الخليج على حافة التوازن: استراتيجية الضغط المتشعّب وحدود الانفجار الإقليمي

منذ اندلاع موجات التصعيد الإقليمي الأخيرة، لم تعد الضربات الصاروخية والمسيّرة مجرّد أدوات عسكرية معزولة، بل تحوّلت إلى لغة سياسية، تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، وتُعيد رسم حدود الردع والنفوذ في الخليج. وفي هذا السياق، يبرز استهداف الكويت، إلى جانب قطر والإمارات، كجزء من نمط أوسع لا يمكن فهمه بمعزل عن منطق الحرب المركّبة التي تخوضها إيران، حيث تتداخل الجغرافيا بالاقتصاد، والرمزية السياسية بالحسابات العسكرية، والضغط الإقليمي بالتأثير العالمي.

الكويت: بوابة جغرافية وذاكرة تاريخية ضاغطة

الكويت، بحكم موقعها الجغرافي الحساس عند رأس الخليج، تبدو في هذا المشهد كهدف يحمل أكثر من وظيفة. فهي ليست فقط دولة صغيرة محاطة بتوازنات كبرى، بل نقطة التقاء بين مسرح العمليات العراقي-الإيراني والخليج العربي، وممر حيوي للطاقة والتموين العسكري والاقتصادي. استهدافها لا يُقرأ فقط كضربة مباشرة (أو بالادعاء بالرد على مصادر التهديد لإيران) ، بل كرسالة مركّبة موجهة إلى كل من يعتمد على استقرار الخليج كمصدِّر للطاقة أو كقاعدة نفوذ. في الضربات التي طالت منشآتها النفطية ومجالها الجوي، يظهر بوضوح أن الهدف ليس فقط الإيذاء المادي، بل خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، بحيث يصبح أي استقرار في الإمدادات أو الأمن الإقليمي أمرًا هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة.

غير أن خصوصية الكويت لا تتوقف عند الجغرافيا أو الاقتصاد، بل تمتد إلى رمزيتها التاريخية. فهي الدولة التي شكّلت في مطلع التسعينيات نقطة تحوّل كبرى في النظام الدولي، عندما أدى غزوها إلى تعبئة عالمية غير مسبوقة. هذه الذاكرة لا تزال حاضرة في الوعي السياسي، ولذلك فإن استهداف الكويت اليوم يحمل في طياته مخاطرة مزدوجة: فمن جهة، قد يُنظر إليه كجزء من حرب أوسع يمكن احتواؤها، لكن من جهة أخرى، قد يعيد استحضار تلك اللحظة التي تحوّل فيها الاعتداء على دولة صغيرة إلى قضية دولية جامعة. وهنا يكمن التوتر في الحسابات الإيرانية: الاستفادة من الضغط دون الانزلاق إلى سيناريو تعبئة دولية شاملة (نظرية حافة الهاوية).

قطر: محور الطاقة وحدود الردع الاقتصادي

أما قطر، فإن موقعها في هذا المشهد يختلف في طبيعته، وإن تشابه في نتائجه. فهذه الدولة، رغم صغر مساحتها، تمثل عقدة مركزية في منظومة الطاقة العالمية، خصوصًا في مجال الغاز الطبيعي المسال. استهدافها لا يعني فقط ضرب دولة خليجية، بل المساس المباشر بأحد الأعمدة الأساسية لسوق الطاقة العالمي. وفي الوقت نفسه، تحتضن قطر بنية عسكرية دولية ذات أهمية كبيرة، ما يجعل أي ضربة لها محمّلة برسائل ردع تتجاوز الإطار الإقليمي. الضربات التي تطال منشآت الطاقة أو البنية التحتية في قطر تحمل طابعًا مختلفًا عن تلك التي تستهدف أهدافًا عسكرية بحتة؛ فهي أقرب إلى محاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك، بحيث يصبح الاقتصاد نفسه ساحة للصراع.

