لبنان في عين العاصفة… بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الدولي

في المقال السابق (إيران – تحولات وعقيدة – هل دخلت مرحلة الحرب الإقليمية)، تطرّقتُ بشكل مقتضب إلى موقف الدول الكبرى من الصراع المستجد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، وتداعيات هذا الصراع على لبنان. أما في هذا المقال، فسأتوسع قليلاً في شرح الموقفين الروسي والصيني، مع استفاضة في تفنيد تداعيات هذه المواجهة على لبنان، وما سيؤول إليه الوضع، خاصة من جهة تطبيق خطة الجيش اللبناني والتنسيق مع لجنة الميكانيزم.

في موقف الدول الكبرى

حتى اللحظة، يتسم موقف الدول الكبرى بالبراغماتية الحذرة وتجنب المواجهة؛ فكلٌّ من روسيا والصين تتحركان بحذر شديد، مفضلتين توظيف أدواتهما الدبلوماسية والاقتصادية بدلاً من المغامرة العسكرية، مما يحول دون نقل الصراع من حرب إقليمية إلى حرب عالمية ثالثة (أقله على المدى المنظور).

الصين، التي تعلي المصالح الاقتصادية على التحالفات الأيديولوجية، تراقب التصعيد بقلق بالغ؛ فهي تلتزم بسياسة «عدم التدخل» التي تميزها، وهدفها الأسمى هو حماية استثماراتها الضخمة في مبادرة «الحزام والطريق». كما أن بكين تسعى إلى تأمين الممرات البرية التي تمر عبر إيران باتجاه أوراسيا كبديل استراتيجي عن الممرات البحرية، ألا وهو مضيق هرمز الذي أصبح مسرحاً للصراع. فبكين لن تتدخل في مواجهة مع واشنطن بسبب إيران، بل ستستخدم نفوذها لدعوة الأطراف إلى ضبط النفس وحماية مصالحها الاقتصادية، وربما التوسط في حال أتيحت الفرصة.

أما روسيا، التي جاءت خجولة في إدانتها هذا التصعيد مع تلميح بقوة الردع، فقد كانت أكثر وضوحاً في موقفها الرافض، وإن اقتصر ذلك على الإطار السياسي. فموسكو، التي وصفت الضربات الأميركية–الإسرائيلية بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، وأكدت أن واشنطن تدرك تماماً رفضها لهذه التصرفات، تستغل هذا التصعيد للضغط على الولايات المتحدة في عدة ملفات أخرى، وعلى رأسها أوكرانيا، وللتأكيد على أن تجاهل المخاوف الروسية يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي. وبهذا ترسل روسيا رسالة صريحة بأنها قادرة على تعقيد الأمور، لكنها لا تريد صداماً مباشراً.

في الوضع اللبناني

لبنان، الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة، هو الآن في قلب العاصفة، ويتخبط بين ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق، ما بين الانفجار الداخلي والتسوية المفروضة:

  1. الانزلاق إلى صدام داخلي (السيناريو الأسوأ): فالحكومة اللبنانية تحت ضغط مزدوج. فالضغط الدولي أفضى إلى زجّ الجيش رسمياً بملاحقة ما أسموه «السلاح غير الشرعي» ومنع أي نشاط عسكري لحزب الله. كما يمارس العدو الإسرائيلي ضغطاً إضافياً، مستغلاً ما اعتبره «خطأ» حزب الله لمهاجمة لبنان بهدف القضاء على ما تبقى من قدراته. وإذا ما استمر حزب الله في إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن العدو الإسرائيلي يهدد بتنفيذ عملية برية واسعة النطاق في الجنوب، إلى جانب ضربات شاملة للضاحية الجنوبية لبيروت، وهو سيناريو كارثي بامتياز.
  2. سيناريو الضبط الذاتي (الرهان على التعقل): حزب الله في مأزق؛ فهو يدرك أنه لم يعد في موقع القوة الذي كان عليه سابقاً، وقد خسر الكثير من قدراته العسكرية وقيادييه، وبخاصة أمينه العام الذي كان شخصية استراتيجية. لذلك يحاول تجنب الانجرار إلى معركة مفتوحة قد تكون الأخيرة له. كما أن الحكومة اللبنانية تواجه اختباراً حساساً، إذ تحاول فصل لبنان عن الصراع الإقليمي، وتأمل أن يؤدي وقف إطلاق النار من الجنوب إلى فتح المجال أمام ضغط دولي لوقف الحرب.
  3. تغيير قواعد الاشتباك (السيناريو الجيوستراتيجي): تشير بعض التحليلات إلى أن ما يحدث قد يكون فرصة لفك الارتباط ولفرض «اتفاق جديد» على لبنان يكرس قيام منطقة عازلة ويحيّد الحزب نهائياً. وهذا يعني تحييد لبنان عن الصراع، ولو بشكل قسري، مقابل وقف العدوان.

