سلاح المفاوضات… ترامب «رجل الصفقات» يبحث تغيير قواعد اللعبة في مضيق الحرب

راهن “رجل الصفقات” دونالد ترامب، كما يرغب في النظر إلى نفسه، على انهيار سريع للنظام الإيراني عبر عملية اغتيال المرشد علي خامنئي؛ خطوة جريئة ظنّ أنها ستحسم “حملته القصيرة” التي خاضها بمعية صديقه المقرّب بنيامين نتنياهو. غير أنّ هذه الرهانات تبدو اليوم وكأنها انزلقت إلى حرب مفتوحة بلا سقف زمني واضح.

لم تجرِ رهانات الحرب على إيران كما أراد سيد البيت الأبيض. فمع الخسائر الثقيلة التي تكبّدتها طهران، سواء على مستوى البنية التحتية أو القدرات العسكرية، واغتيال أبرز قياداتها، لم يُبدِ نظام خامنئي ميلاً إلى التراجع. كما لم تردع آلة الحرب القيادات الإيرانية عن المضي في شنّ الهجمات على خصومها، وضرب أهداف مرتبطة بواشنطن في دول الخليج. والأهم من ذلك، تمكّنت طهران من السيطرة على ورقة ضغط حاسمة عبر مضيق هرمز، وتوسيع نطاق الأضرار الناتجة عن الحرب.

ومع دخول الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على طهران أسبوعها الرابع، لم تفلح الحملة العسكرية في صناعة “صورة نصر”، أو إظهار مسار تهدئة لوتيرة الضربات المتبادلة، رغم خطابات النصر التي يطلقها كل من ترامب ونتنياهو لتهدئة الداخل الأميركي والإسرائيلي، عبر القول إن “إيران تتآكل ولم تعد قادرة على تخصيب اليورانيوم”.

سيناريو “الخداع الثالث”

تحاول إدارة ترامب درء ارتدادات الحرب على الجبهة الداخلية الأميركية، وعلى الأسواق العالمية، في ظل غياب “استراتيجية خروج” واضحة من هذا الصراع. غير أنّ خطابات النصر المعلنة تتناقض مع إفادة مديرة الاستخبارات الأميركية تولسي غابارد، التي كشفت أن الأمور في إيران لا تسير في هذا الاتجاه، مؤكدة أن النظام لا يزال سليماً ومتماسكاً، ولم يقترب من الانهيار.

ربما دفع فشل تقديرات الحرب على طهران الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البحث عن قنوات دبلوماسية مع إيران، ضمن “شروط” تصرّ عليها إدارته لإنهاء الحرب، تتضمّن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك المحور الإقليمي لطهران، مقابل رفع كامل للعقوبات.

في المقابل، لا تملك طهران ترف قبول خطة النقاط الخمس عشرة، في وقت لا تزال تحتفظ بأوراق إضافية لإدارة الحرب. وتشير التسريبات إلى أن نظام خامنئي لن يقبل بسهولة بالمقترح الأميركي، إذ إن الظروف تغيّرت جذرياً عما كانت عليه قبل الحرب. كما تفيد المعطيات بأن الإيرانيين لن يقبلوا بتقديم تنازلات إضافية في ملفاتهم النووية والصاروخية بعد الحرب.

كذلك، لم ينسَ الإيرانيون ما يعتبرونه خداعاً أميركياً خلال مسارات تفاوضية سابقة انتهت بهجمات عسكرية ضدهم في توقيتين مختلفين: الأولى في يونيو الماضي خلال “حرب الاثني عشر يوماً”، والثانية في فبراير 2026، حين اتُّبعت استراتيجية “قطع رأس النظام”. وهذا ما يجعل من الصعب على طهران قبول “مفاوضات” تنظر إليها بوصفها “خدعة ثالثة”، تهدف إلى منح الخصم وقتاً إضافياً لترتيب صفوفه وتنفيذ عملية برية ضدها.