ومع ذلك، فإن قطر تتميز بقدرتها على المناورة السياسية والدبلوماسية، وهو ما يجعل استهدافها محفوفًا بمخاطر إضافية بالنسبة لإيران. فهي ليست فقط طرفًا في المعادلة الأمنية، بل وسيطًا محتملًا في العديد من الأزمات، ما يعني أن ضربها قد يؤدي إلى تقليص قنوات التهدئة بدل تعزيز الضغط. وهنا يظهر التناقض في الاستراتيجية: كيف يمكن استخدام القوة لإرسال رسالة، دون أن يؤدي ذلك إلى إغلاق الأبواب التي قد تكون ضرورية للخروج من التصعيد.

الإمارات: عقدة الاقتصاد العالمي وتدويل الصراع

أما الإمارات، فتقف في موقع مختلف تمامًا، حيث تمثل نموذجًا لدولة ترتكز قوتها على الاقتصاد العالمي المفتوح، والبنية التحتية المتقدمة، والدور التجاري والمالي العابر للحدود. بهذا المعنى فغن استهدافها يحمل دلالة خاصة، لأنه لا يضرب فقط منشآت محلية، بل يطال شبكة مترابطة من المصالح الدولية، من الموانئ إلى المطارات إلى الأسواق المالية. فأي اضطراب في الإمارات لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل سيمتد بسرعة إلى سلاسل الإمداد العالمية، والتجارة، والاستثمار.، وبالتالي سيصيب مصالح دول متعددة سواء منها الحليفة لإيران كروسيا والصين، أو حتى التي هي على تناقض معها لكنه أموالها وجدت ملاذا في صناديق الإمارات الائتمانية ومصارفها..

في هذا السياق، فإن الضربات التي تطال الإمارات تُقرأ كجزء من استراتيجية “تدويل الضغط”، أي نقل الصراع من نطاقه الإقليمي إلى فضاء أوسع، حيث يصبح لكل ضربة أثر يتجاوز الهدف المباشر. لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطرة عالية، لأن رد الفعل الدولي تجاه تهديد المراكز الاقتصادية الكبرى قد يكون أكثر حدة وتنظيمًا من الردود على ضربات ذات طابع عسكري محدود.

عند النظر إلى هذه الحالات الثلاث مجتمعة، يتضح أن الاستراتيجية الإيرانية، إن صح توصيفها بذلك، لا تقوم على استهداف دولة بعينها بقدر ما تقوم على توزيع الضغط عبر نقاط مختلفة في الخليج، بحيث تتكامل الآثار وتتعاظم. الكويت تمثل بوابة جغرافية ورمزًا تاريخيًا، قطر تمثل محورًا طاقويًا وعسكريًا، والإمارات تمثل عقدة اقتصادية عالمية. ضرب هذه الدول معًا، أو بالتناوب، يخلق شبكة من الأزمات المتداخلة، يصعب احتواؤها ضمن إطار واحد.

البحرين: التوازن الداخلي كساحة ضغط إضافية

عند توسيع زاوية النظر لتشمل البحرين وبقية الإمارات داخل الدولة الاتحادية، يتضح أن “خريطة الضغط” في الخليج تصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا، لأننا ننتقل من مجرد استهداف عقد طاقة واقتصاد، إلى ملامسة توازنات اجتماعية وسياسية دقيقة داخل بعض هذه الدول.

في حالة البحرين، فإن موقعها يتجاوز حجمها الجغرافي بكثير. فهي تقع في قلب الخليج، على مقربة شديدة من الساحل الإيراني، وتستضيف منشآت عسكرية ذات أهمية دولية، ما يجعلها هدفًا حساسًا من زاويتين: عسكرية وسياسية. لكن الأهم من ذلك أن البحرين تحمل خصوصية داخلية، حيث يشكل الشيعة نسبة كبيرة من السكان، في حين أن السلطة السياسية بيد النخبة الحاكمة السنية. هذه المعادلة جعلت البحرين تاريخيًا ساحةً لتوترات داخلية ذات أبعاد إقليمية، خصوصًا خلال أحداث 2011، حين تحولت الاحتجاجات إلى ملف إقليمي بامتياز. في هذا السياق، فإن أي ضغط خارجي على البحرين لا يُقرأ فقط كضربة ضد دولة، بل كاهتزاز محتمل في توازن داخلي حساس. ولذلك، فإن استهداف البحرين — سواء عسكريًا أو عبر التهديد — يحمل في طياته محاولة مضاعفة الأثر: الضغط على النظام السياسي من الخارج، وخلق حالة توتر داخلي قد تُستثمر سياسيًا أو إعلاميًا. لكن في المقابل، طورت البحرين، بدعم خليجي، أدوات قوية لضبط هذا التوازن، ما يجعل الرهان على “تفجير داخلي سريع” رهانًا غير مضمون. أول هذه الأدوات هو التكامل الأمني الداخلي.