دور اللجنة الخماسية وطبيعة الضغط على لبنان

اللجنة الخماسية، التي تضم كلاً من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، ليست مجرد مجموعة دعم سياسي، بل هي بمثابة تكتل دولي–إقليمي يتحرك بشكل مكثف لإعادة ترتيب البيت اللبناني قسراً وفق مصالحه، مستغلاً لحظة الضعف القصوى التي تمر بها إيران وحزب الله. ويتمحور دورها الحالي حول شقين متوازيين:

  1. دعم الدولة اللبنانية بشروط: يقدم هذا التكتل دعماً سياسياً غير مسبوق لحكومة نواف سلام والرئيس جوزاف عون، ولكن مقابل تنفيذ أجندة واضحة. فالغطاء السياسي يتجلى في دعم اللجنة الكامل لمقررات مجلس الوزراء ورفضها التام لأي انتقاص من سيادة الدولة اللبنانية، في إشارة مباشرة إلى ترجمة القرار بإجراءات ملموسة، أبرزها نشر الجيش بقوة على الحدود لمنع إطلاق الصواريخ وحظر أنشطة حزب الله العسكرية. وعلى صعيد الضغط المالي المشروط، فقد تم تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي كان مقرراً في 5 آذار، مما يرسل رسالة واضحة بأن الدعم المالي الاستثنائي مرتبط باستمرار الدولة في تنفيذ القرارات وحصر السلاح بيدها فعلياً، وليس فقط على الورق.
  2. ورقة الضغط على الكيان الإسرائيلي مقابل «الضبط الداخلي»: وهو الدور الأكثر تعقيداً في محاولة اللجنة إدارة لعبة «الضغط المزدوج». فاستجابة للمطالب اللبنانية بوقف اعتداءات العدو الإسرائيلي وتوغلاته، تدخلت اللجنة بناءً على طلب الرئيس عون، ولكن مع التأكيد على أن المسار الدبلوماسي هو الملاذ الآمن. غير أن الشرط الخفي لهذا الضغط كان مشروطاً ضمنياً بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط الوضع الداخلي ووقف إطلاق الصواريخ من أراضيها. بمعنى أن على لبنان أن ينزع ذرائع الكيان الإسرائيلي أولاً، كي يكون الضغط الدبلوماسي ذا ثقل حقيقي.

الخيارات العسكرية المتاحة لحزب الله – معادلة صعبة

حزب الله اليوم ليس كما كان قبل أيام؛ فاغتيال خامنئي وقطع رأس المال الاستراتيجي، وضربات العدو الإسرائيلي المكثفة، وضعته أمام خيارات صعبة للغاية، خصوصاً مع صدور القرار الحكومي.

  1. السيناريو الأول يتمحور حول الاستمرار في الرد، وهو ما يُعد خياراً انتحارياً، وهو ما يحدث الآن؛ فالحزب يستمر في إطلاق الصواريخ والمسيرات ثأراً، متحدياً بذلك القرار الحكومي الذي يحظر نشاطه العسكري. والغاية هي محاولة إثبات أنه ما زال رأس حربة في مواجهة العدو الإسرائيلي، وأن قرار الحرب ما زال بيده، لكنه في المقابل يعطي الذريعة لهذا الكيان لمواصلة تدمير ما تبقى من بنيته التحتية وقدراته، ويضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة معه.
  2. السيناريو الثاني يعتمد على الامتثال للقرار الحكومي، وهو خيار الانكشاف. والمعضلة أنه إذا التزم الحزب بالقرار ووقف العمليات، فإنه بذلك يعترف بسلطة الدولة ويخضع لإرادتها، مما يمهد الطريق أمام الجيش اللبناني لتنفيذ خطة حصر السلاح ونزعه في شمال الليطاني، وهي بداية النهاية لوجود الحزب كدولة داخل الدولة. أما في الواقع، فتشير التحليلات إلى أن الإمرة العسكرية في الحزب لا تمر عبر قيادته السياسية المحلية، بل هي مرتبطة مباشرة بتوجيهات الحرس الثوري الإيراني. وإذا كانت إيران تريد استمرار الرد عبر لبنان، فلن يستطيع الحزب الامتثال للقرار اللبناني حتى لو أراد.
  3. السيناريو الثالث يقوم على الضبط الذاتي الانتقالي، ويكمن في الرهان على الوقت. ومن المرجح أن الحزب قد يحاول خفض وتيرة التصعيد مع الحفاظ على حالة مقاومة رمزية؛ فقد يوقف الصواريخ البعيدة المدى ويقتصر على عمليات محدودة جداً أو دفاعية. والهدف هو إعطاء مساحة للدبلوماسية للضغط على الكيان الإسرائيلي لوقف الهجمات، دون أن يظهر الحزب وكأنه يخضع للأمر الواقع. هذا السيناريو يحاول كسب الوقت لانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران نفسها، علّه يعيد ترتيب أوراقه.

