أعادت محكمة الاستئناف المدنية في بيروت فتح باب ملاحقة المحامي علي عباس، بعدما كانت نقابة المحامين قد قررت سابقاً حجب الإذن بملاحقته، باعتبار أن ما قام به يندرج في إطار ممارسة المهنة.
تعود الوقائع إلى مشاركة عباس في تحرّك داخل قصر عدل بيروت إلى جانب طلاب وناشطين، حيث رُفعت شعارات تطالب بتسريع التحقيقات في جريمة مرفأ بيروت ومحاسبة المسؤولين عنها. وعلى خلفية هذا التحرّك، ادّعى عليه المدعي العام الاستئنافي القاضي زاهر حمادة بجرائم اعتبرها عباس «لا تمت إلى الواقع بصلة».
ورغم مرور أكثر من سنة ونصف على قرار النقابة، تقدّم حمادة باستئناف في اليوم الأخير من مداومته في بيروت، لتُصدر محكمة الاستئناف، منذ يومين، قراراً بفسخ قرار النقابة ومنح الإذن بالملاحقة «لإجلاء الحقيقة»، في قرار لم يكن محل إجماع، إذ سجّل ممثلا النقابة داخل المحكمة مخالفة خطية، اعتبرا فيها أن الأفعال المنسوبة لا تشكّل أي جرم يستدعي هذه الملاحقة.
ليست القضية في ملاحقة محامٍ. وليست في قرار قضائي قابل للنقاش أو الطعن. القضية أبعد من ذلك بكثير: من يُلاحَق في لبنان اليوم… ولماذا؟
في وقت لم تُكشف فيه حتى الآن حقيقة جريمة بحجم انفجار مرفأ بيروت، حيث آلاف الضحايا ومئات الشهداء وآلاف البيوت المدمّرة، كان يُفترض أن تتجه البوصلة القضائية نحو الفاعلين، نحو المسؤولين، نحو من صنعوا الكارثة أو تستّروا عليها أو أعاقوا كشفها.
لكن ما يحصل هو العكس تماماً.
محامٍ حضر إلى قصر العدل وشارك في تحرّك يطالب بتسريع التحقيقات، يُفتح باب ملاحقته. شعار كُتب: «لبنان يحكمه فارّون من العدالة»، يتحوّل إلى ملف قضائي. فأين هم فعلاً هؤلاء «الفارّون من العدالة»؟ سؤال سيبقى بلا جواب…
محكمة الاستئناف فسخت قرار نقابة المحامين التي رأت أن ما قام به المحامي علي عباس يدخل في إطار ممارسة المهنة، وقررت إعطاء الإذن بالملاحقة تحت حجة «إجلاء الحقيقة».
لكن أيّ حقيقة هذه التي تُجلّى من دون تحديد عناصر جرمية واضحة؟ وأيّ منطق يسمح بفتح باب الملاحقة من دون تعليل كافٍ، ومن دون إثبات فعل مباشر، في وقت يشير فيه الملف نفسه إلى أن دور المعني اقتصر على الحضور والتصوير والنشر؟
ليست صدفة أن يُعاد فتح الملف بعد سنة ونصف. وليست صدفة أن يأتي الاستئناف في اليوم الأخير لقاضٍ قبل مغادرته مركزه. ففي العدالة، التوقيت ليس حيادياً، وفي الملفات الحساسة يصبح هذا التوقيت، بحد ذاته، مستغرباً.
ما جرى في قصر العدل يومها لم يكن شغباً، ولا اعتداءً، ولا تهجّماً شخصياً. كان تحرّكاً في قلب المؤسسة التي يُفترض أن تكون ملاذ العدالة، للمطالبة بأبسط الحقوق: الحقيقة والمحاسبة. وفي المكان نفسه الذي يجب أن تُحمى فيه حرية الدفاع عن العدالة، تُفتح ملفات لملاحقة من يطالب بها.
يبدو أن القضية لا تتعلق بالمحامي علي عباس كشخص، بل بكل من يرفع صوته في ملف المرفأ. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن أي انزلاق في هذا الاتجاه يعني تحويل القضاء من أداة لكشف الحقيقة إلى أداة لضبطها، وهو جوهر أزمة العدالة التي نعيشها.
بيروت التي نهضت من الركام لا يمكن أن تُبنى فوق صمتٍ مفروض، ولا يمكن أن تستعيد معناها إذا تحوّل السعي وراء الحقيقة إلى مخاطرة.
فالعدالة، ببساطة، هي الحد الأدنى لبقاء هذا البلد. ومن هنا، فإن أي ملاحقة تطال من يطالب بها، في وقت لم يُحاسب فيه أحد على واحدة من أكبر جرائم العصر، تُعدّ مؤشراً خطيراً على المسار الذي نسلكه.
نعم، كل الدعم للمحامي علي عباس، إذ نرفض أن يتحوّل إلى متهم بعدما كان يطالب بالحقيقة. فالعدالة، وإن تأخرت… لا تسقط.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