لقد أعادت البحرين بناء أجهزتها الأمنية على أساس أعلى من التنسيق والجاهزية، مع تركيز كبير على الاستخبارات الوقائية، أي رصد التهديدات قبل تحوّلها إلى أحداث ميدانية. لم يعد التعامل مع الاضطرابات قائمًا فقط على رد الفعل، بل على الاستباق والتحليل الشبكي للحركات والتنظيمات. هذا يشمل مراقبة التمويل، الاتصالات، والتحركات الميدانية، مع قدرة أكبر على تفكيك أي بنى تنظيمية ناشئة بسرعة.

الأداة الثانية هي الدعم العسكري والأمني الخليجي المباشر، الذي تجسّد بوضوح في إطار قوة درع الجزيرة التابعة لـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية. هذا الدعم لم يكن مجرد تدخل ظرفي، بل تحوّل إلى مظلّة ردع إقليمية، تعني أن استقرار البحرين ليس شأنًا داخليًا فقط، بل جزء من أمن الخليج ككل. وجود هذا العمق الاستراتيجي يرفع كلفة أي محاولة لزعزعة الاستقرار، لأنه يوسّع دائرة المواجهة المحتملة.

الأداة الثالثة هي إعادة ضبط المجال السياسي. بعد تجربة الاحتجاجات، اتجهت الدولة إلى تقليص مساحة الحركات السياسية التي تُنظر إليها كقنوات تعبئة طائفية، مع إعادة تنظيم الحياة السياسية ضمن أطر أكثر ضبطًا. هذا لا يعني إلغاء السياسة، بل إعادة تشكيلها بحيث تكون أقل قابلية للتحول إلى صراع مفتوح. في الوقت نفسه، تم الحفاظ على قنوات محدودة للمشاركة، لكن ضمن سقوف واضحة.

الأداة الرابعة ذات طابع اقتصادي-اجتماعي، وتتمثل في سياسات الاحتواء عبر التنمية والخدمات. الدولة سعت إلى تقليل دوافع الاحتقان من خلال تحسين الخدمات، دعم الإسكان، وتوسيع فرص العمل، خصوصًا في المناطق التي شهدت توترات. الفكرة هنا أن الاستقرار لا يُبنى فقط بالأمن، بل أيضًا بتقليل الفوارق والشعور بالتهميش. كما أن الدعم المالي الخليجي لعب دورًا مهمًا في تمويل هذه السياسات، ما عزز قدرة الدولة على الاستجابة.

الأداة الخامسة هي إدارة الخطاب الإعلامي والرمزي. البحرين، مثل بقية دول الخليج، عملت على ضبط المجال الإعلامي لمنع تصاعد الخطاب الطائفي أو التحريضي، وفي المقابل تعزيز خطاب وطني جامع يركّز على الهوية المشتركة. هذا الجانب قد يبدو أقل “صلابة” من الأدوات الأمنية، لكنه مهم جدًا في بيئة يمكن أن تتأثر بسرعة بالاستقطاب.

الأداة السادسة هي التنسيق الإقليمي والدولي الأوسع. البحرين لا تتحرك بمعزل عن شركائها، بل ضمن شبكة علاقات تشمل دول الخليج وحلفاء دوليين. هذا يمنحها دعمًا سياسيًا وأمنيًا إضافيًا، ويجعل أي تهديد داخلي مرتبطًا بتوازنات أكبر، لا يمكن عزله بسهولة.

