العدل أساس المُلك

«العدل أساس المُلك» عبارة غالبًا ما تُردَّد على كل لسان. واستنادًا إلى ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية، وفي المحيطين الإقليمي والدولي، والتي يبدو أنّ لها العديد من الإيجابيات، إذ بات بالإمكان كشف الالتباسات التي حصلت إبّان فترة الوصاية، وما نتج عنها من مشكلات استدعت توقيف أناسٍ ربما كانوا من صنف الأبرياء. ولهذه التوقيفات، واستنادًا إلى شرعة حقوق الإنسان، ولا سيّما في الحالة الظلامية التي حصلت، تداعياتٌ على المدى القريب.

لقد صان دستورنا اللبناني الحقوق الفردية لجميع مكوّنات الشعب اللبناني، والتي من المفترض أن تكون في حِمى القانون اللبناني والأعراف الدولية. ومن المتعارف عليه أنّ القانون، أيّ قانون، لا يمكنه فرض هيبته ووقاره على أفراد المجتمع اللبناني إلا في ظل تماسك الجسم القانوني، بل وفي غياب التدخلات السياسية في شؤونه، على عكس ما كان يحصل في الفترات السابقة.

استنادًا إلى أكثر من مرجع وفقيه قانوني، فإنّ أيّ نص لا هيبة له إلا في ظل قضاء عادل غير كيدي، لا يُخالف النصوص القانونية ولا ينتهك القانون اللبناني، الذي أعطى الأفراد حرية ممارسة حقوقهم الفكرية وغيرها من الحقوق، شرط أن تتلازم هذه الممارسة مع المسارات القانونية السليمة.

المطلوب اليوم من السلطة القضائية أن تتحرّر من القيود المفروضة عليها، والتي غالبًا ما تأتي من قبل الساسة، وتنعكس سلبًا على مسار التحقيقات، ومسارات التقاضي، وحتى مسارات الأحكام. إنّ القضاء هو رمز العدالة، وبناءً عليه يُرسى العدل والمساواة بين أفراد الشعب، وهو أيضًا جزء مؤثّر من كياننا اللبناني. ومن المعيب أن يبقى القضاء، في هذه المرحلة الانتقالية، غاضّ النظر عن أحكام صدرت في زمن كانت فيه السلطة مرتهنة وعميلة للخارج، الذي يترنّح اليوم.

العدل أساس المُلك، وبناءً عليه فإنّ القضاء مُطالب اليوم بإصدار قانون للعفو، حيث تتمثّل الأسباب الموجبة لإصدار قوانين العفو العام في إتاحة الفرصة لكل محكوم لتصحيح المسار والعودة كفرد منتج، إضافة إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون، وتعزيز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي. كما أنّ من الأسباب الموجبة للعفو إمكان استخدامه لطيّ صفحات النزاعات السياسية والاجتماعية، وإدخال فرصة حقيقية لإعادة بناء المستقبل من جديد.

ما هو العفو؟ هو قانون تصدره السلطة التشريعية لإزالة الصفة الجرمية عن فعلٍ هو في ذاته جريمة يُعاقَب عليها القانون، وفقًا للمادة 150 من قانون العقوبات، فيُصبح الفعل كأنّه لم يُجرَّم أصلًا.

لا يمكن للنظام السياسي القول إنّه غير قادر على إصدار عفو. فالتاريخ والتوثيق يبيّنان أنّ قوانين العفو العام تكرّرت في الجمهورية اللبنانية. ففي العام 1958 صدر العفو بتاريخ كانون الأول 1958، ثم تبعه القانون رقم 69/8 الصادر بتاريخ 17 شباط 1969، الذي منح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1 كانون الثاني 1967. كما نذكّر بالقانون رقم 91/84 تاريخ 28 آب 1991، وهو القانون الذي صدر بعد الحرب اللبنانية الأهلية، وقد منح هذا القانون العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب حتى تاريخ 28 آذار 1991.

ومن المهم أن يتضمّن أي قانون عفو تعريفًا واضحًا لبعض الجرائم المستثناة، كالتعدّي على الأموال العامة والأملاك العمومية، واستغلال السلطة، والتهرّب الضريبي، وحتى الجرائم البيئية. كما نتمنّى ألّا يكون العفو العام أداة سياسية، وأن تكون سلوكية اعتماد مبدأ العفو العام هي التهدئة الاجتماعية، عبر إسدال ستار النسيان على جرائم ارتُكبت في ظروف سيئة، إلى أن تُحذف من الذاكرة الاجتماعية.

حبّذا لو يصدر العفو العام في أقرب فرصة، لأنّ العدل أساس المُلك.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.