ماذا بعد سقوط العمامة السوداء في إيران؟

لم تكن مفاجئة الهجمات العسكرية المشتركة التي فتحها الإسرائيليون وحليفهم التقليدي، واشنطن، على جبهة إيران. فزمن الحرب على طهران جرى التحضير له قبل ذلك بكثير، تحت غطاء طاولة التفاوض والمسارات السياسية في عُمان وجنيف، وهي مسارات لم تنقذ النظام الإيراني من لحظة السقوط المنتظرة.

في ظلّ المعطيات الجديدة في المشهد الإيراني، سقطت عمامة المرشد الإيراني علي روح الله الخامنئي، رمز النظام وقوته، والذي أدار في الظل الدولة الإيرانية لأكثر من ثلاثة عقود، في استهداف مباشر لنظام ولاية الفقيه، بوصفه نافذة لتفكيك النظام عبر ضرب بنيته العقائدية والعسكرية، وإعادة رسم قواعد اللعبة الإقليمية وفق ضابط الإيقاع الأميركي.

مع صباح اليوم التالي في طهران، تغيّرت الحسابات والتفاهمات في المنطقة، وامتدت نيران المعارك من الداخل الإيراني إلى محيطه. فالإيرانيون لم يكتفوا باستهداف الخصم الإسرائيلي، إذ وجّهوا صواريخهم إلى دول خليجية أُدرجت ضمن بنك أهدافهم، في تطور لافت لتوسيع رقعة الحرب، يضع المنطقة برمّتها أمام واقع جديد، بعد مقتل المرشد الثاني علي خامنئي واستهداف قيادات أخرى.

خطوط ترامب الحمراء

نجا نظام خامنئي مراراً من «لحظة السقوط»، على الرغم من ارتدادات الشارع وضغوط الخارج، إلا أن النظام اصطدم هذه المرة بـ«سياسة ترامبية» صارمة ترفض تجاوز الخطوط الحمراء. وهو ما يُفهم من تقديم دونالد ترامب للعملية العسكرية الجارية في إيران بوصفها رداً على «عداء إيراني تاريخي» تجاه الولايات المتحدة، مستحضراً أحداثاً تعود إلى عام 1979، وتفجير بيروت عام 1983 الذي أودى بحياة 241 عسكرياً أميركياً، معتبراً أن خامنئي كان «أحد أكثر الشخصيات شراً في التاريخ»، وفق تقديره.

خطاب ترامب، في الساعات الأولى للحرب، والموجّه إلى قاعدته السياسية، برّر فيه شن هذه العملية العسكرية بالدفاع عن الشعب الأميركي، من خلال القضاء على التهديدات الصادرة عن النظام الإيراني، وقطع الطريق أمام أذرع إيران العابرة للحدود من العبث بأمن المنطقة أو تهديد وجود القوات الأميركية.

مما لا شك فيه أن سيد البيت الأبيض استفاد من موجة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في شوارع طهران، رغم فشلها في إسقاط النظام، ربما بفعل تعقيدات المشهد الإيراني وطبيعة نظامه السياسي المختلف، القائم على طابع أيديولوجي. وقد بقي التكهن بمصير النظام غامضاً في اختبار ميزان قاعدته الشعبية، إذ إن موجة ما سمّاها البعض «الانتفاضة الشعبية» خدعت واشنطن ومن خلفها العواصم الغربية، باعتقادها أن النظام يتهاوى ويعيش أيامه الأخيرة.

