ركّزت وسائل الإعلام على واقع أن القمة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب لم تحقق الكثير. لا بل بصورة خاصة على إصرار شي على أن تستعيد الصين تايوان باعتبارها جزءاً منها. وهذان الأمران صحيحان. لكن الأهم – وهو ما قلّلت وسائل إعلام كثيرة من شأنه – أن القمة عُقدت فعلاً، وأن ما قيل فيها يستحق التوقف عنده. وهذه من الحالات النادرة في الجغرافيا السياسية التي قد تكون للكلمات فيها أهمية كبيرة. عموماً، لا تكون القمم المكان الذي تُبرم فيه الاتفاقات التفصيلية. وينطبق ذلك بصورة خاصة على قمة الرئيسين الأميركي والصيني، لأنها جمعت بين دولتين تُعدّان من القوى الكبرى اتّسمت علاقتهما بالعدائية طوال 77 عاماً. لذا، قمة من هذا النوع هي المكان الذي تتوصل فيه الدول والقادة إلى تفاهم مبدئي، على أن تُترك التفاصيل لتُبحث في الوقت المناسب.
وقد جاء التصريح الأهم على لسان شي، قائلاً: “إذا نظرنا إلى مسار العلاقات الصينية ـ الأميركية، نجد أن القدرة على تحقيق الاحترام المتبادل، والتعايش السلمي، والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، هي المفتاح الذي يحدد ما إذا كانت هذه العلاقة قادرة على التقدم بثبات. إن العالم اليوم يتغير ويشهد اضطراباً. والعلاقات الصينية ـ الأميركية تتصل برفاه أكثر من 1.7 مليار إنسان في البلدين، وتؤثر في مصالح أكثر من 8 مليارات إنسان في العالم. وعلى الجانبين أن ينهضا إلى مستوى هذه المسؤولية التاريخية، وأن يوجّها السفينة العملاقة للعلاقات الصينية ـ الأميركية إلى الأمام بثبات وفي الاتجاه الصحيح”.
السبب الذي يدفعني إلى أخذ هذا التصريح على محمل الجد هو أنه يشكل نقضاً للمبادئ الحاكمة التي سادت منذ سيطرة الشيوعية على الصين، ومفادها أن الرأسمالية ستفشل حتماً، وأن الشيوعية ستنتصر في نهاية المطاف عالمياً. وكان ذاك الانتصار، بحسب ماو تسي تونغ، سيتحقق عبر الثورات كما حدث في الصين، بمساعدة أو مشاركة الدول التي كانت قد حققت بالفعل الثورة البروليتارية العالمية. وفي الصين، يُعد هذا المثال أساسياً بقدر ما يُعد إعلان الاستقلال أساسياً في الولايات المتحدة. فهو يُدرَّس في جميع المدارس باعتباره مبدأً أخلاقياً. وكان معنى ذلك أن الولايات المتحدة (الرأسمالية) والصين (الشيوعية) ستبقيان، من حيث المبدأ، خصمين دائماً. فالاتحاد السوفياتي، على سبيل المثال، لم يتخلَّ قط عن المبدأ المذكور، حتى عندما تحالف مع الولايات المتحدة وإنكلترا خلال الحرب العالمية الثانية.
لذلك، فإن خطاب شي، في نبرته ومضمونه، كان تفنيداً للمبادئ التي تأسست عليها الصين الماوية. والأهم من ذلك هو الجهة التي وُجّه إليها الكلام. وأنا لا أعني هنا ترامب، بل الأمة الصينية التي سمعته أو قرأته كاملاً. فقد شرعت الصين بالابتعاد عن مبادئها الأساسية في أواخر القرن العشرين. وهي اليوم لم تتطور إلى ديمقراطية ليبرالية، لكنها تحولت بصورة حاسمة إلى دولة رأسمالية، يقوم اقتصادها على المبادرة الخاصة، التي تشجعها الحكومة وتوجهها إلى حد ما عبر سياساتها.