خطة «درع الوطن»: هيكلية متعددة المراحل لفرض السيادة

خطة الجيش التي أقرتها الحكومة في آب 2025 تمثل خارطة طريق طموحة لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد القوات المسلحة حصراً. إنها ليست مجرد إجراء أمني عابر، بل هي استجابة للضغوط الدولية، وتتألف من خمس مراحل تدريجية صُممت لتفكيك المربعات الأمنية بحذر تجنباً لانفجار حرب داخلية:

  1. المرحلة الأولى: تم إنجازها في 8 كانون الثاني 2026، وقد ركزت على منطقة جنوب نهر الليطاني الممتدة 30 كلم حتى الحدود مع فلسطين المحتلة. أعلن الجيش تحقيق أهداف هذه المرحلة بشكل فعال وملموس، حيث تم توسيع الحضور العملياتي وبسط السيطرة على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته، باستثناء المواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي والنقاط الخمس المحتلة من قبله.
  2. المرحلة الثانية: وهي قيد التنفيذ منذ منتصف شباط المنصرم، وتشمل المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي، وتقع على بعد 40 كلم جنوب بيروت. وقد حددت الحكومة مهلة زمنية تتراوح بين أربعة إلى ثمانية أشهر لإنجاز هذه المرحلة، رهناً بتوفر الإمكانات ووقف الاعتداءات الإسرائيلية.
  3. المرحلة الثالثة: وتستهدف العاصمة بيروت وضواحيها، وهي المنطقة ذات الحساسية السياسية والأمنية العالية، باعتبارها مركز القرار.
  4. المرحلة الرابعة: وتشمل منطقة البقاع، وتهدف إلى بسط السيطرة على منطقة توصف بأنها معقدة أمنياً بسبب انتشار السلاح وشبكات التهريب.
  5. المرحلة الخامسة: وتشمل المناطق الشمالية وباقي لبنان، وهي المرحلة الختامية لضمان خضوع كل الأراضي اللبنانية لسلطة الدولة حصراً.

آلية التنفيذ الميداني: إجراءات استثنائية وتحديات وجودية

بعد قرار مجلس الوزراء في 2 آذار 2026 بالحظر الفوري لأي نشاط عسكري غير شرعي، دخلت الخطة مرحلة التنفيذ القسري على الأرض. فقد ابتدأت وحدات الجيش بتنفيذ إعادة تموضع لبعض النقاط الحدودية في قطاعات المسؤولية المحددة، مع تعزيز الانتشار في أكثر من 165 موقعاً في الجنوب. كما بدأت القوى الأمنية بتطبيق تدابير استثنائية، حيث تم ضبط 26 لبنانياً وفلسطيني واحد في عدة مناطق بتهمة حيازة أسلحة وذخائر بصورة غير قانونية.

كما يواصل الجيش التنسيق مع اليونيفيل ولجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) لوقف خروقات العدو الإسرائيلي. لكن التحدي الأكبر يكمن في استمرار هذا العدو في احتلاله لخمس نقاط رئيسية في الجنوب، مع مواصلة التوغل مطالباً بإخلاء 84 بلدة لفرض منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات، بينما يؤكد الجيش اللبناني أن هذه الاعتداءات تنعكس سلباً على إنجاز المهام.

العقبات التي تواجه تنفيذ الخطة

إن استمرارية تواجد جيش العدو الإسرائيلي في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية تعيق انتشار الجيش وتثبيت السيادة. كما أن تأجيل مؤتمر باريس لدعم الجيش (الذي كان مقرراً في 5 آذار) بسبب التصعيد الأخير يهدد قدرات الجيش اللوجستية ويبطئ وتيرة التنفيذ. ويُضاف إلى ذلك رفض قيادة حزب الله لقرار الحكومة، معتبرةً إياه خطيئة كبرى، ومحذرةً من أن نزع السلاح يحقق أهداف العدو الإسرائيلي.

