هل يمكن للغاز أن يحل محل البنزين في روسيا؟

يشهد قطاع وقود السيارات بالغاز الطبيعي في روسيا نموًا سريعًا في السنوات الأخيرة. فبين عامَي 2015 و2024 ارتفع استهلاك الغاز الطبيعي كوقود للسيارات من 0.5 مليار متر مكعب إلى 2.5 مليار متر مكعب، أي بزيادة خمسة أضعاف وبمعدل نمو سنوي يبلغ 20%. وعلى الرغم من أن هذا الرقم يمثل 0.5% فقط من إجمالي استهلاك الغاز في روسيا، فإن وقود السيارات بالغاز الطبيعي يشكل نحو 2% من إجمالي استهلاك الوقود في قطاع النقل البري الروسي. وتعمل حاليًا حوالي 400,000 مركبة في روسيا بالغاز الطبيعي، وهو ما يعادل 0.6% من الأسطول الوطني. كما تُظهر الدراسات زيادة ملحوظة في استخدام الحافلات التي تعمل بالغاز في المدن الروسية.

وعلى الرغم من النمو الكبير في روسيا، لا يُعد هذا الاستخدام الأكبر على مستوى العالم. ففي بعض الدول الأخرى، مثل إيران وأوزبكستان وأرمينيا، يُستخدم الغاز الطبيعي كوقود للسيارات على نطاق أوسع. ففي إيران يستخدم 32% من المركبات الغازَ الطبيعي كوقود، بينما تصل النسبة في أوزبكستان إلى 65%، وفي أرمينيا تبلغ 80%.

ومن المهم التفريق بين الغاز الطبيعي وغازات البترول المسال التي تشمل البروبان والبيوتان. وتُدرج غازات البترول المسال ضمن قطاع الغاز البترولي المسال في بعض الأحيان، لكن غالبًا ما يُعتبر الغاز الطبيعي أكثر فاعلية من حيث التكلفة والأثر البيئي مقارنةً بغازات البترول المسال، إذ يُنتَج الغاز الطبيعي عادةً بشكل مستقل عن النفط، ويُعد أكثر استدامة في استخدامه كوقود.

في هذه المقالة نركز على نوعين من الغاز الطبيعي المستخدم كوقود، وهما الغاز الطبيعي المضغوط والغاز الطبيعي المسال. ويُستخدم الغاز الطبيعي المضغوط غالبًا في سيارات الركاب، بينما يُستخدم الغاز الطبيعي المسال في المركبات الثقيلة مثل الحافلات والشاحنات، وأحيانًا في معدات التعدين والسفن. ولكل نوع استخداماته الخاصة وتحدياته التطبيقية، إذ يتطلب استخدام الغاز الطبيعي المسال إنشاء محطات صغيرة لتسييل الغاز وتوفير البنية التحتية اللازمة.

وتُعد محطات الغاز الطبيعي المسال عنصرًا حيويًا لتوسيع استخدام الغاز الطبيعي كوقود في روسيا. ففي عام 2025، من المتوقع أن يصل عدد المحطات الصغيرة للغاز الطبيعي المسال إلى 26 محطة، بطاقة إجمالية تبلغ 387 ألف طن. ويُعد هذا التطور خطوة مهمة في تعزيز البنية التحتية لقطاع الغاز في البلاد، ويسهم في تسهيل استخدام الغاز الطبيعي كوقود في قطاع النقل.

لقد أصبح تطوير قطاع الغاز الطبيعي في روسيا أمرًا ملحًا للغاية في السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من فائض الطاقة الإنتاجية في صناعة الغاز الروسية—حيث تم تصدير 223 مليار متر مكعب من الغاز عبر خطوط الأنابيب في عام 2018—فإن من المتوقع أن ينخفض هذا الرقم إلى 119 مليار متر مكعب في عام 2024. ويتيح هذا الانخفاض في الصادرات إمكانية توجيه جزء من الغاز للسوق الداخلي، مما يعزز من أهمية تحويله إلى وقود بديل، خاصة في قطاع النقل.

يُعدّ الغاز الطبيعي خيارًا اقتصاديًا وجوهريًا لتخفيف الضغط عن سوق البنزين في روسيا. إذ يعاني هذا السوق من ارتفاع مستمر في الأسعار، لا سيما في النصف الثاني من الصيف، إضافةً إلى العبء الضريبي المرتفع والمشكلات المرتبطة بالميزانية مثل ضريبة الإنتاج العكسية وآلية التخميد. ويمكن أن يُساهم التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كوقود في الحدّ من هذه المشكلات وتعزيز الاستقرار في أسواق الوقود.

