مع انطلاق العملية العسكرية ضد إيران، يدخل الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحله منذ عقود، حيث لم يعد السؤال المطروح في العواصم الدولية يدور حول وقوع المواجهة، بل حول مدى اتساعها وزمنها ونتائجها النهائية على توازنات القوة الإقليمية والنظام الدولي بأسره.
فالضربات العسكرية الحالية لا تُقرأ كحدث تكتيكي معزول، بل كجزء من صراع استراتيجي طويل يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وشبكة النفوذ الإقليمي لطهران، ومستقبل الردع في الشرق الأوسط. وبين تقديرات الاحتواء السريع واحتمالات الانفجار الإقليمي، تتعدد السيناريوهات التي يناقشها الخبراء العسكريون والسياسيون في الغرب والعالم العربي وإسرائيل.
أربعة سيناريوهات ترسم مسار العملية العسكرية
- الضربة المحدودة… حرب قصيرة بأهداف سياسية: يقوم السيناريو الأول على تنفيذ موجات مركّزة من الضربات تستهدف منشآت نووية وصاروخية ومراكز قيادة حساسة، يعقبها ضغط سياسي دولي لفرض تهدئة غير معلنة. الهدف هنا ليس إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة ضبط ميزان الردع وإجبار طهران على العودة إلى التفاوض من موقع أضعف، مع تجنب الانخراط في حرب برية أو فتح جبهات متعددة في المنطقة. هذا السيناريو يبقى الأكثر جاذبية للقوى الغربية نظرًا لانخفاض كلفته العسكرية والاقتصادية، خصوصًا إذا لم تتأثر إمدادات الطاقة العالمية بشكل مباشر.
- حملة جوية ممتدة… استنزاف القدرات العسكرية: أما السيناريو الثاني فيفترض استمرار العمليات الجوية لأسابيع، عبر ضربات متتابعة تستهدف تفكيك منظومات الدفاع الجوي والبنية الصاروخية الإيرانية. ويبرز هذا الخيار إذا اعتبرت القيادات العسكرية أن الضربة الأولى لم تحقق أهدافها بالكامل، أو إذا جاء الرد الإيراني واسعًا بما يستدعي توسيع بنك الأهداف. في هذه الحالة تتحول العملية من ضربة ردعية إلى حملة استنزاف استراتيجية تهدف إلى تقليص القدرة العسكرية الإيرانية على المدى المتوسط.
- حرب إقليمية متدرجة… الجبهات غير المباشرة: السيناريو الأخطر يتمثل في توسع المواجهة عبر ساحات إقليمية متعددة، من خلال هجمات غير مباشرة أو عبر حلفاء إيران في المنطقة. العنصر الحاسم هنا لا يقتصر على الصواريخ أو الضربات العسكرية، بل يمتد إلى الملاحة الدولية ومضيق هرمز، حيث يكفي التهديد أو التشويش على حركة السفن لرفع كلفة الطاقة عالميًا دون الحاجة إلى إغلاق المضيق فعليًا. هذا المسار قد يحول النزاع إلى أزمة دولية طويلة تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
- ضغط يؤدي إلى تغيير السلوك… أو اهتزاز النظام: يطرح بعض صناع القرار في واشنطن وتل أبيب احتمال أن يؤدي الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية والرسائل السياسية إلى انقسامات داخلية في إيران أو احتجاجات واسعة. غير أن هذا السيناريو يبقى الأكثر غموضًا، إذ تُظهر التجارب التاريخية أن التهديد الخارجي غالبًا ما يدفع المجتمعات إلى الالتفاف حول السلطة بدل إسقاطها.
كم قد تستغرق الحرب؟
تقديرات الخبراء تشير إلى نطاقات زمنية مختلفة تبعًا لمستوى التصعيد:
- ضربة محدودة: بين 48 و96 ساعة إذا جرى احتواء الردود.
- حملة جوية ممتدة: من أسبوعين إلى ستة أسابيع مع تقييم مستمر للأهداف.
- تصعيد إقليمي طويل: قد يمتد لأشهر عبر عمليات غير مباشرة وحرب اقتصادية وملاحية.