الإمارات الاتحادية: شبكة لا تُجزّأ

أما في الإمارات العربية المتحدة، فالصورة تختلف جذريًا. فالدولة الاتحادية ليست كتلة واحدة متجانسة فقط من حيث الاقتصاد، بل أيضًا من حيث البنية السياسية، حيث تتوزع الإمارات السبع ضمن نظام اتحادي متماسك، لكن لكل إمارة خصوصيتها الوظيفية. عندما نتحدث عن رأس الخيمة أو الفجيرة أو الشارقة، فإننا نتحدث عن أجزاء من شبكة اقتصادية ولوجستية متكاملة، لا عن كيانات منفصلة يمكن استهدافها بمعزل عن الكل.

رأس الخيمة، مثلًا، ليست مركزًا ماليًا كدبي، ولا عاصمة سياسية كأبوظبي، لكنها جزء من منظومة صناعية وموانئ وسلاسل إمداد. والفجيرة تمتلك أهمية خاصة لكونها منفذًا على بحر العرب خارج مضيق هرمز، ما يمنحها قيمة استراتيجية في حالات التوتر البحري. لذلك فإن أي تفكير في “تجزئة الأهداف” داخل الإمارات يصطدم بحقيقة أن التأثير ينتشر بسرعة داخل المنظومة كلها. ضربة في موقع واحد قد تُحدث ارتدادات في التجارة أو الشحن أو الاستثمار عبر الدولة بأكملها.

أما من حيث البعد الاجتماعي، فإن الإمارات تختلف عن البحرين في نقطة أساسية: التركيبة السكانية. فالأغلبية في الإمارات من الوافدين، في حين يشكل المواطنون نسبة أقل، والشيعة ضمن المواطنين أقلية محدودة نسبيًا مقارنة بالبحرين أو حتى السعودية في بعض مناطقها. هذا يجعل احتمال توظيف “العامل الطائفي” داخليًا أقل تأثيرًا في الإمارات، لأن البنية الاجتماعية لا تقوم على انقسام طائفي حاد يمكن استثماره بسهولة. ومع ذلك، فإن أي حديث عن الأقليات يجب أن يُفهم بحذر، لأن هذه الدول حساسة للغاية تجاه الاستقرار الداخلي، وقد طورت سياسات أمنية وإدارية تهدف إلى منع تسييس الانتماءات الدينية.

الأقليات الشيعية والرهان عليها

عند الانتقال إلى مسألة الأقليات الشيعية في الخليج بشكل عام، يظهر عنصر مهم في فهم الاستراتيجية الإقليمية. هذه الأقليات موجودة بنسب متفاوتة في السعودية (خصوصًا في المنطقة الشرقية)، وفي البحرين، وبشكل أقل في الكويت والإمارات. لكن تحويل هذا الوجود إلى أداة ضغط فعّالة ليس أمرًا تلقائيًا، كما قد يُتصور. فهذه المجتمعات ليست كتلًا سياسية موحّدة، بل متنوعة في مواقفها وانتماءاتها الوطنية، وغالبًا ما تُظهر ارتباطًا قويًا بالدولة التي تنتمي إليها، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن البعد الطائفي يبقى عنصرًا حاضرًا في الخطاب السياسي والإعلامي، ويُستخدم أحيانًا كأداة تعبئة أو ضغط. لكن التجارب السابقة أظهرت أن الدول الخليجية، خاصة بعد 2011، أصبحت أكثر خبرة في احتواء هذا العامل، سواء عبر سياسات أمنية أو عبر إدماج اقتصادي واجتماعي أوسع. لذلك فإن الرهان على “تفجير داخلي” عبر الأقليات يبقى محدود الفاعلية مقارنة بالرهان على الضغط العسكري أو الاقتصادي المباشر.

إذا جمعنا البحرين والإمارات وبقية دول الخليج ضمن الصورة الكبرى، نرى أن الاستراتيجية — إن صح وصفها — تقوم على تشبيك الضغوط: ضرب عقد الطاقة، تهديد الممرات، ملامسة التوازنات الداخلية، وإيصال رسالة بأن الاستقرار في الخليج كلٌ لا يتجزأ. لكن في المقابل، فإن هذه الدول لا تواجه هذا الضغط كجزر منفصلة، بل كمنظومة متكاملة، حيث يؤدي أي تهديد لإحداها إلى رفع مستوى التنسيق الأمني والسياسي بينها.

