مأزق واشنطن… البحث عن كبش فداء

تحليل – خاص «بيروت 2030»

تميل بوصلة السياسة في واشنطن اليوم نحو البحث عن مخارج لترميم الثقة المتآكلة في الواقع السياسي، أكثر مما تتجه نحو مقاربة الحقائق المجرّدة ببرودة وموضوعية. وفي قلب هذا المشهد الميداني المعقّد، المثقل باستحقاقات “ما بعد المواجهة” مع إيران، يجد البيت الأبيض نفسه في اختبار بالغ الحساسية، حيث تتشابك الحسابات العسكرية الدقيقة مع ضغوط داخلية متصاعدة، لتصيغ مشهداً تداخلت فيه هواجس البقاء السياسي.

لم تعد المعركة اليوم محصورة في ساحات الاشتباك المباشر، بل انتقلت بوضوح إلى دهاليز السياسة المعتمة، حيث تُدار المواجهات وتُرسم ملامح المرحلة المقبلة على وقع توازنات هشّة ومعادلات غير مستقرة.

لقد استنفدت القيادة الأميركية قدرتها على تسويق “الضجيج الإعلامي” وروايات الانتصارات الخاطفة التي هيمنت على الخطاب الرسمي في بدايات النزاع. فالتصريحات المتناقضة، والتقديرات المغرقة في التفاؤل، أدّت إلى تآكل مقلق في رصيد الثقة لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء، ما دفع بالقاعدة الشعبية والدوائر السياسية إلى التشكيك الجدي في جدوى الاستراتيجية المتّبعة. وفي ظل هذا الانسداد، صار البحث عن “كبش فداء” ضرورة ملحّة لامتصاص الغضب المتصاعد وتوجيه سهام اللوم بعيداً عن رأس الهرم.

وفي خضم هذا الارتباك، يبرز اسم وزير الدفاع بيت هيغسيث كأحد أبرز المرشحين لتحمّل تبعات الإخفاق الاستراتيجي، لا سيما أنه تبنّى منذ اللحظات الأولى خطاباً متشدّداً مال نحو التصعيد، مستخفّاً بحجم التعقيدات الجيوسياسية التي تحول دون تحقيق حسم سريع.

ويبدو أن هذا النهج لم يتوقف عند حدود المنصات الإعلامية، بل تسلّل إلى طبيعة المعلومات الاستخباراتية والميدانية التي كانت تُرفع إلى المكتب البيضاوي، والتي اتسمت بقدر عالٍ من الانتقائية، ما رسم صورة “وردية” لا تعكس واقع الميدان المرير. هذا الانفصال عن الواقع تجلّى في الفجوة الحادة بين وعود الحسم القريب، والانزلاق الفعلي إلى حرب استنزاف طويلة ومضنية، لم تكن يوماً ضمن الحسابات المعلنة.

ولم يكن هذا المسار الاندفاعي محل إجماع داخل أروقة الإدارة، إذ تعالت أصوات تحذيرية حاولت كبح نزعة التصعيد والدفع نحو مقاربة أكثر واقعية، غير أن تلك الأصوات جرى تهميشها لصالح تيار يدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية. ولم يتوقف التوتر عند الغرف السياسية المغلقة، بل امتد ليشمل عمق المؤسسة العسكرية، كاشفاً عن تباين عميق بين رؤية وزير الدفاع وتقديرات القيادات الميدانية المهنية، التي كانت أكثر إدراكاً لتعقيدات المواجهة مع طهران، تقنياً وجغرافياً.

وفي ظل تغليب الولاء الشخصي على معايير الكفاءة في مواقع القرار الحساسة، ضعفت قدرة الدولة على قراءة المشهد باتزان، ما حوّل الروايات المضلّلة من أداة للتأثير في الجمهور إلى “قناعات” راسخة لدى صانع القرار نفسه، فبُنيت الاستراتيجيات على أسس واهية ضاعفت كلفة الأخطاء، وجعلت التراجع عنها مهمة شاقة.

اليوم، ومع غياب ملامح نصر ناجز وتفاقم التداعيات الاقتصادية الضاغطة، لم يعد أمام الإدارة سوى محاولة ترتيب المشهد عبر تقديم بعض “الرؤوس” كأثمان سياسية لامتصاص الاحتقان الداخلي. غير أن تقديم القرابين قد يظل محدود الجدوى إذا لم يتم الإقرار بأن الخلل الحقيقي لا يكمن في أداء فرد بعينه، بل في البنية الهيكلية لآلية اتخاذ القرار الاستراتيجي التي فقدت مرونتها.

وبينما تنشغل واشنطن بالبحث عن مخارج سياسية، يبقى السؤال الجوهري معلّقًا حول قدرتها على استعادة توازنها في إقليم لا يعترف بأنصاف الحلول، ولا يمنح المخطئين فرصة ثانية للتدارك.

فالمشكلة لم تكن يوماً في “فرد” أساء التقدير، بقدر ما هي في “منظومة” سمحت للأوهام أن تتحول إلى استراتيجيات خاطئة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.