السعودية والحزب: انفتاحٌ على حافة الهاوية

بين جيوسياسية الانهيار وتحوّلات ما بعد الهيمنة

في لحظةٍ لم تعد فيها القواعد القديمة تصلح لزمن تتسارع فيه الانهيارات، تفتح الرياض قناةً غير مسبوقة مع حزب الله. ليس حبًا ولا تقاربًا عقائديًا أو رغبة في مصالحة تاريخية، بل لأن المشهد الإقليمي أصبح هشًّا إلى درجةٍ تُجبر الخصوم على التفكير بمنطقٍ أقلّ أيديولوجية وأكثر واقعية. إنها براغماتية تتشكل فوق الركام، حيث يلتقي الخصمان عند نقطة واحدة: الرغبة في منع سقوط المنطقة في فوضى شاملة.

من البديهي القول إن العلاقة بين السعودية وحزب الله تأسست على قطيعة ممتدة منذ ما بعد الثورة الإيرانية. تراكمت الصدامات من ساحات العراق وسوريا واليمن وصولًا إلى لبنان، وتحوّلت بيروت إلى مسرحٍ مكشوف لصراع النفوذ بين المحورين. وعلى مدى عقود، انقسمت الرواية إلى صورتين: الرياض التي ترى في الحزب ذراعًا إيرانية تهدد الأمن العربي، والحزب الذي يرى في المملكة رافعة للمشروع الأميركي في المنطقة.

لكن السنوات الأخيرة أعادت تعريف المشهد. تراجع القبضة الأميركية، تصاعد العدوانية الإسرائيلية، واتساع دوائر الحرب بعد غزة، كلها عوامل دفعت العواصم الخليجية إلى إعادة حساباتها. لم تعد سياسة “العزل” قادرة على احتواء حزب الله، كما أن أي انفجار كبير — من الجنوب اللبناني إلى مضيق هرمز — كفيل بتهديد الاستثمارات والممرات البحرية والاقتصادات الخليجية نفسها.

وهنا، تصبح البراغماتية ضرورة وجودية.

ففي الكواليس، بدأت رسائل متبادلة عبر قنوات إيرانية، وُلدت منها محادثات غير علنية هدفها خفض التصعيد لا أكثر. السعودية تدرك أن نزع سلاح الحزب لم يعد ممكنًا، والحزب يدرك أن تجاوز الحساسية الخليجية لم يعد مقبولًا. وعلى هذا التقاطع الهش، تُرسم تسوية مؤقتة: تهدئة أمنية، ضبط للحدود، وتراجع عن المواجهة المفتوحة.

أعمق ما في هذا التحول ليس مجرد “فتح قناة تواصل”، بل تحوّل في فلسفة القوة نفسها. فالمملكة التي كانت تراهن على القوة الناعمة والضغط السياسي، اكتشفت أن موازين القوة في المشرق تتغيّر بفعل الحرب الطويلة وتآكل النفوذ الأميركي. أما حزب الله، الذي يواجه ضغطًا اقتصاديًا واستنزافًا عند الحدود، فيدرك أن زمن التمدد بلا سقف انتهى، وأن الحروب اليوم تُقاس بكلفة الصاروخ وليس بعدد الشعارات.

وبين الطرفين تقف إسرائيل، اللاعب الأكثر جنونًا في الإقليم. فالحرب في غزة — التي بدت في بداياتها ثابتة الاتجاه — تحوّلت إلى مستنقع استراتيجي أربك الجميع. صارت الرياض أقرب إلى قناعة أن قوة حزب الله، رغم حساسيتها، هي جزء من معادلة الردع التي تمنع تل أبيب من توسيع الحرب إلى الخليج. وفي المقابل، صار الحزب مضطرًا إلى تقديم تطمينات بأن سلاحه موجَّه إلى إسرائيل لا إلى العواصم العربية.

إنه زمن “إدارة الاختلاف” بدل محاولة سحقه.

قد لا يتطور هذا المسار إلى تحالف ولا حتى إلى تفاهم استراتيجي، لكنه يكشف عن لحظة مفصلية في جيوسياسية الشرق الأوسط: انهيار معادلة الهيمنة القديمة وولادة نمط جديد من العلاقات يقوم على التوازنات الهشة والتحالفات الرمادية. فالسعودية لم تعد ترى العالم بعيون واشنطن وحدها، وحزب الله لم يعد يتحرك في فضاء طهران بلا تكلفة.

وبقدر ما يبدو هذا الانفتاح تكتيكيًا، فهو يعكس إدراكًا عميقًا بأن المنطقة تقف عند حافة منعطف خطير: إما احتواء الانهيار… وإما الانزلاق إلى حربٍ لا يريدها أحد، لكنها قد تشتعل من شرارةٍ صغيرة.

وفي كلتا الحالتين، ستكون بيروت — كما كانت دائمًا — المرآة التي تعكس حجم الزلزال.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.