الموقف العُماني يبدو “ملتبسًا” فقط إذا قُرئ بمعايير الاصطفاف الحاد؛ أمّا إذا قُرئ ضمن تقاليد السياسة العُمانية، فهو في الواقع منسجم وثابت: حياد نشِط، توازن دقيق، وحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الجميع.

عُمان والدور الحيادي

في حالة سلطنة عمان، يرتكز السلوك السياسي على فكرة أساسية: تجنّب التحوّل إلى ساحة صراع أو منصة تصعيد، مع الحفاظ على دور الوسيط حين تتاح الفرصة. هذا ما يفسّر لماذا تبدو مسقط أقل اندفاعًا في الخطاب وأكثر ميلًا إلى التهدئة مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى.

أما بالنسبة لمضيق هرمز، الذي يشكّل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة، فإن موقع عُمان الجغرافي يمنحها وضعًا فريدًا، إذ تطل مباشرة على الضفة الجنوبية من مضيق هرمز. لذلك فإن أي حديث عن “احتلال” أو سيطرة عسكرية كاملة عليه — سواء من الولايات المتحدة أو غيرها — يُقرأ في عُمان كتهديد مباشر لسيادتها، وليس مجرد تطور إقليمي. ولهذا فإن موقفها يقوم على رفض عسكرة المضيق إلى أقصى حد ممكن، والدفع بدلًا من ذلك نحو إبقائه ممرًا مفتوحًا وآمنًا تحت قواعد الملاحة الدولية.

بالنسبة لفكرة أن إيران قد “تدخل إلى الساحل العُماني” إذا تصاعدت المواجهة، فهي أقرب إلى سيناريو افتراضي عالي الخطورة منه إلى استراتيجية واقعية معلنة. صحيح أن إيران تنظر إلى المضيق باعتباره جزءًا من مجالها الحيوي، لكن أي تحرك عسكري مباشر نحو الساحل العُماني سيعني فتح مواجهة واسعة ليس فقط مع عُمان، بل مع شبكة أوسع من الأطراف الدولية، وهو ما يجعل هذا الخيار شديد الكلفة. لذلك تميل طهران، تاريخيًا، إلى استخدام أدوات ضغط غير مباشرة في المضيق بدل المغامرة باشتباك مباشر مع الضفة المقابلة.

تمايز عُمان عن بقية دول الخليج لا يعني خروجها من المنظومة، بل اعتمادها أسلوبًا مختلفًا داخلها. فهي عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لكنها لا تتبنى دائمًا نفس درجة التصعيد أو نفس اللغة السياسية. هذا التمايز ليس ضعفًا، بل استراتيجية مقصودة تقوم على توزيع الأدوار: دول تضغط، وأخرى تحتفظ بقنوات الحوار. وفي أوقات الأزمات، تصبح هذه القنوات ذات قيمة عالية، لأنها قد تكون المسار الوحيد لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

باختصار، الموقف العُماني ليس ملتبسًا بقدر ما هو حذر ومقصود: رفض للتصعيد، تمسّك بسيادة المضيق، وحرص على البقاء في موقع يسمح لها بلعب دور الوسيط بدل أن تصبح طرفًا مباشرًا في الصراع.

