ليس ثمّة ما يكشف حقيقة النظام السياسي في لبنان بقدر ما يكشفه امتناعه المزمن عن إقرار قانون للأحزاب. بلدٌ ينهار اقتصاده وماليته ومؤسساته، بينما تبقى الأحزاب ذاتها بمنأى عن أي مساءلة أو رقابة، كأنها تقف فوق الدولة لا داخلها. منذ أكثر من قرن، تُدار الحياة الحزبية بقانون عثماني وُضع قبل قيام لبنان أصلاً، فيما تُدفن مشاريع تحديثه تباعاً كلما اقتربت من أبواب المجلس النيابي. هنا لا يعود السؤال: لماذا لم يُقرّ القانون؟ بل: ما الذي تخشاه الأحزاب في القانون؟
منذ العام 1909 ولبنان يعمل بقانون الجمعيات لتنظيم الحياة الحزبية. قانونٌ وُلد في سياق مختلف تماماً، قبل تشكّل الدولة اللبنانية الحديثة، وقبل الدستور والمؤسسات والميثاق الوطني، ومع ذلك ما زال هو المرجعية التي تضبط عمل الأحزاب. وبينما تغيّرت البلاد والأنظمة والأزمنة، بقيت القلاع الحزبية مُحصّنة من الإصلاح؛ لا يجوز الاقتراب من بنيتها الداخلية أو مصادر تمويلها أو آليات اتخاذ القرار فيها.
في العقدين الأخيرين، تمّ تقديم ثلاثة مشاريع قوانين كان من شأنها إحداث ثورة حقيقية في الحياة السياسية اللبنانية. الأول قدّمه الوزير زياد بارود عام 2012، منطلقاً من مبدأ الشفافية والحوكمة التنظيمية، عبر فرض التصريح عن مصادر التمويل وإنشاء هيئة مستقلة للرقابة على الإنفاق الحزبي. الثاني جاء عام 2017 ضمن اللجنة الوطنية لإصلاح قانون الانتخابات برئاسة الدكتورة فاديا كيوان، التي سعت إلى وضع إطار قانوني يقترب من نماذج ديمقراطية مقارنة، ويُلزم الأحزاب بإثبات تنوّعها الطائفي ومأسسة بنيتها الداخلية. أما المشروع الثالث، فقدّمه النائب الراحل روبير غانم في لجنة الإدارة والعدل قبل سنوات قليلة من وفاته، وكان الأكثر تقدّماً في مقاربة مسألة تداول السلطة داخل الأحزاب، عبر إلزامها بانتخابات دورية شفافة بإشراف لجنة مستقلة.
لكن جميع هذه المشاريع دُفنت قبل أن تصل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب. جرى الالتفاف عليها مرة بالذريعة السياسية، ومرة بحجج «الظروف الوطنية»، ومرة بعبارات فضفاضة عن «عدم ملاءمة التوقيت». والحقيقة أنّ القوى الحزبية الحاكمة لم تكن يوماً بوارد السماح بمرور قانون كهذا. فإقراره يعني ببساطة فكّ الشيفرة التي ضمنت لهذه الأحزاب بقاءها طيلة العقود الماضية: الغموض المالي، والشخصنة القيادية، والتركيبة الطائفية المغلقة.
يقول أحد القانونيين الذين عملوا على مشروع الوزير بارود إنّ «أكبر خطيئة في النظام اللبناني اليوم هي أنّ الأحزاب التي تمسك بالدولة لا يُفرض عليها أي نوع من المساءلة العامة. فالمواطن يموّل الحزب من جيبه ومن انهيار دولته، لكنه لا يعرف من أين يدخل المال ولا إلى أين يذهب». ويشرح خبير آخر شارك في لجنة الدكتورة كيوان أنّ «القانون المقترح كان سيجبر الأحزاب على تقديم ميزانيات سنوية، وعلى كشف أي تمويل خارجي، وهو ما لم يكن ممكناً السماح به في بلد تقوم سياسته على استيراد النفوذ من وراء الحدود».
ليس خافياً أنّ معظم الأحزاب اللبنانية تدين بوجودها المالي لقوى خارجية، عربية أو إقليمية أو غربية. ولو أُقرّ قانون تمويل شفاف لَظَهر حجم الارتباطات والولاءات العابرة للسيادة. ولو فُرض شرط التنوّع الطائفي داخل بنيتها التنظيمية، لظهرت حقيقة أنها أحزاب جماعات وطوائف لا أحزاب وطن. ولو فُرض التداول القيادي، لانتهت زعامات عمرها نصف قرن. لذلك جرى تعطيل القانون من الأصل.
اللافت أنّ القوى نفسها التي ترفع شعارات السيادة اليوم وتهاجم التدخل الخارجي، هي نفسها التي رفضت أداة تشريعية كانت ستُحصّن الداخل من خلال تجفيف موارد التأثير الخارجي. وهي نفسها التي تتحدث عن «الإصلاح من داخل المؤسسات» بينما تمنع إصلاح المؤسسة الأم: الحزب.
إنّ أي مشروع لبناء دولة في لبنان يبدأ من هنا، من إعادة تعريف الحزب كفضاء مدني ديمقراطي، لا كقناة تعبئة طائفية أو ذراع تمويل خارجي أو ملكية خاصة تنتقل بالوراثة. من دون ذلك، كل كلام عن الإصلاح لا صلة له بالواقع.
السؤال الجوهري: هل يحتاج لبنان إلى قانون أحزاب حديث أم هل يستطيع البقاء من دونه؟ فدولةٌ تُدار بأحزاب لا تخضع لرقابة، ولا تكشف مصادر تمويلها، ولا تضمن تداول القيادة داخلها، هي دولة محكومة بأن تبقى رهينة الولاءات الخارجية والانقسامات العمودية والفساد البنيوي.
لقد آن الأوان لفكّ الطوق الذي تفرضه الأحزاب على الدولة. فشرعية السلطة لا تُكتسب من الشارع ولا من السلاح ولا من الزعامة الوراثية، بل من القانون وحده. مشروع قانون الأحزاب هو حجر الزاوية في إعادة بناء الجمهورية. ومن دونه، سيبقى الإصلاح شعاراً، والمحاسبة وهماً، والدولة فكرة معلّقة بين الشرعية والواقع، تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق القانون، وبالطائفة لا بالمواطنة.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
