«القوات» و«أمل» وتحالفات تحت الطاولة…

تزكية شيعية تهزّ انتخابات رابطة موظفي الإدارة العامة والمساعدون القضائيون مغيّبون

تتجه الأنظار يوم الأحد المقبل إلى انتخابات رابطة موظفي الإدارة العامة، وهي انتخابات يُفترض أن تشكّل محطة نقابية ديمقراطية تعبّر عن مصالح آلاف الموظفين، في لحظة اجتماعية ومطلبية بالغة الدقة. غير أن الوقائع المتراكمة، كما تسلسل الأحداث والإجراءات، تشير إلى أن ما يجري أقرب إلى عملية إدارة سياسية مسبقة النتائج، تقودها بشكل أساسي حركة أمل والقوات اللبنانية، عبر آليات تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية والانتظام القانوني.

تتألف الهيئة الإدارية للرابطة من تسعة أعضاء موزعين على الشكل الآتي: عضوان عن الأجهزة الرقابية، عضو فني، وعضو عن كل محافظة. وفي هذا الإطار، تقدّم ثلاثة مرشحين عن الأجهزة الرقابية، قبل أن تنسحب يوم الخميس كل من مريم الحجار عن ديوان المحاسبة، وغيدا سليمان عن مجلس الخدمة المدنية، ليبقى ترشيح حُسن حداد (مسيحية)، وهي مفتشة نُقلت حديثاً إلى التفتيش المركزي، في خطوة وُصفت بأنها غير قانونية بحسب المعطيات المتوافرة.

أما على صعيد التمثيل الوزاري، فقد أعلن شربل الهاشم، ممثل وزارة الصناعة، انسحابه، ما أدّى إلى غياب أي تمثيل لهذه الوزارة، رغم أن النظام يفرض تمثيل تسع وزارات. وبدلاً من معالجة هذا الخلل، جرى تعويض المقعد عبر أحد المرشحين الثلاثة عن وزارة المالية، في تجاوز واضح للمعايير التمثيلية. ويُسجَّل في هذا السياق التغييب الكامل للمساعدين القضائيين عن لوائح وترشيحات وزارة العدل رغم عددهم الكبير (1160 مساعداً قضائياً) ودورهم الحاسم. هذا التغييب يعكس حسابات إدارية تخشى تحويل المساعدين القضائيين إلى قوة تفاوضية مستقلة، بعد أن أثبتت الإضرابات الأخيرة أنهم الورقة الأقوى القادرة على شلّ عمل العدلية.

من جهته، تقدّم كل من عماد عساف ومنى ناصر الدين، ممثلَي وزارة الشؤون الاجتماعية، بانسحابهما، لتبقى ماري مخايل عيسى (مسيحية) ممثلةً لهذه الوزارة. كما أعلن ألبير شحود انسحابه عن مقعد محافظة جبل لبنان، في حين تبقى المعركة محتدمة في محافظة البقاع، حيث تشتد المنافسة بين المرشحَين جوزفين مسلّم وعلي صالح.

من يدير اللعبة؟

أشارت مصادر خاصة لموقع «بيروت 2030» إلى أن إدارة هذا الملف انتقلت إلى حيدر معاوية، الذي يعمل، كما وُصف، «من تحت الطاولة»، بعد أن كان حسن وهبه يدير الدفّة سابقاً، قبل توقيفه وسجنه.

في هذا السياق، يدور خلاف داخلي حول رئاسة الرابطة، لا سيما بين مرشحي وزارة المالية، حيث يبرز اسم وليد الشعار (درزي) في مواجهة مرشحين آخرين عن الوزارة نفسها. غير أن هذا الخلاف بات شكلياً، إذ تثبت الوقائع أن فكرة الترشيح نفسها أُفرغت من مضمونها. فقد أُقفل باب الترشيحات يوم الأحد الماضي، ونُشرت اللوائح صباح الاثنين، وبدأت الانسحابات يوم الخميس، على أن تُجرى الانتخابات بعد غد.

هذا التسلسل الزمني السريع لا يترك مجالاً للشك في أن اللائحة كانت جاهزة مسبقاً، وأن الانسحابات لم تكن عفوية أو بريئة، بل جاءت في سياق تنسيق سياسي واضح بين حركة أمل والقوات اللبنانية.

«مسيحيون لم يترشحوا»… فحضرت القوات

في واحدة من أكثر الوقائع دلالة، توجّه القائمون على العملية إلى الأب خضرا، مبلّغين إياه أن المسيحيين لم يترشحوا. فجاء الرد عبر تحويلهم إلى أحد المسؤولين في القوات اللبنانية، الذي تولّى تزويدهم بأسماء مرشحين.