في النهاية، يمكن القول إن إدخال البحرين وبقية الإمارات في التحليل لا يغيّر جوهر الصورة، بل يعمّقها: الخليج ليس مجرد مجموعة أهداف، بل شبكة معقدة من المصالح والبنى والتوازنات. واستهداف أي نقطة فيه — سواء كانت الكويت، أو قطر، أو الإمارات أو البحرين — لا يبقى محصورًا فيها، بل ينتشر عبر هذه الشبكة. أما البعد الطائفي، فرغم حضوره، فإنه لم يعد العامل الحاسم كما قد يبدو، بل أحد عناصر متعددة في معادلة أكبر، تتحدد نتائجها بميزان القوة، وبقدرة الدول على إدارة التوتر دون أن تنزلق إلى تفكك داخلي أو مواجهة شاملة.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بفعالية هذه الاستراتيجية، بل بعواقبها بعيدة المدى. التاريخ يقدم مثالًا واضحًا في حالة العراق، حيث أدى قرار غزو الكويت إلى سلسلة من الأحداث انتهت بسقوط النظام. غير أن استحضار هذا المثال يجب أن يتم بحذر، لأن السياق مختلف جذريًا. العراق آنذاك دخل في مواجهة مباشرة مع النظام الدولي عبر احتلال دولة ذات سيادة، في حين أن الوضع الحالي يتميز بتعقيد أكبر، حيث تتداخل الحروب بالوكالة، والضربات المحدودة، والتوازنات غير المستقرة.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين الحالتين يكمن في مفهوم “الخطأ الاستراتيجي المتراكم”. ليس بالضرورة أن يؤدي استهداف الكويت أو قطر أو الإمارات إلى سقوط فوري للنظام الذي يقوم به، لكن تراكم هذه الأفعال قد يخلق بيئة يصبح فيها هذا السقوط أكثر احتمالًا. فكل ضربة تضيف طبقة جديدة من العزلة، وكل اعتداء يوسّع دائرة الخصوم، وكل اضطراب اقتصادي يعمّق الضغوط الداخلية.

المملكة العربية السعودية كمركز ثقل حقيقي

إذا أُضيفت السعودية إلى هذا المشهد، فإن الصورة تكتمل بوصفها مركز الثقل الحقيقي في معادلة الخليج، لا فقط من حيث الحجم أو الموارد، بل من حيث قدرتها على ترجيح كفة التصعيد أو الاحتواء. فالسعودية ليست دولة ضمن المعادلة فحسب، بل هي الإطار الذي تُقاس عليه مواقف بقية دول مجلس التعاون، وهي في الوقت نفسه الهدف الأكثر حساسية لأي استراتيجية تسعى إلى الضغط على الخليج ككل.

استهداف السعودية، سواء بشكل مباشر أو عبر التهديد المستمر لمنشآتها النفطية وممراتها الحيوية، يحمل دلالة مختلفة عن استهداف بقية الدول. فالمملكة تمثل العمود الفقري لسوق النفط العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على الأسعار والاستقرار الاقتصادي الدولي. لكن الأهم من ذلك أن السعودية تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، خصوصًا منذ حرب اليمن، حيث واجهت على مدى سنوات هجمات صاروخية ومسيّرة متكررة. هذه الخبرة جعلت ردها أكثر حذرًا، ليس بسبب ضعف، بل نتيجة إدراك عميق لكلفة التصعيد المفتوح.

هنا يظهر البعد اليمني كعامل حاسم في فهم الموقف السعودي. فالحرب في اليمن لم تكن مجرد صراع حدودي، بل كانت مختبرًا حقيقيًا لحروب الاستنزاف غير المتكافئة. تعلّمت الرياض من تلك التجربة أن الرد العسكري المباشر لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد، بل قد يفتح جبهات أوسع ويستنزف الموارد على المدى الطويل. لذلك فإن موقفها الحالي، الذي يبدو في ظاهره حذرًا أو “كلاميًا”، هو في جوهره نتيجة حسابات دقيقة تسعى إلى تجنب تكرار سيناريو الاستنزاف.

كما أن السعودية، بخلاف بعض الأطراف الأخرى، تتحرك ضمن رؤية أوسع مرتبطة بتحولاتها الداخلية. فهي في مرحلة إعادة تشكيل اقتصادي واجتماعي عميق، وأي انزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد يهدد هذه التحولات. لذلك فإن ضبط النفس هنا ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها.

أما بالنسبة لدول مجلس التعاون ككل، فإن السؤال حول تدخلها الجماعي يظل معقدًا. نظريًا، هذه الدول ترتبط بمنظومة أمنية مشتركة، لكن عمليًا، لكل دولة حساباتها الخاصة، المرتبطة بجغرافيتها، واقتصادها، وعلاقاتها الدولية. الكويت، بحكم تجربتها التاريخية، تميل إلى تدويل الأزمة واللجوء إلى المؤسسات الدولية. قطر توازن بين موقعها كهدف وبين دورها كوسيط محتمل. الإمارات تنظر إلى التهديد من زاوية حماية بنيتها الاقتصادية العالمية. والسعودية تفكر بمنطق القيادة الإقليمية وتجنب الاستنزاف.

