فليعلمْ كلُّ من يترشّح للنيابة، ومن يطمح إلى الرئاسة — ثانيةً أو ثالثة — ومن يسعى إلى العودة للحياة السياسية، أنّ إضبارة كلّ مرشّح ستكون عرضةً للتمحيص والتدقيق في تاريخه وتاريخ نسله وذريته، من الألف إلى الياء.
كيف يفكّر، كيف يتصرّف، كيف يفطر ويختم يومه، ماذا تختزن خلاياه الجذعية من أفكار ومعتقدات واتجاهات… كلّ ذلك سيكون تحت المجهر. سيُخضع لاختبارات دقيقة، وربما لأجهزة كشف الكذب المستوردة، ولغربالٍ لا يرحم.
نذكّر بأنّ المجلس المنتخب لن يكون مجلسًا عاديًا، بل سيأتي تأسيسًا ضمن منطق الضبط الدولي والمتغيّرات الكبرى التي تحصل اليوم وستتسارع غدًا. من يترشّح عليه أن يفكّر مليًّا قبل الإقدام على ذلك؛ فالنائب لن تعود وظيفته كما كانت، ولن يكون حضوره بروتوكوليًا أو خدماتيًا فحسب، بل سيُطلب منه أن يرسم صورة لبنان الجديد من منظارٍ آخر، وأن يتحمّل مسؤولية إعادة تعريف الدور والموقع والهوية السياسية والاقتصادية للدولة.
غربال المرشحين هذه المرّة لن يكون كما في السابق، لا في عنجر، ولا في الضاحية، ولا في بيت الوسط، ولا في كليمنصو. هو غربالٌ يتجاوز الحدود، ويتخطّى الجغرافيا، ويمتدّ أبعد من الرِّياض ودبي وطهران ودمشق. إنّ التطوّرات العسكرية والسياسية في العالم والمنطقة ترجّح بأنّ المجلس النيابي القادم سيوقّع على شؤون خطيرة ومفصلية: خطط اقتصادية كبرى، خيارات في السياسة الخارجية، ملفات الغاز والنفط والثروات الطبيعية، قضايا الموقع والدور والتموضع في الإقليم، واتفاقات سترسم ملامح العقود المقبلة.
فكّروا جيدًا قبل أن تترشّحوا. لا تسرفوا أموالكم، فبعضها — ولا سيّما ما جُمع من شُحّ أو من حرام — لن يكون بمنأى عن المصادرة والمساءلة والمحاسبة. المرحلة المقبلة ليست ساحة تجارب، ولا موسم شعارات، ولا مهرجان خطب. إنّها لحظة فرز تاريخي.
نموذج السياسيين الجدد يحتاج إلى نوعيّات جريئة، مقدامة، مبادرة، صاحبة فعلٍ قبل القول، ورؤية قبل الشعار، وخطة قبل الاصطفاف، قابلة لتقديم التنازلات عند المحك. يحتاج إلى رجال دولة لا رجال منابر، وإلى أصحاب مشروع لا أصحاب مصالح عابرة.
نصيحة مجانية:
فكّروا قبل أن تترشّحوا، لا لأنّ في الداخل من سيصفّق أو يعترض، بل لأنّ الرياح التي تهبّ ليست محليّة، ولأنّ العيون التي تراقب ليست محصورة في حدود الجغرافيا. فكّروا قبل أن تضعوا أسماءكم في سباقٍ لن يكون عادياً، في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح الكبرى فوق خرائط صغيرة، وتُقرأ فيه السير الذاتية كما تُقرأ التقارير الاستراتيجية.
كي لا يعمّ البكاء والعويل والنحيب حين تنكشف الحقائق: حقيقة موازين القوى، وحقيقة الالتزامات غير المعلنة، وحقيقة الشروط التي تُدرج في الهوامش قبل أن تُصبح بنوداً مُلزمة. حين يُدرك المرشّح أنّ القرار لم يعد تفصيلاً إجرائياً، بل توقيعاً على اتجاه وطن، وأنّ الكلمة لم تعد خطاباً انتخابياً، بل التزاماً ضمن شبكة تعقيدات إقليمية ودولية.
وحين يصبح الحساب علنيًا، لا بمعنى المحاسبة القضائية فحسب، بل بمعنى انكشاف الاصطفافات والخيارات أمام الرأي العام، وأمام القوى التي تملك أدوات الضغط والتمويل والتأثير. يومها سيُسأل كلّ نائب: لماذا وقّعت؟ ولماذا صمتّ؟ ولماذا انحزت؟ وسيُدرك أنّ السياسة في هذا الطور ليست مساحة رمادية واسعة، بل حقل ألغام دقيق.
والتاريخ شاهدٌ لا يرحم، لأنّه لا يدوّن النوايا بل النتائج، ولا يحفظ الخطابات بل المواقف، ولا يتذكّر الوعود بل الآثار التي تركتها في مصير الشعوب. من يدخل هذا الاستحقاق بلا قراءة عميقة للتحوّلات، وبلا وعيٍ لحجم التبدّل في قواعد اللعبة، قد يجد نفسه جزءاً من مشهدٍ أكبر منه، تُرسم خطوطه في أماكن أبعد، ويُطلب منه أن يوقّع حيث لا مجال للتراجع.
فكّروا قبل أن تترشّحوا؛ فالمرحلة ليست مناسبة لترف الطموح، ولا لسجالات الشعارات، بل لامتحان الإرادة والسيادة والقدرة على تحمّل تبعات قرار قد يغيّر وجه البلاد لسنوات طويلة.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