بعد ذلك، لم يبقَ أمام الرئيس الأميركي سوى الضغط على زر «ساعة الصفر»، والانتقال إلى وصفته التقليدية بقطع رأس النظام، عبر تكرار سيناريو فنزويلا، وتطبيقه هذه المرة ليس بهدف تأديب إيران التي تلوّح بورقة «الابتزاز النووي»، بل لقلب النظام الإيراني وخوض ما أسماه ترامب «معركة الوجود». وهي مغامرة قد تجرّ خلفها أعظم قوة اقتصادية في العالم إلى حرب لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

جاء الانهيار السريع للنظام الإيراني، بمقتل صاحب العمامة السوداء في أول أيام الحرب، ليحوّل سماء المنطقة إلى ساحة تبادل للصواريخ والطائرات المسيّرة، في مواجهة غير مسبوقة تنذر بتصعيد خطير، مع إعلان إيران «حرباً ممتدة» بلا حدود أو سقوف، معتمدة بشكل رئيسي على قوتها الصاروخية البالستية في الرد على أي هجوم خارجي، برصيد يُقدّر بنحو 2000 إلى 3000 صاروخ باليستي متوسط المدى، و6000 إلى 8000 منظومة قصيرة المدى، إضافة إلى آلاف الطائرات المسيّرة.

تعيد السردية الإسرائيلية إنتاج ما تزعمه رواية الإدارة الأميركية، بأن عملية «زئير الأسد» تهدف إلى إزالة التهديد الوجودي للنظام الإيراني، بوصفه نظاماً يهدد إسرائيل والولايات المتحدة بالموت، وأن عدم تحركهما سوياً سيؤدي إلى نشوء «إيران نووية».

من المرشد الثالث؟

لم يمر وقت طويل على إقفال صفحة خامنئي، «أقوى رجل في إيران» ومهندس ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، حتى بدأ مسار الخلافة وترتيب انتقال السلطة إلى منصب «المرشد الثالث»، الذي يُنظر إليه باعتباره قمة الهرم السياسي والديني في إيران لقيادة المرحلة الجديدة في البلاد.

وعلى خلاف الأنظمة السياسية الأخرى، تسيطر النخب الدينية على هيئات نافذة في النظام السياسي. وبحسب دستور البلاد، تعود الخطوة التالية إلى مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 رجل دين، وهو الجهة المخوّلة اختيار المرشد الأعلى، مع صلاحية تعيين رجل دين واحد للمنصب أو تشكيل مجلس قيادة مؤقت.

تفيد المعلومات بأن ثلاثة أسماء تتردد على نطاق واسع داخل أروقة السلطة الإيرانية، بوصفها الأوفر حظاً لخلافة خامنئي، في مقدمتهم علي رضا أعرافي، أحد الفقهاء البارزين في إيران، والذي يشغل موقع إمام جمعة في قم، أحد أهم المراكز الدينية في البلاد.

أما الاسم الثاني المطروح لتولي هذا المنصب، فهو هاشم حسيني بوشهري، أحد أبرز وجوه رئاسة مجلس الخبراء والمؤسسة الدينية في قم، ويشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس مجلس خبراء القيادة، وهو من المقرّبين من المرشد الراحل علي خامنئي.

ولا يخفى أن اسم نجل المرشد خامنئي ظل يتردد بقوة في السنوات الأخيرة لخلافة والده، إلا أن الأمر بقي غير محسوم، في ظل رفض نظام الحكم في إيران مبدأ توريث القيادة بشكل صريح.

غير أن اختيار الشخصية لملء شغور منصب المرشد الثالث لن يكون كافياً لإعادة ترتيب الأوضاع داخل الجمهورية الإسلامية، ما لم يُحسم بالتوازي موقع الحرس الثوري وتموضعه في المرحلة المقبلة من تاريخ البلاد. كما أن مدة استمرار العمليات العسكرية داخل الأراضي الإيرانية ستحدد حسابات الربح والخسارة في ملعب طهران.

وفي حرب لا تشبه سابقاتها، لا يمكن الجزم بما ستؤول إليه خطوط الاشتباك في إيران ومحيطها، لا سيما مع فتح حزب الله جبهة إسناد للإيرانيين عبر بوابة قصف حيفا، وهي خطوة قد تتبعها تحركات ميدانية أوسع، مع اصطفاف أذرع إيران الإقليمية خلف النظام الإيراني، رداً على سقوط عمامة خامنئي، مهندس «محور المقاومة».

مقالات الكاتب

سناء محيمدي

صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.