ولضمان استقرار سوق الوقود في روسيا، طوّرت الحكومة آليات مالية عدة، أبرزها ضريبة الإنتاج العكسية وآلية التخميد، اللتان تقدّمان تعويضات لشركات النفط. وتهدف هذه الآليات إلى حماية قطاع تكرير النفط المحلي من تقلبات الأسعار العالمية، بما يسمح بتثبيت الأسعار محليًا. فعلى سبيل المثال، بلغت المدفوعات بموجب آلية التخميد في عام 2024 نحو 1.8 تريليون روبل، وهو مبلغ يقارب إجمالي المدفوعات المرتبطة بضريبة الإنتاج العكسية. وتعكس هذه الآليات جهود الحكومة الروسية لضمان استقرار السوق المحلي.

وعند مقارنة العبء الضريبي المفروض على الغاز الطبيعي والنفط في عام 2024، يتبيّن أن الغاز الطبيعي يُمثّل خيارًا أكثر توفيرًا. ففي حين بلغ العبء الضريبي على الغاز الطبيعي نحو 2500 روبل للطن، وصل العبء الضريبي على النفط إلى 11000 روبل للطن. وتشير هذه الفوارق إلى أن التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كوقود يمكن أن يخفف من التحديات التي يواجهها سوق البنزين، ويسهم في الحد من الضغوط المالية الواقعة على الشركات والمستهلكين.

المنتجات البترولية الرئيسية

وفقًا لمنهجية قياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المعتمدة بموجب الأمر رقم 371 الصادر عن وزارة الموارد الطبيعية الروسية في 29 يوليو 2022، يُعتبر استخدام الغاز الطبيعي كوقود في قطاع النقل ذا تأثير إيجابي كبير في تحقيق أهداف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في روسيا. وينسجم هذا التوجه مع المرسوم الرئاسي رقم 547 بتاريخ 6 أغسطس 2025، الذي يحدد أهداف الحدّ من الانبعاثات على مستوى البلاد. ويسهم الغاز الطبيعي في تحقيق هذه الأهداف، إضافةً إلى دعمه استراتيجية التنمية الاجتماعية والاقتصادية لروسيا التي ترتكز على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حتى عام 2050، وذلك بموجب الأمر الحكومي رقم 3052-ر الصادر في 29 أكتوبر 2021.

علاوةً على ذلك، سيُسهم الغاز الطبيعي في الحد من انبعاثات الملوثات في المدن التي تخضع هذه الانبعاثات فيها لحصص محددة، ضمن إطار مشروع “الهواء النظيف” الذي أطلقته الحكومة الروسية.

الغاز الطبيعي كوقود انتقالي

بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ الغاز الطبيعي المسال وقودًا بديلًا واقعيًا للمركبات الكهربائية ضمن مفهوم الغاز الطبيعي “كوقود انتقالي” في مسار التحول الطاقي. وتجدر الإشارة إلى أن تكلفة تحويل سيارة ركّاب للعمل بالغاز الطبيعي المسال في روسيا تُقدَّر بحوالي 120,000 روبل فقط، بينما تبقى المركبات الكهربائية أعلى سعرًا بعشرات النسب المئوية مقارنة بالمركبات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي في أوروبا والولايات المتحدة، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.

في إطار مفهوم تطوير سوق وقود الغاز في الاتحاد الروسي حتى عام 2035
في 29 أغسطس/آب 2025، وافقت الحكومة الروسية على مفهوم تطوير سوق وقود محركات الغاز حتى عام 2035 (الأمر الحكومي رقم 2366)، والذي يُعد امتدادًا لعدد من الاستراتيجيات السابقة. ورغم أن بعض أهداف البرنامج لم تتحقق بالكامل، فقد أُنجز 93% من هدف استهلاك الغاز كوقود للسيارات في عام 2024، و92% من أهداف إنشاء محطات الوقود، إضافة إلى تحقيق 68% من هدف إنتاج المركبات العاملة بالغاز. كما تُواصل شركة “غازبروم” دعم استهلاك هذا الوقود.

ويتضمّن التصوّر المستقبلي لتطوير قطاع الغاز توجّهات جديدة تشمل ستة قطاعات رئيسية لاستهلاك الغاز الطبيعي: المركبات، النقل المائي، النقل بالسكك الحديدية، الآلات الزراعية، آلات المحاجر، والآلات البلدية. ومن المتوقع أن تظل المركبات الآلية مسؤولة عن 85% من الاستهلاك حتى عام 2035 وفق السيناريو الأساسي.

