هل يستطيع أهورا مازدا التفوق على يهوا؟

البعد التاريخي والديني للحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية ـ الأميركية

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرّد مواجهة عسكرية بين دول تتصارع على النفوذ أو الحدود أو المصالح الاستراتيجية. فخلف الصواريخ والطائرات المسيّرة وحروب الاستخبارات، تقف ذاكرة دينية عميقة تعود إلى آلاف السنين، حيث لا تزال رموز الشرق القديم حيّة في الوعي السياسي المعاصر. ومن هنا يظهر السؤال الذي يبدو لاهوتيًا في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال حضاري وتاريخي: هل يستطيع «يهوه» أن ينتصر على «أهورا مازدا»؟ وهل توجد أصلًا نهاية حاسمة في هذا النوع من الصراعات؟

بطبيعة الحال، لا يمكن فهم السؤال بصورة حرفية، لأنَّ الدولة الإيرانية المعاصرة ليست دولة زرادشتية تحكم باسم أهورا مازدا، بل جمهورية إسلامية شيعية تستند إلى أيديولوجيا دينية وسياسية مختلفة جذريًا عن إيران الأخمينية أو الساسانية. كما أنَّ إسرائيل الحديثة ليست استمرارًا حرفيًا لمملكة يهوه التوراتية القديمة، بل دولة قومية حديثة تستخدم الرموز التوراتية في بناء هويتها السياسية والقومية. لذلك فإنَّ المقارنة هنا ليست مقارنة دينية مباشرة بين إلهين، بل بين مشروعين تاريخيين يستحضران الذاكرة المقدسة لتبرير الصراع السياسي المعاصر.

في الحضارات القديمة، لم تكن الحروب تُفهم بوصفها نزاعات بشرية فقط، بل باعتبارها اختبارات لقوة الآلهة نفسها. كان انتصار الشعب يعني انتصار الإله الذي يحميه، بينما كانت الهزيمة تُفسَّر على أنها غضب الإله أو ضعفه أو تخليه عن شعبه. لذلك ارتبطت الإمبراطوريات الكبرى بآلهتها المركزية؛ فالآشوريون ربطوا توسعهم العسكري بالإله آشور، والبابليون بمردوخ، والفرس بأهورا مازدا، فيما ربط بنو إسرائيل وجودهم التاريخي والعسكري بإرادة يهوه وعهده مع الشعب المختار.

لكن التاريخ نفسه كشف هشاشة هذه المعادلة. فالإمبراطوريات التي اعتقدت أنَّ آلهتها منحتها تفويضًا أبديًا سقطت الواحدة تلو الأخرى. سقطت آشور رغم جبروتها العسكري، وانهارت بابل التي بدت يومًا مركز العالم القديم، وانتهت الإمبراطورية الساسانية الفارسية، ثم روما، وبعدها إمبراطوريات حديثة مثل الرايخ الثالث والاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، لم تختفِ الرموز الدينية المرتبطة بهذه الكيانات، بل استمرت حيّة داخل الذاكرة الجماعية والثقافة والأساطير السياسية.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الصراع الحالي. فإيران المعاصرة، وإن كانت إسلامية شيعية، ما تزال تحمل في عمقها صورة فارس التاريخية بوصفها قوة حضارية كبرى في الشرق. أما إسرائيل، فترى نفسها امتدادًا تاريخيًا ورمزيًا لإسرائيل التوراتية، وتستند في جزء من خطابها السياسي والثقافي إلى فكرة العودة التاريخية للشعب اليهودي إلى «أرض الميعاد». وهكذا يتحول النزاع السياسي إلى صدام بين سرديتين تاريخيتين، كل منهما تستدعي الماضي المقدس لتعزيز شرعيتها في الحاضر.

لفهم البعد التاريخي والديني العميق للصراع الإيراني ـ الإسرائيلي المعاصر، لا يكفي النظر إلى السياسة الراهنة أو التوازنات العسكرية فقط، بل يجب العودة إلى الجذور الحضارية والرمزية التي تشكّلت في الشرق القديم. فخلف هذا الصدام الحديث تقف ذاكرتان دينيتان كبريان: الذاكرة الإيرانية المرتبطة بأهورا مازدا، والذاكرة العبرية المرتبطة بيهوه. وهما ليسا مجرد اسمين دينيين، بل تعبيران عن رؤيتين للتاريخ والسلطة والخلاص والهوية.

من أهورا مازدا إلى يهوه: حين التقت فارس التوحيد بإسرائيل التوراتية

أهورا مازدا هو الإله الأعلى في الديانة الزرادشتية الفارسية القديمة، ويعني اسمه «الرب الحكيم» أو «السيد الحكيم». وقد شكّل مركز العقيدة الإيرانية منذ تعاليم زرادشت، حيث ارتبط بفكرة النظام الكوني والأخلاقي، وبالصراع الأبدي بين النور والظلام، والخير والشر. ولم يكن أهورا مازدا مجرد إله تعبدي، بل أصبح أساس الشرعية السياسية للإمبراطوريات الفارسية الكبرى، خصوصًا الأخمينية والساسانية، إذ كان الملوك الفرس يعلنون أن حكمهم يتم بتفويض إلهي منه. وقد قدّم داريوس الأول نفسه بوصفه الملك الذي اختاره أهورا مازدا لحماية النظام والعدالة وإقامة الاستقرار في العالم.

