المخرج السينمائي الأردني فيصل الزعبي: الدراما ليست إحساسًا صادقًا بل إحساسٌ مُتقَن

عندما تلتقي المخرج السينمائي الأردني فيصل الزعبي تجد نفسك أمام حالة فكرية وفنية غنية، تُحتِّم عليك التردد في اختيار نقطة البداية في رحلته الإبداعية. فهو يفتح أمامك نوافذ واسعة على عالم الفكر والأدب والدراما، ويكشف أسرار العمل السينمائي وطرائق التلقي والجماليات. حديثه عميق وشائق، يترك في داخلك أثرًا يشبه ذلك الشعور الذي يرافق المشاهد بعد خروجه من فيلم استثنائي أشعل الأسئلة في المخيلة ووسّع مدارك الرؤية.

في الحوار التالي، يتوقف الزعبي عند جملة من القضايا الفنية المرتبطة بصناعة الفن والدراما.

س: كيف نقدّم الفن للمتلقي؟

الفن دهشة ومتعة، وهو واقع آخر موازٍ للواقع اليومي، ويتجلى تأثيره بحسب طرائق استخدامه في المدرسة والبيت والأماكن العامة. ففي الغرب، يُعدّ الفن جزءًا أساسيًا من الحياة، فتجد الآلات الموسيقية مثل البيانو أو الغيتار موجودة في معظم البيوت، كما تُعدّ حصص التربية الفنية جزءًا رئيسيًا من المناهج. من هنا تبدأ العملية التشاركية الجمالية لدى الطفل منذ سنواته الأولى.

من هنا ضرورة التفريق بين جماليات التلقي وجماليات الخلق الفني، لأن إنتاج الفن يختلف جذريًا عن تقديمه للجمهور. والخطأ أننا خلطنا بين المجالين حتى دخلنا في متاهة حقيقية.

س: من هو صانع الدراما؟

مشاهدة المسلسلات وحدها لا تخلق جيلًا مثقفًا فنيًا، بينما يبقى تأثير السينما أعمق وأقوى. على صانع الدراما أن ينجز ما سيكون، لا ما كان. فهو مطالب بأن يخلق شخصيات متمايزة، في حين أن الدراما العربية ما زالت تُعاني من ضعف في رسم الشخصيات وتقديمها في أدوارها المختلفة، سواء كانت خيّرة أو شريرة أو هامشية.

مثلًا، ليس المطلوب من الممثلة أن تبكي لأنها حزينة، بل أن تجعل المشاهد يشعر بحزنها. فـالدراما ليست إحساسًا صادقًا، بل إحساسٌ مُتقَن ومصنوع بمهارة. الدراما لا يصنعها المنتج وحده، بل جيش من المبدعين من ممثلين وفنيين وأصحاب رؤى، يعملون وفق معاناة فنية وفكرية طويلة. ومن لا يمتلك معرفة بالموسيقى والتاريخ والرسم والألوان لا يمكنه أن ينجز عملاً دراميًا مقنعًا.

أما الكتابة الدرامية فهي من أندر المهارات. الكاتب الدرامي يكتب فعلًا لا وصفًا. أما الدلالة والسيميائيات فهي من اختصاص المخرج. حتى كبار الأدباء قد لا يستطيعون كتابة مشهد واحد درامي ناجح. في روسيا، حين يريدون انتقاد نص يصفونه بأنه نص أدبي، أي ليس نصًا دراميًا.

س: كيف ترى الدراما العربية؟

إن الإنتاج الدرامي العربي في معظمه مكرر، ونحن نعيد إنتاج التخلّف نفسه. فالدراما العربية لا تشبهنا، والتأثر بها يأتي بصورة عقابية؛ بمعنى أننا حين نبثها للمتلقي العربي، فإننا نعاقبه بصريًا، لأنها لا تعبّر عن واقعه ولا عن تجربته الحقيقية. فلو كان تأثير هذه الدراما واقعيًا وفعّالًا، لكانت كثافة المسلسلات البدوية التي تابَعْناها قد جعلتنا اليوم رعاة نَجُوب الفلوات ليلًا ونهارًا خلف القطعان — أو العكس!