ويبقى العامل الحاسم مرتبطًا بثلاثة عناصر: حدة الرد الإيراني، واتساع الجبهات الإقليمية، وتأثير الأزمة على أسواق الطاقة العالمية.
العالم أمام صدمة محتملة
- الطاقة والاقتصاد: أي توتر في الخليج ينعكس فورًا على أسعار النفط، مع توقعات بارتفاع ملحوظ إذا تعرضت الإمدادات أو الملاحة للتهديد. وقد تلجأ الدول المنتجة إلى زيادة الإنتاج لاحتواء الأسواق ومنع صدمة اقتصادية عالمية.
- التجارة والملاحة: تحذيرات السفن التجارية وتجنب المسارات الحساسة تعني ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ما يهدد سلاسل الإمداد العالمية ويعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الدولي.
- السياسة الدولية: في المدى السياسي، يتجه العالم نحو استقطاب متزايد بين القوى الكبرى، فيما تتراجع فرص أي مفاوضات نووية سريعة.
كيف قد يتطور النزاع؟
التحليلات الاستراتيجية تتحدث عن ثلاثة مسارات رئيسية:
- رد إيراني محسوب يعقبه تدخل دبلوماسي لفرض قواعد اشتباك جديدة.
- تصعيد واسع يستهدف قواعد وحلفاء إقليميين، ما يفتح جبهات متعددة.
- نزاع طويل منخفض الوتيرة قائم على ضربات متقطعة وعمليات ظل وحرب اقتصادية.
وغالبًا ما تتحول الحروب الحديثة إلى المزيج الثالث، حيث تنتهي المعارك الكبرى بينما تستمر المواجهة الاستراتيجية لسنوات.
ما الذي قد تعتبره الأطراف انتصارًا؟
- قد ترى الولايات المتحدة وإسرائيل النجاح في إبطاء البرنامج النووي الإيراني وفرض معادلة ردع جديدة.
- بينما تعتبر إيران نفسها منتصرة إذا حافظ النظام على تماسكه وأثبت قدرته على الرد ومنع عزله استراتيجيًا.
- أما الخاسر الأكبر عالميًا فقد يكون الاقتصاد الدولي في حال تعرضت الطاقة والملاحة لاضطرابات طويلة.
مصير النظام الإيراني… بين التماسك والتغيير
تطرح التحليلات ثلاثة احتمالات رئيسية:
- تماسك النظام: وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، إذ تميل الأنظمة خلال الأزمات الخارجية إلى تشديد السيطرة الداخلية وتعزيز الوحدة السياسية.
- صفقة قسرية: قد تدفع الضغوط العسكرية والاقتصادية طهران إلى قبول تسوية كبرى مقابل وقف العمليات وتخفيف العقوبات.
- اهتزاز داخلي عميق: يصبح ممكنًا فقط إذا ترافق الضغط الخارجي مع انقسامات داخل النخبة أو أزمة اقتصادية خانقة، وهو سيناريو غير مضمون وقد يقود إلى عدم استقرار طويل بدل انتقال منظم للسلطة.
خلاصة القول، الشرق الأوسط يدخل مرحلة ما بعد الردع التقليدي.
في المحصلة، لا تبدو المواجهة الحالية مجرد جولة عسكرية عابرة، بل بداية انتقال تدريجي نحو نظام إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة قواعد القوة والردع والتحالفات. فالنتيجة النهائية لن تُقاس بعدد الأهداف التي دُمّرت أو مدة العمليات العسكرية، بل بمدى قدرة الأطراف على فرض معادلة أمنية جديدة:
هل ستنجح الضربات في كبح المشروع الإيراني وإعادة طهران إلى طاولة التسويات؟ أم أنها ستفتح مرحلة صراع طويل منخفض الوتيرة يعيد إنتاج عدم الاستقرار لعقدٍ كامل؟
التاريخ الحديث للمنطقة يشير إلى أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا من إعادة التموضع السياسي والاستراتيجي. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح هذه الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعدها، ومن ستكون لديه القدرة على التكيّف مع توازناته الجديدة؟
في زمن التحولات الكبرى، قد لا يكون الانتصار حاسمًا بقدر ما يكون البقاء والاستقرار هما الإنجاز الأندر في منطقة تعاد صياغتها مرة جديدة تحت ضغط القوة والنار.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