لاحقاً، جرى الاتفاق مع هؤلاء على المقاعد التي كانت قد اختيرت سلفاً، وسُحب بعض المرشحين ليفوز الآخرون بالتزكية.

ويُشار إلى أن الدعوة إلى هذه الانتخابات لم تصدر عن هيئة إدارية متماسكة، بل عن هيئة عامة مؤلفة من أحد عشر شخصاً، انشقّ منها ثلاثة أعضاء شيعة، ودعوا إلى الانتخابات عبر الهيئة العامة، ليُمرّر الاستحقاق بهذه الطريقة.

ومن بين الأسماء المطروحة، تبرز جوسلين يمين (مسيحية)، التي نُقلت من وزارة الداخلية إلى قضاء المتن، رغم تورطها في ملف مشبوه، ونُقلت تأديبياً من دون أن تكون لها أي مهام فعلية منذ سنوات. اليوم، تطرح يمين نفسها مدافعة عن «المصلحة العامة»، فيما تشير المعطيات إلى أن هدفها الأساسي هو تصفية حسابات داخلية مع وليد جعجع، الرئيس السابق للرابطة. كما يبرز اسم ربى شفشق (سنية)، وهي قائمقام في محافظة الشمال.

في المقابل، رشّح حزب الله مسلم عبيد، كما رشّحت حركة أمل أربعة أسماء هم: رائد حمادة، وسام شريم، غيدا سليمان، وسلام يونس، وفرضتهم كأمر واقع. وسعت هذه القوى إلى نسج تحالفات حزبية بطريقة شُبّهت بـ«المافيوية» لتأمين لائحة مكتملة، متجاهلة باقي الفرقاء، والقضاء، والنظام الداخلي، والقوانين المرعية الإجراء. وهي القوى نفسها التي سبق أن ضربت المادة الرابعة من النظام الداخلي للرابطة، وتعود اليوم لتكرار السيناريو ذاته، بالتنسيق مع وزارة الداخلية.

خلفية النزاع: من انتخابات 2016 حتى اليوم

بالعودة إلى الخلفية، انتُخبت الهيئة الإدارية الحالية لرابطة موظفي الإدارة العامة عام 2016. عقب تلك الانتخابات، قُدِّم طعن بحق أربعة من أعضائها، ما أدّى إلى بقاء اثني عشر عضواً في موقع الانتظار إلى حين البت بالطعن، وهي مرحلة استمرت نحو سنة ونصف إلى سنتين. وفي شباط 2019، وبعد طول انتظار، جرى انتخاب رئيس للهيئة الإدارية وتوزيع المهام بين أعضائها.

في تلك المرحلة، فازت نوال نصر برئاسة الرابطة، ما شكّل نقطة تحوّل أساسية في مسار الخلاف، إذ أثار هذا الفوز انزعاج حسن وهبه، الذي كان قد حصد أعلى نسبة أصوات في الانتخابات وكان يطمح إلى تولّي الرئاسة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تظهر مؤشرات عرقلة ممنهجة طالت عمل نوال نصر والهيئة الإدارية، واتخذ النزاع طابعاً تصاعدياً.

ورغم أن الولاية النظامية للهيئة الإدارية، وفق النظام الداخلي، تنتهي عام 2019، فقد جرى التوافق بين الأعضاء على احتساب الولاية اعتباراً من شباط 2019 ولمدة ثلاث سنوات. ولاحقاً، ومع تفشي جائحة كورونا وتفاقم الانهيار الاقتصادي، جرى تجميد المهل القانونية، ما أدّى إلى تمديد ولاية الهيئة الإدارية مرتين، وبموافقة الأعضاء، حتى آذار 2025.

عندما بلغت نوال نصر سن التقاعد، طُلب منها تقديم استقالتها، رغم تحمّلها مسؤولياتها كاملة خلال مرحلة جائحة كورونا. استجابت وقدّمت استقالتها رسمياً، غير أن وزارة الداخلية امتنعت عن قبولها. فأعادت إرسال الاستقالة عبر شركة «ليبان بوست»، في خطوة فتحت الباب أمام شبهة وجود تواطؤ داخل الوزارة مع الفريق المعارض، الذي كان يسعى إلى إيصال حسن وهبه إلى رئاسة الرابطة.