آلية مراقبة وقف إطلاق النار: الهيكلية والتطور

مع بداية العام 2026 شهدت آلية «الميكانيزم» تطورات كبيرة على صعيد هيكليتها وطبيعة عملها:

  • في الهيكلية والأعضاء: تتكون الآلية من ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا واليونيفيل، وبرئاسة جنرال أميركي. ويمنح هذا التشكيل الآلية ثقلاً دولياً وإشرافاً مباشراً من الراعي الأساسي للاتفاق، أي الولايات المتحدة الأميركية.
  • تطور مستوى التمثيل: في أوائل العام 2026 حدث تطور جوهري عندما تم رفع مستوى التمثيل ليشمل مسؤولين مدنيين، مما أضاف بعداً سياسياً واقتصادياً للمناقشات التي كانت عسكرية بحتة.
    أما في 25 شباط 2026، فلم يُعقد الاجتماع الأول المباشر في الناقورة بحضور المدنيين من الجانبين كما كان متفقاً عليه، بل اقتصر على العسكريين، وذلك بسبب اعتراض العدو الإسرائيلي، المدعوم أميركياً، على تعيين السفير السابق سيمون كرم ممثلاً للجانب اللبناني، وقد تم استبعاده لاحقاً.
    كما أن الممثل المدني عن الجانب الإسرائيلي لم يحضر، ولم يتم الإفصاح عن هويته، إلا أن المعلومات المتوافرة تشير إلى أنه تم تعيين أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الإسرائيلي من قبل رئيس المجلس، بتكليف شخصي من بنيامين نتنياهو.
    ويشير هذا التطور إلى محاولة لوضع أسس لعلاقات مستقبلية قد تحكمها الإملاءات الإسرائيلية، وقد تحدث رئيس وزراء العدو عن هذا الأمر، مشيراً إلى استعداده لتقديم أي تعاون اقتصادي بين الكيان ولبنان.

دينامية العمل: الإنجازات والخلافات

تعمل الآلية في ظل تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الخروقات الإسرائيلية والخلاف حول الأولويات.

  • دينامية العمل والتحديات: تجتمع اللجنة بشكل دوري في الناقورة، لكنها تواجه مشكلة تعطيل متعمد للاجتماعات واتساع الفجوة بين أولويات الطرفين. فبينما يركز العدو الإسرائيلي على الجانب الأمني ومنع إعادة تسليح حزب الله، يصر الجانب اللبناني على ربط أي نقاش اقتصادي بعودة النازحين إلى قراهم وإعادة الإعمار.
  • الدعم الأميركي المشروط: لعبت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس دوراً محورياً في الضغط على لبنان لتنفيذ القرارات كما هي. ومع انتقال الملف إلى عهدة ميشال عيسى، السفير الأميركي في لبنان، إلا أن الدور الأميركي ما زال منحازاً لأمن العدو الإسرائيلي، كما أشارت مصادر لبنانية. ومع ذلك، يستمر التنسيق بين الجيش اللبناني واليونيفيل في محاولة لوقف الخروقات الإسرائيلية.

مستقبل اليونيفيل والدعم الأممي

مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل في نهاية عام 2026، يدخل الدعم الأممي مرحلة جديدة ومعقدة. فقد قرر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل مرة أخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ الانسحاب بعد ذلك. وقد بدأ هذا القرار يخلق هاجساً لبنانياً حقيقياً من احتمال حدوث فراغ أمني في الجنوب، مما دفع المسؤولين إلى البحث عن ترتيبات بديلة.

مقترحات لبنانية ومواقف دولية

  • مقترح «يو أن تي أس أو» (UNTSO): تقدمت وزارة الخارجية باقتراح لنقل مهام المراقبة والتوثيق إلى مراقبي «هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة» (يو أن تي أس أو) الموجودين أصلاً في لبنان، على أن يتولى الجيش اللبناني المسؤوليات التشغيلية الكاملة.
  • الدعم الألماني: أكد الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير أن بلاده ستبقى داعمة للبنان بعد انسحاب اليونيفيل، مع التركيز على تعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره «العمود الفقري للاستقرار».
  • الرفض الأميركي والإسرائيلي: لم تبدِ واشنطن استعداداً لدعم مقترح إنشاء قوة أوروبية مشتركة في الجنوب، كما يعارض العدو الإسرائيلي أي دور موسع لفرنسا على حدوده.
  • الدعم الحالي للجيش: حتى الآن، تواصل اليونيفيل دعم الجيش اللبناني عبر مساعدته على الانتشار في أكثر من 120 موقعاً في جنوب لبنان، من خلال الدوريات والتدريبات والتنسيق اليومي.