التحديات الحالية في القطاعات الأخرى
على الرغم من أن استهلاك الغاز الطبيعي خارج قطاع المركبات الآلية لا يزال محدودًا للغاية، إلا أن هناك تقدمًا ملحوظًا في بعض الصناعات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يوجد في روسيا حاليًا 15 سفينة فقط تعمل بالغاز الطبيعي المسال وفقًا لمفهوم تطوير سوق الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2035. كما أن استخدام القاطرات والآلات الزراعية العاملة بالغاز الطبيعي المسال لا يزال في مراحل تجريبية وتطويرية، ويتطلب مزيدًا من الاستثمار في البنية التحتية والتقنيات اللازمة لجعل هذه التطبيقات أكثر انتشارًا. ويعكس هذا التحدي الحاجة إلى تعزيز الدعم الحكومي وتوسيع دور القطاع الخاص لتحفيز الابتكار وتحقيق انتقال فعّال نحو استخدام الغاز الطبيعي في هذه القطاعات.

خارطة الطريق لتطوير سوق الغاز الطبيعي
يتضمن مفهوم تطوير سوق وقود الغاز الطبيعي مجموعة واسعة من التدابير والإجراءات الهادفة إلى تعزيز استخدام الغاز الطبيعي في مختلف القطاعات. وتشمل هذه التدابير 71 نقطة رئيسية، رغم أن صياغة العديد منها ما تزال فضفاضة، من قبيل “إعداد المقترحات” أو “بحث المسألة”، ما يجعل مستوى تنفيذها غير مؤكد. ومع ذلك، تضم الخطة إجراءات واضحة لتسريع عملية التحول، ومنها:

  1. تعديلات على شروط برامج الدعم الحالية
    وتشمل دعم مصنّعي المعدات التي تعمل بالغاز، ودعم البنية التحتية لتزويد المركبات بالوقود، وبرامج تحويل المركبات للعمل بالغاز. ومن الأمثلة على ذلك: قرار حكومة الاتحاد الروسي رقم 669 الصادر في 13 مايو/أيار 2020 لدعم مصنعي المعدات، وقرار الحكومة رقم 1641 بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول 2019 لدعم البنية التحتية لتزويد الوقود بالغاز الطبيعي.
  2. تقديم دعم جديد
    ويشمل دعم مصنعي المعدات العاملة بالغاز الطبيعي، والآلات الزراعية التي تعمل بالغاز، إضافة إلى توفير قروض مدعومة لشراء المعدات أو لتحويل المركبات للعمل بالغاز. كما يجري بحث تخصيص دعم إضافي للسلطات الإقليمية لشراء الحافلات والمعدات البلدية وبناء الطرق.
  3. التمويل المشترك
    يهدف إلى دعم مشاريع البحث والتطوير وتوسيع استخدام وقود الغاز الطبيعي في مختلف القطاعات من خلال آليات التمويل المشترك بين الحكومة والشركات الخاصة. ويتضمن ذلك تقديم منح وقروض لتمويل الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة التي تزيد من كفاءة استخدام الغاز الطبيعي كوقود.

إذن، تُظهر السياسات الحكومية الروسية والاتجاهات العالمية أن الغاز الطبيعي يُمثّل خيارًا حيويًا كبديل للبنزين في المستقبل. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها هذا القطاع، فإن هناك استراتيجيات وخططًا متكاملة تهدف إلى تسريع استخدام الغاز الطبيعي في السيارات والمركبات الثقيلة، فضلًا عن القطاعات الأخرى مثل النقل البحري والزراعي. وتتطلب هذه الخطط استثمارات كبيرة في البنية التحتية وتكنولوجيا الوقود، بالإضافة إلى تعزيز التشريعات التي تدعم الانتقال إلى مصادر طاقة أنظف وأكثر استدامة.

إن التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كوقود في روسيا يشير إلى بداية تحوّل تدريجي نحو مصادر طاقة أكثر مراعاة للبيئة، وقد يسهم في تقليل الانبعاثات الحرارية وتحقيق الأهداف المناخية المحددة في استراتيجيات التنمية طويلة الأمد. ومن خلال تعزيز الابتكار وتطوير السياسات المالية والتشجيعية، يمكن للغاز الطبيعي أن يصبح خيارًا رئيسيًا لتلبية احتياجات قطاع النقل الروسي والعالمي على حد سواء، بما يعزز الاستدامة البيئية والاقتصادية على المدى الطويل.

مقالات الكاتب

د. خالد العزي

كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.