في المقابل، ارتبط يهوه في اليهودية القديمة بالعهد الإلهي مع بني إسرائيل، وبفكرة الشعب المختار والتاريخ المقدّس. فالتاريخ في الفكر التوراتي لا يتحرك عشوائيًا، بل ضمن خطة إلهية ترتبط ببقاء إسرائيل واستعادتها للقوة والسيادة. ومن هنا ظهرت مفاهيم الوعد بالأرض والخلاص القومي وإقامة مملكة إسرائيل، باعتبارها جزءًا من الإرادة الإلهية التي يقودها يهوه داخل التاريخ.

المفارقة التاريخية اللافتة أنَّ العلاقة بين إيران القديمة واليهود لم تكن دائمًا علاقة عداء. فالملك الفارسي قورش الكبير، الذي أسقط بابل سنة 539 ق.م، يُعتبر في الذاكرة اليهودية شخصية إيجابية استثنائية، لأنه سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي وأعاد لهم حرية العبادة وإعادة بناء الهيكل في القدس. حتى إنَّ النصوص التوراتية قدَّمته باعتباره أداة لتحقيق مشيئة يهوه. وهذا يعني أنَّ فارس القديمة لم تكن نقيضًا مطلقًا لإسرائيل التوراتية، بل لعبت دورًا محوريًا في إنقاذ اليهودية بعد إحدى أخطر أزماتها التاريخية.

إلا أنَّ التحولات الحديثة، خصوصًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، أعادت تشكيل العلاقة بالكامل. فقد تحولت إيران من حليف استراتيجي لإسرائيل في عهد الشاه إلى خصم عقائدي يرفع شعار مواجهة «المشروع الصهيوني» و«الهيمنة الأميركية». وفي المقابل، بدأت إسرائيل ترى في إيران تهديدًا وجوديًا طويل الأمد، ليس فقط بسبب البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل بسبب البعد الأيديولوجي الذي يمنح الصراع طابعًا مفتوحًا وغير قابل للحسم بسهولة.

ومع تصاعد هذا التوتر، بدأت الحرب تكتسب أبعادًا شبه ميثولوجية. ففي بعض الخطابات الإيرانية الراديكالية، تُقدَّم إيران باعتبارها رأس «محور المقاومة» وحاملة مشروع العدالة في مواجهة الغرب. وفي المقابل، تنظر تيارات دينية قومية داخل إسرائيل إلى الصراع بوصفه معركة بقاء للشعب اليهودي وتحقيقًا لمسار تاريخي مقدس مرتبط بالوعد الإلهي. كما أنَّ بعض التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة تضفي بدورها بُعدًا أخرويًا على الصراع، إذ ترى في حماية إسرائيل جزءًا من نبوءات دينية مرتبطة بنهاية التاريخ.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل يوجد منتصر حقيقي في مثل هذه الحروب؟

التاريخ يشير إلى أنَّ الحروب ذات الطابع العقائدي نادرًا ما تُنتج انتصارًا نهائيًا. فالحروب الصليبية لم تُنهِ الإسلام، ولم يُنهِ المسلمون المسيحية الشرقية. والحرب الباردة أسقطت الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تُنهِ الصراعات الأيديولوجية. وحتى القوى العظمى الحديثة التي بدت في لحظة ما قادرة على فرض سيطرة مطلقة، اكتشفت لاحقًا حدود القوة العسكرية عندما تواجه هويات دينية أو حضارية عميقة.

لهذا فإنَّ الحديث عن «انتصار يهوه» أو «انتصار أهورا مازدا» لا يمكن فهمه كحقيقة تاريخية قابلة للقياس، بل بوصفه تعبيرًا رمزيًا عن رغبة كل طرف في إثبات شرعيته التاريخية والأخلاقية. فالأديان لا تتحارب بنفسها، بل البشر هم الذين يوظفون الرموز الدينية داخل صراعاتهم السياسية والقومية.

وربما تكمن المأساة الكبرى في أنَّ كل طرف يعتقد أنَّه يخوض معركة وجودية مقدسة، الأمر الذي يجعل التسوية أكثر صعوبة. فعندما تتحول الحرب إلى صراع بين «الخير المطلق» و«الشر المطلق»، يصبح التراجع خيانة، والتسوية ضعفًا، والحل السياسي شبه مستحيل. وهنا بالضبط يتحول الدين من عنصر روحي إلى وقود تاريخي للحروب الطويلة.

وهنا تتجلى مفارقة تاريخية عميقة: إيران الزرادشتية القديمة لم تكن عدوًّا وجوديًا لليهود، بل كانت في مراحل معينة أكثر تسامحًا معهم من إمبراطوريات عديدة أخرى. بل إن بعض الباحثين يرى أنَّ مرحلة السبي البابلي وما تلاها من احتكاك بالحضارة الإيرانية أثّرت في تطور الفكر اليهودي نفسه، خصوصًا في القضايا المرتبطة بثنائية الخير والشر، والملائكة والشياطين، والقيامة، والحساب الأخروي، ونهاية العالم.

