حين يُطرد الحليف: كيف دفعت واشنطن كندا إلى بكين وبنت العالم المتعدد الأقطاب بيده؟

«الطعنة جاءت من الشقيق»؛ هكذا بدت الصورة حين ظهرت كندا، إحدى ركائز تحالف «العيون الخمسة»، في قلب بكين، بينما كانت تشيد علنًا بالقيادة الصينية. لحظة كهذه لا تُقرأ بوصفها حدثًا عابرًا، بل كإشارة عميقة إلى تحولات بنيوية في النظام الدولي. ففي الوقت الذي وقف فيه مسؤول كندي رفيع المستوى في العاصمة الصينية مادحًا شي جين بينغ، كان بيتر نافارو، مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، يروّج في واشنطن لأفكار تدعو إلى طرد كندا من التحالف الاستخباراتي الغربي.

وبين المشهدين، اختار مارك كارني، المحافظ السابق للبنوك المركزية، عبارته بعناية حين تحدث عن «النظام العالمي الجديد»، وهي العبارة نفسها التي تتردد على ألسنة كل من فلاديمير بوتين والرئيس الصيني. هذا التلاقي في اللغة ليس مصادفة لغوية ولا زلة لسان، بل رسالة مشفّرة التقطتها عواصم العالم باعتبارها إعلانًا غير مباشر عن انتقال تاريخي جارٍ بالفعل.

ديناميات الطرد الاستراتيجي

لم يكن التحول الكندي وليد قرار مفاجئ، بل نتيجة مسار طويل من سياسات أميركية دفعت حليفًا تاريخيًا خارج الدائرة. فرضت واشنطن رسومًا جمركية قاسية على منتجات كندية بنسبة مرتفعة، وجرى التشكيك علنًا في جدوى اتفاقية التجارة لأميركا الشمالية (USMCA)، ثم أُضيف إلى ذلك خطاب سياسي غير مسبوق لوّح بضم كندا وتحويلها إلى «الولاية الحادية والخمسين»، فضلًا عن ممارسات استقوائية في ملفات جيوسياسية حساسة مثل غرينلاند.

هذه السياسات لم تؤدِّ إلى إعادة ضبط العلاقة كما أرادت واشنطن، بل أنتجت فعلًا معاكسًا: كندا وقّعت ثماني مذكرات تفاهم مع الصين، وتحولت بكين إلى المشتري الأول للنفط الكندي بدل الولايات المتحدة، في انتقال رمزي من الاعتماد على «قوة مهيمنة مزعجة» إلى شريك اقتصادي يُقدَّم بوصفه استراتيجيًا وأكثر براغماتية.

ارتدادات النظام العالمي والعملة

المفارقة الأوسع أن الضغوط الأميركية لعزل الصين دفعت حلفاءها، لا خصومها، إلى الاقتراب من بكين. أستراليا أعادت ضبط علاقاتها مع الصين بعد سنوات من التوتر، وبريطانيا تتهيأ لفتح صفحة جديدة عبر زيارات رفيعة المستوى، بينما تُظهر استطلاعات الرأي في ألمانيا أن غالبية واضحة من الرأي العام لم تعد ترى في الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا.

في هذا السياق، بدا ظهور مارك كارني في بكين بمثابة تقديم «خارطة طريق» لدول متوسطة الحجم تبحث عن هامش استقلال أوسع في مواجهة الضغوط الأميركية. ويزداد المعنى عمقًا حين نتذكر أن كارني نفسه كان قد اقترح عام 2019 فكرة إنشاء عملة مهيمنة بديلة عن الدولار الأميركي، ما يجعل حديثه عن «نظام عالمي جديد» في الصين إشارة إلى أن التنافس لم يعد محصورًا في الجغرافيا أو التحالفات، بل وصل إلى قلب النظام النقدي الدولي وعرش الدولار ذاته.

في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسهم، من حيث لا تريد، في بناء عالم متعدد الأقطاب طالما سعت إلى منعه. فكل حليف تخسره نتيجة سياسات الضغط والطرد، تجد الصين فرصة لاحتوائه عبر الأسواق والاستثمارات والمرونة السياسية. أما تحالف «العيون الخمسة»، الذي قام تاريخيًا على وحدة الرؤية تجاه الخصوم، فلم يعد ينظر إلى العالم بالعدسة نفسها، إذ باتت المصالح الاقتصادية تتقدم على الاصطفافات الأيديولوجية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يستطيع التحالف الغربي، بشقيه العسكري والاستخباراتي، الصمود طويلًا أمام جاذبية المصالح مع الصين، أم أن تفكك العالم القديم لم يعد احتمالًا نظريًا، بل مسارًا دخل بالفعل مرحلته العملية؟

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.