حرب “الشروط”

في حسابات طهران، رفع القادة الإيرانيون سقف مطالبهم، وطرحوا “مطالبهم الخمسة” في الملعب الأميركي، وفي مقدمتها وقف كامل للهجمات والاغتيالات، ووضع آليات تضمن عدم إعادة شن الحرب على إيران، ودفع تعويضات الحرب، إضافة إلى إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وعلى جميع جماعات المقاومة المشاركة في المنطقة. وفي ختام هذه الشروط، تطالب طهران بالاعتراف بحقها الطبيعي والقانوني في السيادة على مضيق هرمز، كضمان لتنفيذ التزامات الطرف الآخر.

تعكس “حرب الشروط” بين طهران وإدارة ترامب انعدام الثقة بين الجانبين، وتؤكد صعوبة التوصل إلى اتفاق سريع بين واشنطن وطهران، التي لا تظهر مرونة أو استعداداً للاستسلام كما يأمل ترامب في وقت قريب.

إلى ذلك، ينظر الإيرانيون إلى مقترح المفاوضات كغطاء لتحركات عسكرية أميركية جديدة تهدف إلى تحقيق حسم عسكري سريع يقلّص كلفة الحرب على واشنطن، خاصة مع تصاعد الحديث داخل الأوساط الإعلامية الأميركية عن سيناريو فرض واشنطن سيطرتها على جزيرة خارك الإيرانية، الواقعة على بُعد نحو 15 ميلاً من الساحل الإيراني.

وتُعدّ هذه الجزيرة الاستراتيجية من أهم البنى التحتية النفطية الإيرانية، إذ يمرّ عبرها نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية. وإذا تم تنفيذ هذه العملية البرية، فإنها قد ترجّح كفّة الحرب لصالح إدارة ترامب، عبر كسر قبضة طهران على حركة الشحن في مضيق هرمز، وهو السلاح الأقوى الذي منحت الجغرافيا إيران القدرة على استخدامه. ومع ذلك، يبقى “السيناريو البري” الخيار الأعلى كلفة والأكثر خطورة.

هرمز… هدية الجغرافيا لطهران

ليس سرّاً أن مضيق هرمز كان ولا يزال الورقة الأخطر بيد النظام الإيراني. فهو ليس مجرد ممر ملاحي يمرّ عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، بل يشكّل أيضاً “الممر الأخير” لتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

وعشية الحرب على طهران، تقاطعت المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وتحول مضيق هرمز إلى “جبهة صراع” متقدمة، استخدمها الإيرانيون للضغط على واشنطن وإرباك الاقتصاد العالمي، عبر إحداث اضطرابات غير مسبوقة في منظومة الطاقة العالمية.

وقد منحت الجغرافيا إيران ورقة استثنائية جعلتها لاعباً تفاوضياً في لعبة الكبار، حيث يطالب القادة الإيرانيون الجدد بفرض سيادتهم الكاملة على المضيق، في ظل مخاوف الأسواق العالمية من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار النفط، نتيجة تمسّك طهران باستراتيجية هرمز.

في حرب لم تعد تحكمها ضوابط واضحة، يبحث الأميركيون عن مخرج من “حرب طهران”، سواء عبر المسارات الدبلوماسية التي تحيك “مفاوضات تحت النار”، بما ينسجم مع شروط ترامب وشروط تل أبيب، أو عبر تهدئة الأسواق المضطربة نتيجة الحرب، وإدارة أسعار النفط التي تضاعفت مقارنة بمستوياتها قبل الحرب.

مسارات دبلوماسية على السطح، و”سيناريو بَري” في الخلفية؛ خيارات فرضتها تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة. فإدارة ترامب لن تسمح بصناعة “صورة نصر” للإيرانيين، حتى لو اضطرت إلى اللجوء إلى السيناريو الأكثر خطورة وكلفة، عبر “غزو بَري” لإعادة فتح هرمز، وتحويل “مضيق الحرب” إلى نقطة تغيير في حسابات اللعبة الإقليمية.

لكن كلما طال أمد المواجهة، تتغيّر خريطة الحرب، لتتحول إلى معركة متعددة الجبهات، مع انخراط رسمي لوكلاء طهران في لبنان واليمن والعراق، بهدف إرباك حسابات واشنطن وتل أبيب، وفتح حرب استنزاف طويلة قد تدفع المنطقة إلى مستنقع جديد، يضع الجميع أمام اختبار بالغ الخطورة.

مقالات الكاتب

سناء محيمدي

صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.