من هنا، يمكن القول إن ذوق بعض الفنانين أدنى من ذوق الجمهور. فلو كان الفنان يمتلك رؤية أرقى ووعياً أعمق، لَأنتج فنًّا راقيًا ومؤثرًا. لذلك نجد أن هناك فنانين لا جمهور لهم، لأن ما يقدمونه لا يرتقي إلى مستوى المتلقي. والمعادلة الصحيحة هي أن نُدرّب الجمهور ليكون في مواجهة فنّ رفيع القيمة.

الدراما، في جوهرها، عمق في الطرح وتوازن في القوة. وهي ببساطة: يوم عادي، لرجل عادي، يقع فيه حدث غير عادي — وليس العكس. أما ما تبثه الشاشات العربية اليوم فهو في الغالب حداثة شكلية بلا مضمون، أعمال باهتة لا نكهة لها ولا أثر، وستبقى الرداءة سائدة إن لم نكسر هذا النمط.

س: كيف تقدّم السينما للمتلقي؟

السينما هي تحرّر من الإطار التقليدي للفكر والعادات والتقاليد. هي انفكاك عن عُقَدٍ اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية. ومع انطلاق عصر الصورة بدأت ثورة عالمية شاملة قرّبت الشعوب بعضها من بعض، وقدّمت الأدب والرواية بهيئة صورة حيّة، فغيّرت الذائقة ووسّعت المخيلة.

أما القول بأن الفن انعكاس للمجتمع، فهو مقولة خاطئة. فالمجتمعات كثيرًا ما تتأثر بالفن أكثر مما يعكس الفن صورتها. فعندما بدأت هوليوود بإنتاج الأفلام، كان المجتمع الأميركي يميل إلى حلّ خلافاته بالمسدسات، لكن الإنتاج السينمائي علّم الناس أسلوب الحوار واللباس وطريقة التعامل، وحتى شكل المنازل والنمط العمراني تحوّل متأثرًا بما أنتجته السينما. الناس تقلّد الفن، لا العكس.

المخرج ليس مؤرخًا، بل قارئ للمستقبل. وظيفته أن يقدّم ما لم يُرَ بعد، لا أن يكرر ما كان. لذلك يعمل على ابتكار الحيل البصرية، وخلق أزياء وفضاءات ومركبات تعكس الممكن الآتي.

نبذة عن فيصل الزعبي

وُلد المخرج فيصل الزعبي في بلدة خرجا بمحافظة إربد شمال الأردن عام 1959. نال شهادة الماجستير في السينما والتلفزيون من معهد السينما الدولي في موسكو (VGIK) عام 1993. شغل عدة مناصب، منها:

  • مدير مكتب قناة NBN (1999-2002)
  • مستشار درامي في التلفزيون الأردني وعدة شركات إنتاج عربية
  • رئيس لجنة التحكيم في المهرجان الدولي للأفلام البيئية – تونس
  • محاضر في الأكاديمية الأردنية للموسيقى
  • مدرّب أداء تلفزيوني وإذاعي بالتعاون مع الأمم المتحدة

أخرج ما يزيد على 150 ساعة درامية، منها 50 ساعة كتبها وأخرجها بنفسه، أبرزها:

  • سر النوار (30 حلقة)
  • المتنبي (33 حلقة)

ومن الأفلام الوثائقية:

  • صديقي الكلب
  • سيرة امرأة

وفي السينما:

  • الحب والموت
  • ديك الأحلام
  • الحرباء (مستوحاة من تشيخوف)

وحاز عدة جوائز منها:

  • جائزة أفضل مخرج عربي – جامعة الدول العربية / دمشق
  • الجائزة الذهبية عن فيلم الحياة أولاً – مهرجان التلفزيون والراديو / تونس 2007
  • جائزة أفضل مسلسل لعشر سنوات عن المتنبي – مهرجان القاهرة 2003
  • جائزة أفضل فيلم تلفزيوني عربي عن الحب والموت – مهرجان دبي السينمائي 1999
  • جائزة أفضل فيلم أكاديمي – مهرجان معاهد السينما / بوتي – فرنسا
مقالات الكاتب

رسمي الجراح

صحفي وناقد فني أردني، مدير تحرير القسم الثقافي في الرأي سابقاً، كاتب في مجلة العربي الكويتية. نشرت له مقالات مختلفة في العديد من الصحف والمجلات العربية والدولية.