المقترح الألماني: دعم مؤسساتي لـ«عمود الاستقرار»

  • الهدف الاستراتيجي: تهدف ألمانيا إلى تعزيز «عمود الاستقرار» في لبنان، أي الجيش اللبناني، ليكون قادراً على تحمل المسؤولية الكاملة بعد انسحاب القوة الدولية. هذا الموقف يتماشى مع الرؤية الأميركية والدولية التي تضع الجيش اللبناني بديلاً طبيعياً ووحيداً.
  • آليات الدعم: الدعم الألماني لن يتوقف عند التصريحات، بل سيُترجم إلى خطوات عملية:
  1. التدريب وبناء القدرات: كشف شتاينماير أن البحرية الألمانية تدرب بالفعل القوات البحرية اللبنانية، خصوصاً في مجال تأمين الحدود البحرية ومنع تهريب الأسلحة. ويهدف هذا التدريب إلى تعزيز قدرات الجيش في مراقبة المياه الإقليمية، وهي مهمة كانت تؤديها القوات البحرية الألمانية ضمن اليونيفيل.
  2. دعم مؤسسي طويل الأمد: أكد الرئيس الألماني أن بلاده ستواصل التعاون مع لبنان في مجالات التنمية والتعاون الإنمائي، مشدداً على أن نهاية مهمة اليونيفيل ليست نهاية الدعم الألماني. وهذا يشير إلى تحول في شكل الدعم من دعم عسكري مباشر إلى دعم مؤسسي وتدريبي للجيش.

الضغوط الأميركية المباشرة: «الورقة» والتنفيذ القسري

بلغت الضغوط الأميركية ذروتها في الأسابيع الأخيرة، متجاوزة مرحلة التحذيرات إلى وضع أطر زمنية وآليات تنفيذ صارمة:

  • «الورقة الأميركية» كخارطة طريق: في منتصف آب 2025 سلّم المبعوث الأميركي توم براك الحكومة اللبنانية مذكرة شاملة تُعرف بـ«الورقة الأميركية». وتتضمن هذه الورقة جدولاً زمنياً وآلية تنفيذ مفصلة لنزع سلاح حزب الله، وصولاً إلى الإنهاء التدريجي للوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية، بما فيها حزب الله، في كافة الأراضي اللبنانية.
  • المقدمة الملزمة: وافقت الحكومة اللبنانية على «المقدمة» التي تضم 11 هدفاً، أبرزها نشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والمواقع الداخلية الأساسية، وانسحاب العدو الإسرائيلي من النقاط الخمس التي يحتلها. في المقابل، تقدم الورقة ضمانات أميركية وفرنسية لإعادة إعمار لبنان وتأمين الدعم الدولي.
  • الإحباط والتهديد: مع تصعيد آذار 2026، كشف مصدر أميركي لصحيفة «الشرق الأوسط» عن إحباط شديد في إدارة الرئيس ترامب من عدم قيام السلطات اللبنانية بتطبيق قراراتها على الأرض بشكل كافٍ. وقد تُرجم هذا الإحباط إلى:
  1. رسائل دعم لإسرائيل: أكدت الإدارة الأميركية حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات حزب الله. كما حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي على موافقة الرئيس الأميركي لتصعيد العمليات العسكرية والغارات ضد ناشطي الحزب في عمق الأراضي اللبنانية.
  2. ربط الدعم بالتنفيذ: كان تأجيل مؤتمر دعم الجيش، الذي كان مقرراً في باريس، بمثابة رسالة واضحة بأن الدعم المالي والعسكري مرتبط باستمرار الدولة في تنفيذ القرارات على أرض الواقع وحصر السلاح بيدها فعلياً، وليس فقط على الورق.
  3. الضغط على حزب الله: بالتزامن مع الضغط على الحكومة، تعمل الإدارة الأميركية على تضييق الخناق على الحزب مباشرة. فإضافة إلى التهديدات العسكرية الإسرائيلية، هناك تقارير عن مباحثات لوضع قيود مشددة على دخول الإيرانيين إلى لبنان وملاحقة عناصر الحرس الثوري. كما أن بعض النواب والحقوقيين تقدموا باقتراح إدراج الحزب كتنظيم خارج عن القانون، وبالتالي ملاحقة أمينه العام الحالي.