بعبارة أخرى، لم تعد المساواة، حتى في الفقر، مبدأ تأسيسياً في الصين منذ عقود، كما أن العداء للدول الرأسمالية تراجع مع مرور الوقت. وقد استند التطور الاقتصادي الصيني إلى القطاع الخاص، كما أقرّ شي في السابق، لكنه استند أيضاً إلى الصادرات، ولا سيما إلى الولايات المتحدة. وكانت الصادرات ضرورية لأنه، في الوقت الذي قفز فيه الإنتاج الصيني، لم يكن عدد السكان الهائل في الصين يتمتع بقدر كافٍ من الثراء لاستيعاب ما تنتجه البلاد. وقد كانت الولايات المتحدة، ولا تزال، حيوية للنمو الاقتصادي الصيني. فعلى مدى سنوات، لم تتخلَّ الصين أبداً عن موقفها العدائي عسكرياً تجاه الولايات المتحدة، حتى عندما ازدهر نظامها الرأسمالي الناشئ بفعل الاستهلاك الأميركي.
وفي خطابه، ذكر شي المفكر الجيوسياسي اليوناني القديم، ثوسيديدس، الذي قال إنه حين تواجه قوة صاعدة دولة قوية، دائماً ما تكون النتيجة بينهما حرباً. وقال شي إنه يأمل ألا يكون هذا هو الحال مع الولايات المتحدة، وأن يجد البلدان طريقاً نحو التعاون. وقد يكون ذلك غطاءً لنواياه الخاصة؛ فالصين لا تملك ما تكسبه من خوض حرب مع الولايات المتحدة، ولديها الكثير مما قد تخسره. أما ما أجده لافتاً، فهو ذكر ثوسيديدس دون ماركس ولينين وماو. فقد غابت الأيديولوجيا، وحلّت محلها الضرورة الجيوسياسية. وهو ما سمعه الجمهور الصيني بوضوح تام: تحتاج الصين إلى الوصول إلى الاقتصاد الأميركي، بما يشير إلى اعتقاد شي بأن الولايات المتحدة تحتاج الأمر عينه.
ثم، بطبيعة الحال، طالب شي بأن تكون تايوان صينية. وشكّل ذلك، جزئياً، إشارة إلى الشعب الصيني لإظهار أن حكومته قوية ولا تتصرف من موقع ضعف. أما ما إذا كان شي يحتاج إلى تايوان أكثر مما يحتاج إلى الصادرات والتعاون مع الصناعات الأميركية، فهذا أمر لم يتم الكشف عنه. ومع ذلك، سعى ترامب إلى استمالته وأظهر أفكاره الخاصة في هذا الشأن، كما بدا من الوفد المرافق له من كبار المدراء التنفيذيين إلى بكين. فالصين تحتاج لأن تشتري الولايات المتحدة مزيداً من صادراتها أكثر مما هي تحتاج إلى تايوان – لكن من الواضح أن ترامب سيكون منفتحاً على شكل من أشكال إعادة التوحيد، أو على الأقل للسماح للتايوانيين بالاختيار.
في نهاية المطاف، لا يمكن تحقيق احتمال التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة إلا من خلال تسوية جيوسياسية. وبالنظر إلى لقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هذا الأسبوع أيضاً، فإن شي يبعث بإشارة مفادها أن لدى الصين خيارات أخرى. لكن الحقيقة أن فرصة الاصطفاف مع الولايات المتحدة أكثر جاذبية لشي بكثير من تحسين العلاقة مع روسيا. طبعاً، كأداة تفاوضية، فإن الأمر منطقي. لكن، في المفاوضات، تأتي الضرورة فوق كل اعتبار آخر. من المؤكد أن ثمة خلافات ستبقى قائمة بين الصين والولايات المتحدة. لكنها لن تكون عميقة لدرجة تحوّل البلدين لعدوّين.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
