هناك حقيقةٌ أثبتها التَّاريخ الحديث مرارًا: السِّجن لا يُنهي دائمًا النُّفوذ، بل قد يعيد إنتاجه بصورةٍ أكثر خطورة. فحين تغيب العدالة الواضحة والسَّريعة والمجرَّدة من الحسابات السِّياسيَّة والطَّائفيَّة، تتحوّل الزَّنازين إلى بيئاتٍ لإعادة تشكيل الولاءات، وإنتاج الرَّموز، بل أحيانًا إلى مدارس للتَّطرّف وإعادة بناء الشَّبكات التَّنظيميَّة.
في تجارب عديدة في المنطقة العربيَّة، لم تكن السُّجون مجرَّد أماكن احتجاز، بل تحوّلت إلى فضاءاتٍ لصناعة الحركات الراديكاليَّة. ففي إحدى الدُّول العربيَّة، أدَّت حملات الاعتقال الواسعة بحقّ الإسلاميِّين خلال خمسينيَّات وستينيَّات القرن العشرين إلى إنتاج أدبيَّاتٍ راديكاليَّة خرجت من رحم السِّجن نفسه، وكان من أبرز رموزها سيد قطب، الَّذي تحوّلت كتاباته لاحقًا إلى مرجعيَّة لتيارات إسلاميَّة متشدّدة ومتعدّدة الاتجاهات.
وفي سوريا، شكّلت السُّجون لعقود جزءًا من الصِّراع بين السُّلطة والإسلاميِّين، خصوصًا بعد أحداث الثَّمانينيَّات. تحوّلت المعتقلات إلى فضاءاتٍ مغلقة للتعبئة الأيديولوجيَّة، وتوارثت أجيال كاملة من المعتقلين سرديَّات المظلوميَّة والقمع. وبعد عام 2011، أدّى الإفراج عن بعض المعتقلين المتشدّدين، بالتوازي مع استمرار القمع والعنف، إلى إعادة تشكّل جماعات مسلَّحة استثمرت في خطاب المظلوميَّة والسِّجن والتَّعذيب لتوسيع نفوذها.
وفي العراق، قدّم سجن أبو غريب مثالًا بالغ الخطورة على كيف يمكن أن تتحوّل المؤسَّسة العقابيَّة إلى محرّك للتطرّف بدل أن تكون أداة لضبطه. فالانتهاكات والتَّعذيب والصُّور الَّتي خرجت من السِّجن بعد الغزو الأمريكي لم تُنتج فقط فضيحةً أخلاقيَّة وسياسيَّة، بل ساهمت أيضًا في تغذية مشاعر الانتقام والراديكاليَّة، وأصبحت مادَّة تعبئة كبرى للتنظيمات المتطرّفة. كما تحوّلت بعض المعتقلات الأمريكيَّة في العراق، مثل «بوكا»، إلى بيئات تعارف وتنسيق بين متشدّدين وقادة عسكريِّين سابقين، خرج منها لاحقًا عددٌ من كوادر تنظيم «داعش».
ولم يقتصر الأمر على الحركات الإسلاميَّة. ففي أوروبا وأمريكا اللاتينيَّة، تحوّلت السُّجون أيضًا إلى فضاءاتٍ لإعادة إنتاج الحركات اليساريَّة والقوميَّة والثوريَّة. فقد خرج أنطونيو غرامشي من سجنه الفاشي أكثر تأثيرًا ممَّا كان خارجه، عبر «دفاتر السِّجن» الَّتي أصبحت من أهم النُّصوص السِّياسيَّة والفكريَّة في القرن العشرين. كما تحوّل اعتقال قادة حركات التَّحرّر في أمريكا اللاتينيَّة إلى جزءٍ من صناعة الرَّمز الثَّوري وتكريس شرعيَّة المواجهة مع الأنظمة القائمة.
وفي جنوب أفريقيا، استطاع نيلسون مانديلا أن يحوّل سنوات سجنه الطويلة إلى مصدر شرعيَّة أخلاقيَّة وسياسيَّة، بحيث خرج من المعتقل رمزًا عالميًّا للمصالحة ومناهضة الفصل العنصري، لا مجرَّد سجين سياسي. وتكشف هذه التَّجارب جميعها أنَّ طريقة تعامل الدَّولة مع المعتقلين هي الَّتي تحدّد ما إذا كان السِّجن سيقود إلى الاستقرار أم إلى إعادة إنتاج الصِّراع بصورةٍ أكثر حدَّة.
وفي أماكن أخرى من العالم، استطاع بابلو إسكوبار إدارة جزءٍ من شبكاته من داخل سجنه الخاص في كولومبيا، فيما احتاجت إيطاليا إلى إجراءات استثنائيَّة لعزل قادة المافيا مثل سلفاتوري رينا بعدما تبيّن أنَّ بعضهم يواصل إدارة نفوذه من خلف القضبان.
كلُّ هذه التَّجارب تؤكّد فكرةً أساسيَّة: العدالة حين تكون بطيئة، وانتقائيَّة، ومؤدلجة، تتحوّل السُّجون إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمات بدل حلّها. أمَّا حين تكون العدالة شفَّافة وسريعة ومحايدة، فإنَّها تسحب من المعتقلين — مهما كانت خلفيَّاتهم — القدرة على استثمار قضاياهم سياسيًّا أو مذهبيًّا أو أيديولوجيًّا.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة الحالة اللبنانيَّة. فالسُّجون في لبنان ليست ملفًّا قضائيًّا صرفًا، بل مرآة لطبيعة النِّظام السِّياسي نفسه. فحين يشعر جزءٌ من اللبنانيِّين أنَّ التَّوقيف أو المحاكمة يخضعان لتوازنات الطَّوائف والأحزاب والولاءات الخارجيَّة، يصبح المعتقل في نظر بيئته «ضحيَّة» لا «متَّهمًا»، وتتحوّل الزَّنزانة إلى مساحة تعبئة بدل أن تكون مساحة محاسبة قانونيَّة.
وفي بلدٍ يتغيّر فيه ميزان القوى باستمرار، لا أحد يملك ضمانة دائمة. فمن يزجّ خصومه اليوم في السُّجون تحت عناوين أمنيَّة أو دينيَّة أو أيديولوجيَّة، ما الَّذي يضمن ألَّا يجد نفسه غدًا في الموقع ذاته عندما تنقلب التَّوازنات؟ التَّاريخ اللبناني منذ الحرب الأهليَّة حتَّى اليوم مليءٌ بأمثلة عن قوى كانت في موقع الاتهام ثم أصبحت في موقع الحكم، أو العكس.
لهذا، فإنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل القضاء إلى أداة صراع سياسي أو مذهبي أو أيديولوجي. لأنَّ العدالة الانتقائيَّة لا تصنع استقرارًا، بل تنتج دوراتٍ متتالية من الانتقام والمظلوميَّة وإعادة إنتاج العنف. وحدها العدالة الواضحة والمتساوية، الَّتي تُسرّع المحاكمات وتحترم القانون وتفصل بين الأمن والسياسة، قادرة على منع استثمار المعتقلين في مشاريع التطرّف أو في صناعة الزعامات المظلوميَّة.
أمَّا حين تبقى السُّجون خاضعة لميزان القوى لا لميزان القانون، فإنَّها لن تكون نهاية الأزمة، بل بداية أزماتٍ جديدة قد تظهر بعد سنوات بأسماءٍ وشعاراتٍ مختلفة، فيما يبقى جوهر المشكلة واحدًا: غياب دولةٍ تحكم بالقانون لا بالمحاصصة والخوف والتوازنات المؤقّتة.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