الخلاصة

دولياً، توفر الصين وروسيا غطاءً سياسياً لإيران، ولكن من دون تدخل عسكري، مما يبقي الصراع محدوداً.

أما لبنانياً، فلبنان أمام مفترق طرق مصيري: إما أن ينجح في فرض حالة من ضبط النفس تؤدي إلى وقف التصعيد، أو ينزلق إلى حرب أهلية جديدة ودمار شامل تحت عنوان «تغيير قواعد اللعبة» مع العدو الإسرائيلي.

الضغط يتصاعد؛ فاللجنة الخماسية تمارس سياسة العصا والجزرة مع لبنان: تدعمه سياسياً وتلوّح بالمساعدات مقابل تنفيذ أجندة نزع سلاح حزب الله. وقد بدأ الجيش اللبناني بتنفيذ قرار الحكومة عبر اتخاذ تدابير استثنائية لحفظ الأمن ومنع المظاهر المسلحة، حيث اعتقل 27 شخصاً لحيازتهم أسلحة وذخائر بطريقة غير قانونية. وفي المقابل، يجد الحزب نفسه عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: إما المواجهة وتدمير لبنان معه، أو الانصياع وفقدان أسباب قوته.

أصبح لبنان ساحة اختبار حاسمة لمدى قدرة التكتل الدولي على إعادة تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة. تمثل خطة «درع الوطن» اختباراً وجودياً للدولة اللبنانية، ونجاحها مرهون بمدى قدرتها على مواجهة التحديات واعتداءات الكيان الإسرائيلي من جهة، والإرادة السياسية الداخلية من جهة أخرى.

لا يزال «الميكانيزم» صامداً حتى الآن، لكنه هش؛ فالآلية لا تزال الملاذ الوحيد في غابة من المصالح المتضاربة، غير أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يضعف مصداقيتها. والضغط على الجيش مستمر، وهو ينفذ مهمته عبر توقيف المخالفين وضبط الحدود، لكنه يواجه تحدياً مزدوجاً: الخروقات الإسرائيلية من جهة، وتأخر المساعدات الدولية من جهة أخرى.

أما الرهان على المرحلة الانتقالية، فالأشهر التسعة المتبقية ستكون حاسمة دبلوماسياً للبنان لحشد دعم دولي لترتيبات أمنية لما بعد اليونيفيل، في ظل غياب بدائل واضحة.

ستشهد المرحلة المقبلة سباقاً مع الوقت لتثبيت السيادة اللبنانية قبل انسحاب القوة الدولية، وسط تعقيدات إقليمية كبرى.

تطرح ألمانيا تصوراً للحل؛ فالمقترح يعتمد رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية تتمثل في دعم مؤسساتي وتدريبي مكثف للجيش اللبناني لتمكينه من ملء الفراغ بعد انسحاب اليونيفيل، بينما تمارس الإدارة الأميركية الضغط من خلال «الورقة» والرسائل العلنية والخاصة لتنفيذ هذا السيناريو بأسرع وقت، مع إعطاء العدو الإسرائيلي ضوءاً أخضر محدوداً للتصعيد كأداة ضغط إضافية.

لبنان أمام سباق مع الزمن لتثبيت سيادته وتعزيز جيشه في ظل غطاء دولي مشروط وضغوط أميركية–إسرائيلية متصاعدة، بينما يلوح في الأفق موعد انسحاب القوة الدولية نهاية العام. فالمرحلة المقبلة عالية الحساسية مع استمرار التطورات الميدانية والسياسية.

الضمانات الدولية: دعم مشروط بمسار سياسي وإصلاحي

  • الضمانات الفرنسية: تتلخص في عقد مؤتمر دولي في باريس لإعادة الإعمار مقابل إصلاح شامل عبر إقرار التشريعات اللازمة لتنفيذ الإصلاح المالي والمصرفي، ونزع سلاح حزب الله، واحترام الهدنة، إلى جانب عقد مؤتمر لدعم الجيش.
  • الضمانات الأميركية: يتمثل الدور الأميركي المحوري في الضغط والمراقبة، ويتجلى ذلك في الإشراف على «الميكانيزم»، والضغط على الكيان الإسرائيلي (وهو ضغط يبقى مشروطاً بنزع سلاح حزب الله)، إضافة إلى «الورقة الأميركية».
مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.