هذا التباين لا يعني غياب التنسيق، بل يعكس تعددية في أدوات المواجهة. فبدلًا من رد عسكري جماعي مباشر، نرى مزيجًا من التحركات الدبلوماسية، وتعزيز الدفاعات، والتنسيق الأمني غير المعلن. السبب في ذلك يعود إلى إدراك مشترك بأن أي رد عسكري موحد قد يؤدي إلى تصعيد شامل يصعب التحكم فيه، خصوصًا في ظل وجود قوى دولية منخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في المنطقة.

سيناريو التصعيد مع إيران: كلفة المواجهة المباشرة

السؤال الأهم هو: هل يمكن أن تتورط هذه الدول في مواجهة أوسع؟ الجواب نعم، لكن ليس بالضرورة عبر قرار مباشر، بل عبر “سلسلة تصعيد” تفرض نفسها تدريجيًا. في بيئة مشحونة بهذا الشكل، قد تتحول ضربة محدودة إلى مواجهة أوسع إذا تجاوزت خطوطًا معينة، سواء من حيث حجم الخسائر أو طبيعة الأهداف. وهنا تكمن الخطورة: ليس في القرار الواعي بالحرب، بل في الانزلاق غير المقصود إليها.

أما لماذا لا يزال الرد في معظمه كلاميًا أو محدودًا، فذلك يعود إلى عدة عوامل متداخلة. أولها أن هذه الدول تدرك أن إيران تعتمد في جزء من استراتيجيتها على جرّ خصومها إلى ردود فعل مباشرة يمكن استثمارها لتوسيع الصراع. وثانيها أن الرد العسكري التقليدي قد لا يكون فعالًا ضد نمط الهجمات غير المتكافئة. وثالثها أن هناك حسابات دولية، حيث تلعب القوى الكبرى دورًا في ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الكامل.

لكن هذا لا يعني أن “الكلام” هو كل ما يحدث. في الواقع، كثير من الردود يجري في مستويات غير مرئية: تعزيز الدفاعات الجوية، تبادل المعلومات الاستخبارية، إعادة تموضع القوات، والاستعداد لسيناريوهات متعددة. هذه التحركات قد لا تظهر في العلن، لكنها تشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجية الردع.

وإذا جمعنا حالات الكويت وقطر والإمارات والسعودية، نرى أن الخليج بأكمله يقف أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الرد على الضربات دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟ وكيف يمكن الحفاظ على الردع دون دفع الخصم إلى تصعيد أكبر؟ في هذه المعادلة، تلعب السعودية دور الميزان، ليس فقط لأنها الأقوى، بل لأنها الأكثر إدراكًا لكلفة الحرب الطويلة، والأكثر حرصًا على تجنبها ما لم تصبح حتمية.

وهنا يمكن القول إن الموقف الخليجي الحالي ليس تعبيرًا عن عجز، بل عن اختيار واعٍ لإدارة الصراع بدل الانفجار فيه. لكنه اختيار هش، يعتمد على استمرار التوازن الدقيق بين الردع وضبط النفس. وإذا اختل هذا التوازن، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام لحظة تشبه، في خطورتها، تلك اللحظات التي غيّرت مسارها في الماضي، وإن اختلفت تفاصيلها.

في النهاية، لا يمكن القول إن التاريخ يعيد نفسه، لكنه بالتأكيد يقدّم أنماطًا يمكن الاسترشاد بها. ما يحدث اليوم في الخليج لا يشبه تمامًا ما حدث في مطلع التسعينيات، لكنه يحمل بعض ملامحه: استخدام القوة لإعادة تشكيل الواقع، والرهان على أن الآخرين سيتكيفون مع هذا الواقع، والمخاطرة بأن يؤدي ذلك إلى رد فعل يتجاوز كل التوقعات. بين السعودية ،الكويت، وقطر، والإمارات، تتشكل لوحة معقدة لصراع لا يدور فقط حول الأرض أو السياسة، بل حول معنى الاستقرار نفسه في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيرًا.

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.