من «بيت خشبي نقال» إلى فيلّا على موقع بيئي محمي… فضيحة تتدحرج بين البلدية والتنظيم المدني

رخصة استثنائية تهدّد مغارة الفقمة: كيف تحوّل الاستثناء إلى قاعدة في عمشيت؟

 

على السفوح البحرية لبلدة عمشيت، لم تكن القضية مجرّد نزاع حول رخصة بناء، بل نموذجاً مصغّراً عن الطريقة التي تُدار بها البلاد: تجاوزٌ للقانون، تواطؤ إداري، وصمتٌ رسمي يفتح الباب أمام مشروعٍ خاص يهدّد أحد أبرز المعالم الطبيعية في لبنان.

وفق مصادر متابعة، يقع العقار رقم 345، الذي لا تتجاوز مساحته 630 متراً مربعاً، ضمن المنطقة المصنّفة Zone E حيث يمنع القانون البناء على أي أرض تقل عن 750 متراً مربعاً. ومع ذلك، حصل أصحاب العقار على رخصة مبدئية من بلدية عمشيت لبناء بيت خشبي نقال بذريعة صِغر المساحة. لكنّ الملف لم يتوقف عند هذا الحد: فقد تدخّل المجلس الأعلى للتنظيم المدني في بيروت لاحقاً ليمنح رخصة استثنائية تجاوزت القيود القانونية، ففتحت الطريق أمام إنشاء فيلّا ثابتة على منحدرٍ صخري يعلو مباشرة مغارة الفقمة، الموقع البحري الذي يحتضن فقمة البحر المتوسطي المهدَّدة بالانقراض.

بهذا القرار، تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى حبرٍ على ورق، لتبدأ فصول فضيحة جديدة تجمع بين الفساد الإداري والإهمال البيئي.

من اكتشاف بيئي إلى مسرحٍ للتعدّي

تعود فصول القضية إلى عام 2023، حين وثّق ناشطون بيئيون ظهور فقمة البحر المتوسطي داخل مغارة بحرية على الشاطئ الشمالي لعمشيت، ما دفع العلماء والجمعيات البيئية إلى المطالبة بتصنيفها “منطقة بيئية حساسة” تستوجب الحماية.

لكنّ الجدل تفجّر مجدداً مطلع عام 2024، مع بدء أعمال حفر لبناء فيلّا فخمة تطلّ مباشرة على المغارة. عندها، تقدّمت جمعية “الأرض – لبنان” بطعنٍ أمام مجلس شورى الدولة مطالبة بوقف الأشغال لما قد تُحدثه من أثرٍ سلبي على النظام البيئي البحري.

وفي 14 آذار 2024، أصدر المجلس قراراً مؤقتاً بتجميد رخصة البناء، لكنّه عاد في أيار 2025 ورفض الطعن لأسبابٍ إجرائية تتعلّق بانتهاء المهلة القانونية، ما سمح باستئناف الأعمال لاحقاً. ومع انطلاق الحفريات فجر 15 تشرين الأول 2025، عادت القضية إلى الواجهة، مثيرةً موجة اعتراضات واسعة بين الأهالي والناشطين.

مشروع ناقص قانونياً ومخالف لشروط الحماية

يقول مصدر بيئي متخصص لـ”بيروت 2030″ أنّ “الخطأ الجوهري بدأ منذ اللحظة التي منحت فيها وزارة البيئة السابقة موافقتها على المشروع، رغم أنّ هذه الموافقة كانت مشروطة بخطة إدارة بيئية وتركيب حسّاسات لمراقبة الاهتزازات”.

ويضيف أنّ الكثير من الشروط الجوهرية لم تُنفَّذ، ما يجعل المشروع قائماً على أساسٍ ناقص من الناحية البيئية، لافتاً إلى أنّ الوزارة الحالية راسلت المدّعي العام التمييزي القاضي جمال حجّار مطالبة بوقف الأشغال مؤقتاً “لوجود ثغرات واضحة في الإجراءات وعدم الالتزام بالشروط البيئية المطلوبة”.

ويشدّد المصدر على أنّ القانون اللبناني يُلزم بإجراء تقييم أثر بيئي شامل لأي مشروع يُقام في موقع حساس مثل مغارة الفقمة، وهو ما لم يحصل حتى اليوم، داعياً إلى توقيف الأعمال فوراً إلى حين إنجاز الدراسة المطلوبة”.