وفي محاولة لمعالجة الخلاف، دُعي كل من حسن وهبه وحيدر معاوية إلى اجتماعات مصالحة عدة، إلا أنهما امتنعا عن الحضور أكثر من خمس مرات، باستثناء مرة واحدة فُرض عليهما فيها الحضور. وعُقد اجتماع جرى خلاله التوافق على خطوات واضحة، تمثلت بدعوة وليد جعجع إلى اجتماع هيئة إدارية، وتحديد موعد للانتخابات، وتوقيع محضر الجلسة، إضافة إلى قيام معاوية بتسليم قطع الحساب تمهيداً لإرساله إلى وزارة الداخلية. غير أنه، وعندما وُجّهت الدعوة رسمياً إلى الاجتماع، غاب كل من وهبه ومعاوية مجدداً، ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر.

«تجمع موظفي الإدارة العامة» ككيان موازٍ

في موازاة ذلك، برز اسم ديب هاشم، الذي كان حتى ذلك الحين على الحياد، ليبدأ فجأة بتنظيم نشاطات وإصدار بيانات. وفي هذه المرحلة، شكّل حسن وهبه إطاراً موازياً ضمّ عدداً من الموظفين، من بينهم خالد عموري وجوسلين يمين، وأُطلق عليه اسم «تجمع موظفي الإدارة العامة». وتولّى هذا التجمع إصدار بيانات مضادة لكل بيان يصدر عن رابطة الموظفين، ما فاقم حالة العرقلة وأخرج العمل النقابي عن مساره الطبيعي، محوّلاً الخلاف إلى صراع سياسي وتنظيمي مفتوح.

لاحقاً، جرى جمع تواقيع قيل إنها تمثّل 10% من أصوات الهيئة العامة، بهدف الدعوة إلى اجتماع استثنائي. إلا أن الإشكالية الجوهرية تمثّلت في تعريف الهيئة العامة نفسها، إذ اعتُبرت مؤلفة حصراً من الأسماء الواردة في لوائح عام 2016، أي من الموظفين الذين كانوا منتسبين وسدّدوا اشتراكاتهم حتى ذلك التاريخ. وعند انعقاد الاجتماع، لم يكتمل النصاب القانوني، وهو ما ثُبّت باعتراف خطي في محضر الجلسة. ورغم ذلك، تقرّر من جانب واحد عقد جلسة ثانية، في مخالفة صريحة للنظام الداخلي، الذي لا يجيز هذا الإجراء إلا في حالات انتخابية محددة. ويُشار إلى أن نحو 70% من الحاضرين في الاجتماع كانوا من موظفين غير منتسبين إلى الرابطة، ولا يملكون أي حق قانوني في التصويت أو الانتخاب.

انتهى هذا المسار بتشكيل لجنة منبثقة عن الاجتماع، تولّت الدعوة إلى الانتخابات وتنظيمها، رغم عدم وجود أي مادة في النظام الداخلي تخوّلها القيام بذلك. كذلك، جُمعت الاشتراكات من قبل أشخاص لا صفة رسمية لهم داخل الرابطة، من دون التحقق من تسديد المرشحين أنفسهم لاشتراكاتهم. وكنتيجة مباشرة، فازت محافظتان بالتزكية، فيما قُدّمت لائحة من أربعة وعشرين شخصاً للتنافس على ستة عشر مقعداً، ما يعكس بوضوح غياب المنافسة الفعلية وتفريغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي.

لماذا الآن؟

تُطرح هذه الانتخابات في توقيت بالغ الحساسية. ففي وقت يخوض فيه موظفو الإدارة العامة معركة مصيرية لتصحيح الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية، وبدلاً من تركيز الجهود على المطالب الاجتماعية والحقوقية، جرى استنزاف الطاقات في انتخابات تحيط بها شبهات قانونية وتنظيمية جدية.

الأنظار متجهة إلى انتخابات يوم الأحد، حيث ترجّح المصادر أن تفوز الطائفة الشيعية بالرئاسة، فيما ستكون الرابطة من حصة وزارة المالية، إذ إن اللوائح ستكون مقتصرة على الأخيرة، ومؤلّفة بمعظمها من المتقاعدين.

فما دور بعض الأحزاب السياسية في تفكيك العمل النقابي، واستخدام الأنظمة الداخلية كأدوات إقصاء، وتحويل الانتخابات من آلية محاسبة وتمثيل إلى عملية تزكية مفروضة سلفاً؟ وهل تحوّل عمل الرابطة من حماية حقوق الموظفين والدفاع عن مصالحهم إلى تكريس النفوذ السياسي تحت غطاء تمثيلي هش؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.