من «عقيدة الضاحية» إلى «نموذج غزة»… لبنان أمام لحظة الحقيقة

لم تعد الحرب في جنوب لبنان مجرد “جولة عسكرية” إضافية في سجل الصراع، ولا يمكن حصرها في تبادل نيران تقليدي على طول الحدود. فمع تجاوزنا الشهر الثاني وخمسة أسابيع من التصعيد الدامي، بدأت الأقنعة تسقط عن الأهداف الحقيقية: إسرائيل لا تقاتل اليوم لترميم ميزان الردع المكسور، بل تسعى لفرض واقع جغرافي وسياسي جديد، يبدأ من ضفاف الليطاني.. ولا أحد يملك اليقين أين ينتهي.

الليطاني.. أبعد من حدود عسكرية

حين يلوّح الاحتلال بـ”منطقة أمنية” تصل إلى الليطاني، فهو لا يرسم خطاً على الخريطة فحسب، بل يؤسس لمنطق خطير: “جنوبٌ بلا أنياب، مفصولٌ عن عمقه، ومرهونٌ لإدارة أمنية”. وما يثبت هذا التوجه ليس التصريحات السياسية، بل المشهد على الأرض؛ تدمير الجسور، محو قرى بأكملها من الوجود، والإصرار على جعل عودة السكان رهينة صكّ “الأمن المطلق” الذي تطلبه تل أبيب. نحن أمام محاولة واضحة لتحويل التدبير المؤقت إلى واقع دائم.

في الخلفية، تحضر “عقيدة الضاحية” التي اختبرها لبنان في 2006، لكن بنسخة أكثر توحشاً. لم يعد الهدف تفكيك منصات الصواريخ، بل تفكيك “البيئة” الحاضنة. يُنقل العبء اليوم من كتف المقاتل إلى كاهل المدني؛ من المتراس إلى رغيف الخبز وسقف البيت. الدمار هنا ليس “ضريبة حرب”، بل هو أداة سياسية بامتياز، والنزوح ليس نتيجة جانبية، بل هو “سلاح” يُستخدم للضغط على مفاصل الدولة والمجتمع.

من غزة إلى لبنان: تشابه الأدوات لا التشبيه

المقارنة مع “نموذج غزة” ليست مجرد بلاغة إعلامية، بل هي قراءة في دفتر شروط واحد: إخلاء، تدمير ممنهج، مناطق عازلة، وإعادة صياغة الحيز الجغرافي بقوة النار. ولكن، هل الليطاني هو نهاية المطاف؟

كل المؤشرات توحي بأن ما يجري جنوباً هو “المرحلة الأولى” فقط.

المرحلة التالية هي تثبيت هذا الأمر ومنع العودة إلى ما قبل 17 أيلول 2024، ثم توسيع دائرة الخنق لتشمل الضاحية والبقاع. لم تعد هناك “خطوط حمراء” جغرافية؛ فالنار التي وصلت إلى قلب الضاحية والبقاع الغربي والشمالي تحمل رسالة واحدة: لا ملاذ آمناً، والمطلوب هو الاستسلام لشروط “اليوم التالي”.

الداخل اللبناني.. الخاصرة الرخوة

بموازاة أزيز الطائرات، تُطبخ في الغرف الدولية سيناريوهات لـ “لبنان الجديد”: جنوب تحت الوصاية، دولة منزوعة القرار، وبيئة داخلية منهكة تُساق نحو تسوية تحت مسمى “الإنقاذ”. والأخطر من ذلك كله، هو ذاك الشبح الذي يطل برأسه: التغيير الديموغرافي.

قد لا يُكتب هذا المصطلح في اتفاقية رسمية، لكنه يُطبق فعلياً عبر إفراغ القرى، والضغط الاجتماعي الهائل، واختبار الصبر الوطني في مناطق النزوح.

وما شهدناه مؤخراً من احتكاكات وسجالات، وتباينات حادة حول استهداف الصحفيين، وصولاً إلى اصطفافات سياسية حادة كما في “معراب 3″، يثبت أن الحرب بدأت تفعل فعلها في النسيج الداخلي.

اختبار الوعي لا القوة

خلاصة القول، إن المسؤولية اليوم تتجاوز مؤسسات الدولة لتطال كل لبناني. أخطر ما في هذه الحرب ليس القصف الذي يهدم الحجر، بل النجاح في هدم “الإنسان” وتفكيك الداخل.

لبنان اليوم في اختبار وعي قبل أن يكون في اختبار قوة. أي استثمار سياسي في وجع النازحين، أو تحريض طائفي، أو محاولة لتسجيل نقاط صغيرة في لحظة الانهيار الكبير، هو “هدية مجانية” للمشروع الذي يريد لنا السقوط.

المطلوب من الحكومة أن تخرج من دور “المتفرج” أو “المنتظر للقدر”، والمطلوب من القوى السياسية الارتفاع إلى حجم اللحظة المصيرية. إن السلم الأهلي هو خندقنا الأخير، فإذا سقط، لن ينفعنا بعدها لا ليطاني ولا حدود.

بعد الليطاني، وفي حال نجح العدو في قضم الجنوب.. لن يعود السؤال: متى تنتهي الحرب؟ بل السؤال الوجودي: هل سيبقى لبنان الذي نعرفه، أم سنشهد ولادة كيان مشوه على أنقاض ما تبقى من وطن؟

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.