فقمة البحر المتوسط ضحية الفوضى

يرى الخبراء أنّ مغارة الفقمة ليست مجرّد تكوينٍ صخري طبيعي، بل موطنٌ نادر للفقمة المتوسطية، التي تُعدّ من أكثر الأنواع عرضة للانقراض في العالم.
ويؤكّد أحد الباحثين أنّ “الفقمة تتردد باستمرار إلى هذا الموقع، وقد شوهدت آخر مرة في تشرين الأول من العام الماضي”، مشيراً إلى أنّ الصيادين المحليين والزوار باتوا يعرفون شكلها المميز.

ورغم أهميتها البيئية والسياحية، لم تُصنّف المغارة محمية رسمية بعد، في وقت تقع مباشرة تحت العقار موضوع النزاع، ما يرفع منسوب الخطر ويستدعي تدخّل الدولة العاجل لحماية الموقع ومنع أي أعمال مستقبلية تهدّد استقراره الطبيعي.

العمل ليلاً… والمغارة تستغيث

من جهته وصف المحامي والناشط الحقوقي علي عباس في حديث لـ”بيروت 2030″ ما جرى بأنّه “استئنافٌ مفاجئ للأعمال في ليلةٍ بلا قمر”، مشيراً إلى أنّ “الضغوط التي مورست لاحقاً دفعت وزيرة البيئة إلى إصدار قرارٍ بوقف الأشغال وطلب تدخّل النيابة العامة التمييزية لتعليق العمل إلى حين إنجاز دراسة الأثر البيئي الشامل”.

لكنّ المماطلة، وفق عباس، سمحت باستكمال الحفريات التي أُنجزت تقريباً بالكامل، مؤكداً أنّ المعركة القانونية والإعلامية لا تزال مفتوحة، وأنّ الجهات المتابعة تطالب بتحويل الموقع إلى محمية طبيعية رسمية حمايةً للفقمة والنظام البحري المحيط بها.

ويضيف: “حتى الآن، لا يُعرف حجم الأضرار التي قد تكون لحقت بالمغارة نتيجة الاهتزازات الناتجة عن الحفر، خصوصاً مع عدم تركيب أجهزة الاستشعار التي نصّت عليها الرخصة الأصلية”.

القانون واضح… لكن تطبيقه غائب

من جانبه، يوضح وزير البيئة السابق ناصر ياسين في اتصال مع “بيروت 2030” أنّ المرسوم رقم 8633/2012 الخاص بتقييم الأثر البيئي ينص بوضوح على العقوبات والغرامات في حال المخالفة، كما يُلزم صاحب المشروع بإعداد دراسة تقييم أثر بيئي أو خطة إدارة بيئية حتى بعد بدء التنفيذ. ويشير إلى أنّ وزارة البيئة كانت قد أوقفت المشروع سابقاً إلى حين الالتزام بهذه المتطلبات، “لكنّ أصحاب المشروع تابعوا بناءً على موافقات حصلوا عليها من إدارات أخرى”.

ويكشف ياسين أنّ الوزارة أطلقت بين عامي 2023 و2025 دراسة ميدانية لتوثيق فقمة الراهب المتوسطية على الشواطئ اللبنانية، بيّنت من خلالها وجود 23 فيديو موثّقاً، منها ستة داخل مغارة الروشة في بيروت، من دون أي توثيق علمي أكيد لوجود الفقمة في عمشيت في السنوات الأخيرة.

غير أنّه شدّد على أنّ “الحديث عن نوعٍ فريد من الفقمات مرتبط حصراً بموقع واحد يفتقر إلى أساس علمي”، مؤكداً في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بالإجراءات البيئية الدقيقة وعدم تحويل الخلاف العلمي إلى ذريعة للتساهل مع المخالفات العمرانية”.

بين القانون والواقع… أين الدولة؟

لا يمكن حصر قضية مغارة الفقمة في خانة نزاع على عقار إنما باتت مرآة لعلاقة الدولة اللبنانية المشوّهة مع مفهوم الحماية العامة. فالرخصة التي مُنحت رغم المخالفة، والقرارات المتناقضة بين الإدارات، والجدل بين الوزارة والمجلس الأعلى للتنظيم المدني، كلها تكشف كيف يتحوّل القانون إلى وجهة نظر في بلدٍ تتقدّم فيه المصالح على المصلحة العامة.

ما يجري في عمشيت ليس سوى فصلٍ جديد من مسلسلٍ لبناني طويل: حين يتمّ البناء على أنقاض البيئة، وتُباع السواحل بالأمتار، وتُهدر الثروات الطبيعية باسم “الاستثناءات”، فيما الفقمة التي نجت من الصيادين لم تنجُ من فساد الدولة.

مقالات الكاتب

جويل الفغالي

صحافية اقتصادية حاصلة على شهادة في الاقتصاد، متخصصة في متابعة الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتحليل السياسات العامة وتأثيرها على المجتمع.