مفاوضات الصندوق الدولي مكانك راوح… وحمود لـ«بيروت 2030»: نحاول عدم الالتزام بكل ما يطلبونه

لم تحمل اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي، التي انعقدت في واشنطن الأسبوع الماضي، جديداً بالنسبة إلى لبنان، علماً أنه شارك فيها ثلاثة وفود لبنانية: من وزارة المال، ومصرف لبنان، والنواب. فالاختلاف الذي ساد بين الجانبين خلال الأشهر الستة الماضية حول الإصلاحات المطلوبة لا يزال قائماً، ما يعني أنه لا اتفاق قريباً مع الصندوق.

الأمر المستجد على المشهد هو الحديث عن تراجع في الاهتمام الدولي بملف لبنان، ما سينعكس حتماً على مسار المفاوضات بينه وبين الصندوق.

يقول مصدر مطّلع لموقع “بيروت 2030” إنّ الخلاف بين لبنان وصندوق النقد يتمحور حول قانون إعادة هيكلة المصارف، الذي يقاربه مصرف لبنان من منطلق أن الأزمة في لبنان نظامية، وبالتالي يجب إجراء تدقيق جنائي في كل مصرف على حدة، يلي ذلك تقييم لأصول كل مصرف بشكل منفرد، ثم معالجة الفوائد المرتفعة التي مُنحت للمودعين بين عامَي 2015 و2019، والحسابات المشكوك بمصدرها والتي تكونت بطريقة دفترية (من خلال تجارة الشيكات). بعد ذلك، يتم تطبيق تراتبية المسؤوليات التي يطلبها الصندوق، أي شطب رساميل المصارف أولاً، ثم الديون المرؤوسة، ثم ودائع المساهمين الأساسيين والمديرين، وأخيراً ودائع المودعين.

ويضيف المصدر: “هذا الطرح يرفضه الصندوق تماماً، ويُصرّ على التراتبية المعتمدة عند وقوع أي أزمة مالية في العالم، إذ حتى لو أُلغيت الفوائد المرتفعة، فإن تنفيذ هذا الطرح يعني عملياً اقتطاعاً (هيركات) من الودائع، ولا يمكن البدء بالمودعين قبل رساميل المصارف، وهذه منهجية ثابتة لا يغيّرها الصندوق”.

ويشير المصدر إلى أن النقطة الثانية التي لا تزال مدار خلاف بين الوفد اللبناني والصندوق هي مبلغ 16 ملياراً و400 مليون دولار الذي يعتبره مصرف لبنان التزاماً وديناً على الدولة اللبنانية، وهو ما لم تعترف به الدولة، كما أن صندوق النقد غير مقتنع به أيضاً. كما تم التطرق إلى ملف سندات اليوروبوندز، الذي قد يستغرق وقتاً لحلّه كونه مرتبطاً بقانون الفجوة المالية واحتساب الدين العام.

يؤكد مستشار وزير المالية، الدكتور سمير حمود، لموقع “بيروت 2030” أنه لم يسمع كلاماً واضحاً في واشنطن يفيد بأن لبنان بات خارج دائرة الاهتمام الدولي على الصعيد السياسي، ولذلك لم تتم دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى مؤتمر شرم الشيخ، مشدداً على أن اجتماعات الوفد اللبناني مع ممثلي الصندوق كانت مكثّفة.

ويضيف: “التباين بين موقف الوفد اللبناني والصندوق ليس جديداً، بل إن موقف الصندوق من لبنان تقني وواضح، وقد يتغير تبعاً للتطورات السياسية التي قد تطرأ مستقبلاً. وهو يستند إلى منهجية الصندوق في التعامل مع الدول، وليس إلى مزاجية أشخاص، في حين أن التعديلات المطلوبة في قانون هيكلة المصارف أو قانون الفجوة المالية تأتي بناءً على هذه المنهجية وليس لأسباب سياسية. ومع ذلك، قد يتساهل الصندوق في بعض النقاط إذا كان المناخ السياسي منفتحاً، والدليل تعليق العمل ببنود قانون قيصر على سوريا”.

ويشرح حمود أن هناك ملاحظات تقنية على قانون إعادة هيكلة المصارف لا تنسف جوهره ويمكن تعديلها، والقبول بالتعديل لا يعني خضوعاً من الجانب اللبناني. “فكل ما يطلبه الصندوق من لبنان ليس جديداً، لكننا كنا نحاول عدم الالتزام حرفياً بكل ما يطلبونه، ولهذا هناك حالياً نحو 30 ملاحظة على القانون المذكور”.

ويرى أن تنفيذ هذه الملاحظات وإنجاز قانون الفجوة المالية أمرٌ لبنانيّ بحت. فمشروع قانون إعادة هيكلة المصارف موجود حالياً في مجلس الوزراء، وبعد الانتهاء منه سيُحال إلى مجلس النواب، أما قانون الفجوة المالية، فلم يُتفق حتى الآن على تصوّره النهائي بين مصرف لبنان وجمعية المصارف. ويُوضح أن الجمعية تُعدّ طرفاً أساسياً، لأن المشكلة الحقيقية تقع بين مصرف لبنان والمصارف، وبين هذه الأخيرة والمودعين، فيما وزارة المالية هي الضامن والداعم لإنجاز القانون.

ويختم حمود قائلاً: “لا بدّ من التوافق على تصوّر موحّد بين مصرف لبنان وجمعية المصارف، من دون الإضرار بالمودعين، لأننا حريصون على مصالحهم. فمصير المصارف مرتبط بالمودعين وبإعادة الثقة المتبادلة، وهو أمر ليس سهلاً، إذ يتطلّب التوفيق بين مصالح المصارف والمودعين والمصرف المركزي والخزينة. ووزارة المالية تدفع حالياً باتجاه بلورة رؤية مشتركة بين المصارف والمركزي حول قانون الفجوة المالية”.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.