وهكذا، فإنَّ الصراع الذي يبدو اليوم صدامًا مطلقًا بين إيران وإسرائيل، يخفي في داخله تاريخًا أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما توحي به السياسة المعاصرة. فبين أهورا مازدا ويهوه لم يكن هناك دائمًا صراع وجودي، بل كانت هناك لحظة تاريخية التقت فيها فارس التوحيد بإسرائيل التوراتية، قبل أن تعيد التحولات السياسية والعقائدية الحديثة رسم صورة العداء الحالي.

من التحالف إلى العداء: كيف تحوّل البعد الإيراني ـ اليهودي إلى صراع وجودي؟

مع مرور الزمن، اكتسب هذا الصراع أبعادًا رمزية وميتافيزيقية متزايدة. ففي الخطاب الإيراني، تُقدَّم الجمهورية الإسلامية أحيانًا بوصفها «محور المستضعفين» في مواجهة الهيمنة الغربية، والقوة التي تحمل مشروع العدالة الإلهية في عالم يسيطر عليه الظلم والاستكبار. وفي بعض القراءات الشيعية الراديكالية، يرتبط الصراع مع إسرائيل والغرب بفكرة التمهيد لظهور المهدي، ما يمنح المواجهة طابعًا يتجاوز السياسة إلى الرؤية الأخروية للتاريخ.

إذن لم يكن التحول في العلاقة بين إيران وإسرائيل تحولًا دينيًا في بدايته، بل بدأ بوصفه انقلابًا سياسيًا وجيوسياسيًا عميقًا غيّر توازنات الشرق الأوسط بالكامل. ففي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران واحدة من أقرب حلفاء إسرائيل في المنطقة، إذ جمع الطرفين تحالف غير معلن قائم على المصالح الاستراتيجية المشتركة والخوف من المدّ القومي العربي والاتحاد السوفياتي. لكن الثورة الإسلامية عام 1979 قلبت المشهد رأسًا على عقب، وحوّلت إيران من شريك إقليمي لإسرائيل إلى خصم عقائدي يرفع شعار المواجهة المفتوحة مع “المشروع الصهيوني”

منذ اللحظة الأولى، تبنّت الجمهورية الإسلامية خطاب «تحرير القدس»، وقدّمت إسرائيل باعتبارها امتدادًا للنفوذ الأميركي والغربي في قلب الشرق الأوسط. وهكذا انتقل الصراع تدريجيًا من مستوى التنافس السياسي إلى مستوى الصدام الأيديولوجي، حيث بدأت كل جهة ترى الأخرى ليس مجرد خصم استراتيجي، بل تهديدًا يمسّ هويتها ورسالتها التاريخية.

في المقابل، يتعامل جزء من الخطاب الإسرائيلي الديني القومي مع الصراع بوصفه معركة وجود للشعب اليهودي، واستمرارًا لسلسلة طويلة من الحروب التوراتية ضد القوى التي تهدد «إسرائيل التاريخية». ومن هنا تتحول إيران، في بعض التصورات الإسرائيلية، إلى رمز للخطر الوجودي الذي يهدد بقاء الدولة اليهودية نفسها، لا مجرد خصم سياسي يمكن التوصل معه إلى تسوية مؤقتة.

وهكذا، لم يعد النزاع يُقدَّم فقط باعتباره صراع مصالح أو نفوذ، بل صار يُصاغ بلغة كبرى تقوم على ثنائيات حادة: النور في مواجهة الظلام، والخلاص في مواجهة الفناء، والتاريخ المقدس في مواجهة العدو الوجودي. وعندما يصل الصراع إلى هذه المرحلة، يصبح أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف لا تعود تتقاتل على حدود أو موارد فحسب، بل على معنى التاريخ نفسه.

ورغم أنَّ الحديث عن مواجهة بين «أهورا مازدا» و«يهوه» لا يمكن أخذه حرفيًا من الناحية التاريخية أو الدينية، فإنَّ الحرب الحالية تحمل بالفعل أبعادًا رمزية وحضارية تعيد إحياء ذاكرة الشرق القديم داخل الصراعات الحديثة. فإيران المعاصرة، رغم طابعها الإسلامي الشيعي، ما تزال ترى نفسها وريثة فارس التاريخية، بكل ما تمثله من عمق حضاري وإمبراطوري. أما إسرائيل، فترى نفسها وريثة إسرائيل التوراتية التي عادت إلى التاريخ بعد قرون طويلة من الشتات.

الشرق القديم يعود من جديد

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سينتصر؟ بل: ماذا سيبقى بعد كل هذا الخراب؟ فالإمبراطوريات تزول، والتحالفات تتغير، والقوى العسكرية تصعد وتهبط، لكن الذاكرة الدينية تبقى، وتستمر في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة. ولذلك يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنَّه يعيش عودة التاريخ القديم بأدوات حديثة؛ صواريخ معاصرة تحمل في داخلها أساطير عمرها آلاف السنين.

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.