمؤسّسات التابعة لهم، حيث يبدو المشهد تجارةً لا صلاة.

وكان يفترض بهم أن يخبروك عن المشاريع التي تدرّ مالًا أكثر من “الصينية”، لأنّ “الصينية” مردودها خاسر، ولذلك توجّه كثيرون منهم إلى التجارة بالدين في أغلب الأحيان، وأهملوا الصلاة.

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

شعبنا مثقل بالهموم والأعباء والرسوم وقلة الاهتمام. وصادفت زيارتك لنا ونحن موجوعون، غارقون في الديون، ومثقلون بهموم سرقة تعبنا. والمؤسف أنّ الأيادي التي سرقتنا ستصافحك وستستقبلك وستتحاور معك، وهنا المصيبة إذا كنت تعلم ماذا فعلت بنا…

نحن نعاني منذ خمسين سنة من أزمة سياسية وأمنية واقتصادية وديموغرافية هي الأسوأ. علّقنا الآمال على زيارة البابا يوحنا بولس الثاني وعلى السينودس، لكنّ جماعة “اليهوذا” أفشلوهما. وكنّا نأمل أن نراك لنخبرك عن وجعنا وهمومنا، لأنك تمثّل السيّد المسيح على الأرض…

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

عيشتُنا كلّها “زفت بزفت”. “زفت” يدفن الحقيقة، و“زفت” يزوّر واقع الشعب اللبناني عامةً والماروني خاصةً. زيارتك، إذا لم تسمعنا، لن تغيّر شيئًا من واقعنا، وستظلّ حياتنا “زفت”… وستبقى “زفت”.

نخشى أن نكون ضحايا “الزفت” والشعارات واللقاءات. لم نعد نملك شيئًا: بيوتنا، أموالنا، مستقبلنا، ووطننا باتوا تحت نهج “الزفت” والنسيان والتضليل.

قداسة الحبر الأعظم، سلام المسيح.

“نحن مدعوّون لكي نقدّم شهادة للحق الذي يخلّص العالم”، هذا كلام سمعناه منك في وقت صلاة التبشير. كلّنا أمل بأنّ زيارتك ستُحوّل العنف إلى علامة فداء. لذلك نطلب منك أن تسمعنا، وأن نتّحد معك، لأننا شعب يتألّم من أجل لبنان وشعبه وكرامته المهدورة.

كلّنا ثقة بأنك ستسمع صوتنا، وستكون السند الذي يساعدنا في هذه المحن والصعوبات، وبذلك تكون زيارتك ناجحة ومثمرة.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC