«لكل شيئ حدود»… أيدٍ على الزناد بجبهة لبنان!

 

في وقت لا يزال فيه “مسرح الحرب” على الحدود الجنوبية يتصدّر المشهد السياسي اللبناني، وسط تزايد التحركات العسكرية والسياسية هنا وهناك، تتحدّث تقارير عن احتمال تصعيد إسرائيلي بضوء أخضر أميركي ضد حزب الله، والضغط على “زناد” جبهة لبنان.

فإسرائيل لم تعد تُخفي تهديداتها بتوسيع عملياتها العسكرية في حال لم ينهِ “لبنان الرسمي” مهمّة نزع السلاح التي كانت محدّدة بعام واحد من توقيع الاتفاق.

عامٌ مرّ على اتفاق وقف العمليات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، وخلاله جرت مياه كثيرة تحت ذلك الجسر، فيما بقيت بنود الاتفاق عالقة في منطقة رمادية: فلا إسرائيل التزمت بوقف “آلة الحرب”، ولا “الدويلة” تخلّت عن سلاحها.

فسريان اتفاق “وقف هشّ” لإطلاق النار منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي قُبل من جميع الأطراف بما فيهم حزب الله، بقي حبراً على ورق، ولم تُطبّق بنوده فعلياً على الأرض. فقد ارتكبت إسرائيل آلاف الخروق رغم ضغوط الوسطاء لتجنّب الضغط على “الزناد” والانزلاق إلى مواجهة عسكرية وتوسّع نطاق التصعيد.

وظنّ كثيرون أن الجواب اللبناني لن يتأخّر في الالتزام بالورقة الأميركية التي قدّمها مبعوث واشنطن توم باراك منذ تموز الماضي، والتي تضمنت ثلاثة محاور رئيسية: نزع سلاح حزب الله خلال ستة أشهر أو بحلول نهاية تشرين الثاني، سحب سلاح المخيمات، إصلاحات مالية–اقتصادية–جمركية، ثم مقاربة تتعلق بترميم العلاقة مع دمشق وترسيم الحدود عبر التخلي عن “المزارع”.

حصر السلاح… الوقت ينفد

يراقب الجانب الإسرائيلي عن كثب مدى تنفيذ “ورقة باراك” الهادفة إلى نزع سلاح الحزب مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية، وتوجّه “لبنان الرسمي” نحو حصر السلاح على كامل أراضيه وإنهاء “تهديد الشمال”.

يأتي ذلك مع رفع تل أبيب سقف تهديداتها، عبر رسائل “نارية” إلى بيروت عبر الوسيط الأميركي، مفادها أنها ستوسع ضرباتها على الأراضي اللبنانية إذا لم يتحقق نزع السلاح، في ظل تمسّك الحزب بسلاحه تحت غطاء “المقاومة” رغم ضغوط الداخل وإنذارات الخارج.

إلى جانب ذلك، يتحدث الإعلام الإسرائيلي عن زيارة مرتقبة لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إلى واشنطن، حاملاً معه ما تصفه التسريبات بـ”نفاد صبر إسرائيل” حيال عدم تسوية ملف نزع سلاح حزب الله. تسريبات أخرى تقول إن الإسرائيليين يبحثون عن ضوء أخضر أميركي للعودة إلى مربع الحرب في لبنان.

في هذا المشهد، تتعجّل تل أبيب لمس نتائج “الورقة الأميركية” في بيروت، وسط اتساع ضغوطها لبتر ذراع “طهران” في المنطقة. فقد حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن لبنان “لن ينعم بالهدوء في حال لم يضمن أمن إسرائيل”، وهو تصريح يبرّر العودة إلى مربع الحرب بمزيد من التوغلات تحت ذريعة وقف التهديدات الإيرانية، ما يجعل جبهة لبنان منطقة صراع مفتوح على جميع السيناريوهات.

السيادة أهم من الخبز

في توقيت بيروت، لم يكن ما صدر عن مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي خطأً أو زلّة لسان، حين قال إن “حزب الله أكثر ضرورة للبنان من الخبز والماء”. الزمن تغيّر، لكن خطط طهران لم تتغيّر. وتمسّكها بورقة “الحزب”، الذي يشكّل أحد أعمدة عمقها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، يكشف موقف “الإيرانيين” من الهدنة في لبنان، وإصرارهم على موقع الحزب في المعادلة اللبنانية ضمن سردية “محور المقاومة”.

لم تمر تصريحات ولايتي مرور الكرام؛ فقد رفض لبنان الرسمي كلام المسؤول الإيراني باعتباره إهانة للسيادة اللبنانية وتدخلاً في شؤون البلاد، في ما يشكّل رفضاً واضحاً لتمسّك إيران بسلاح حزب الله.

لبنان، الذي بات على صفيح ساخن بعد عملية اغتيال طالت القيادي في حزب الله هيثم الطبطبائي – الرجل الثاني في التنظيم – دفع بالحزب إلى تصعيد خطابه، مؤكداً عدم التنازل عن السلاح تحت أي ضغوط أو إملاءات خارجية، وأنه لن ينسحب من معركة الحدود والسيادة ردّاً على مساعي إعلان نهاية “عصر المقاومة” في المنطقة.

وفي ظل المشهد المشحون، يمضي “لبنان الرسمي” نحو قطع الطريق أمام التهديدات العسكرية التي تلوّح بها تل أبيب، كمحاولة أخيرة لإدارة الحرب وضبط إيقاعها، عبر تكليف السفير السابق سيمون كرم برئاسة الوفد اللبناني في اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

واقعياً، دخول “لبنان الرسمي” هذا المسار ليس ترفاً سياسياً، بل مناورة رئاسية لتفادي المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، عبر نقل المسار من مقاربة عسكرية تقنية إلى مقاربة مدنية ذات غطاء سياسي، خطوة تهدف إلى تقليص احتمالات الحرب في ظل ضغط واشنطن لفتح مسار تفاوضي رغم التوترات الأمنية.

لا للراية البيضاء

ذهاب لبنان نحو “التفاوض تحت النار” هدفه شراء الوقت وإبعاد شبح الحرب، غير أن قرار التفاوض السياسي مع إسرائيل لم يرضِ قيادات الصفوف الأمامية في حزب الله، الذين يرونه تنازلاً مجانياً يمنح إسرائيل مكاسب سياسية من دون مقابل. وقد صنّفه نعيم قاسم كـ”سقطة إضافية” تضاف إلى ما وصفه بـ”خطيئة” قرار نزع سلاح الحزب.

يُطلق الأمين العام للحزب نعيم قاسم تصريحات حاسمة ترفض “حصرية السلاح”، مستنداً إلى سردية “استمرارية عصر المقاومة” في مواجهة العمليات العسكرية التي يقودها نتنياهو، “مهندس الفوضى” في المنطقة.

الواضح أن تصريحات الرجل الأول في الحزب تعود لتكرار رسائله السابقة بأن “الهجمات الإسرائيلية لا يمكن أن تستمر، وأن لكل شيء حدوداً”، في إشارة إلى أن الحزب لن يتنازل عن موقعه في المشهد اللبناني، مدعوماً من الإيرانيين الذين ما زالوا يراهنون على ورقة الحزب كآخر حصونهم في المنطقة، ولو كلّف ذلك لبنان جولة جديدة من الحرب.

في المحصلة، يبدو أن قرارَي الحرب والسلم لا يزالان عالقَيْن بين إملاءات الخارج الهادفة إلى نزع سلاح الحزب نهائياً، وبين رفض الحزب لذلك، ما يُبقي جبهة لبنان مفتوحة على سيناريوهات عدّة تحت ضغط النار والوقت.

مقالات الكاتب

سناء محيمدي

صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.