في كل مجتمع توجد قضايا حساسة تثير الانقسام والجدل، لكن المجتمعات الحية تتقدم عندما تمتلك الشجاعة لمناقشة تلك القضايا بدل دفنها تحت طبقات من الخوف أو القداسة أو المصالح. أما في لبنان، فإن المشكلة لا تكمن فقط في كثرة الأزمات، بل في كثرة الأسئلة التي لا يُراد لها أن تُطرح أصلاً. فهناك مناطق كاملة من التاريخ والسياسة والدين والعادات والتقاليد تحولت مع الزمن إلى محرمات غير مكتوبة، يقترب منها الجميع بحذر، أو يتجنبونها خشية الاتهام أو النبذ أو التخوين.
من بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال تأسيس لبنان نفسه. فبعد أكثر من قرن على قيام الدولة، ما زال النقاش الهادئ حول ظروف نشأتها وتطورها يثير حساسية لدى كثيرين، وكأن مجرد إعادة قراءة التاريخ تعني الطعن في شرعية الوطن. والحال أن الدول الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة ماضيها، بل تعتبر ذلك شرطاً لفهم حاضرها وبناء مستقبلها. وتظهر الأسئلة:
– هل كان إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920 خياراً توافقياً أم مشروعاً فرضته ظروف دولية وإقليمية؟
-كيف نظرت الطوائف المختلفة إلى الولادة الأولى للدولة؟
-لماذا يُنظر إلى إعادة مناقشة هذه المرحلة أحياناً بوصفها تشكيكاً بلبنان نفسه؟
ثم تأتي الحرب الأهلية، التي انتهت عسكرياً لكنها لم تنتهِ في الذاكرة. فقد جرى إقفال ملفات كثيرة من دون مصارحة حقيقية أو محاسبة أو كتابة تاريخ مشترك. وبقي لكل جماعة روايتها الخاصة، ولكل طائفة أبطالها وضحاياها، ولكل مقاومته، فيما ظل اللبنانيون عاجزين عن إنتاج رواية وطنية جامعة لما حدث. وهكذا تحول الماضي إلى جرح صامت يطل برأسه كلما اشتدت الأزمات. وهنا أيضاً تبرز الأسئلة الأخرى:
-هل أُغلقت الحرب أم جُمّدت؟
-لماذا لا يوجد حتى اليوم سرد تاريخي وطني موحد؟
-كيف تحوّل أمراء الحرب إلى رجال دولة؟
وفي قلب الحياة العامة يقف موضوع آخر بالغ الحساسية، هو العلاقة بين السلطة والفساد. فاللبنانيون يتحدثون يومياً عن الفساد السياسي، لكن الحديث غالباً ما يتوقف عند حدود معينة. أما مساءلة البنى التي تنتجه وتحميه وتعيد إنتاجه فتظل أكثر صعوبة. أما المثير للاهتمام هو:
– لماذا يُدان الفساد نظرياً ويُبرَّر عملياً؟
-كيف تحولت الزبائنية إلى جزء من النظام السياسي؟
والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الدينية التي تتمتع بمكانة روحية واجتماعية كبيرة، لكن أي نقاش حول أدائها أو دورها العام يُقابل أحياناً باعتباره استهدافاً للدين نفسه، مع أن النقد قد يكون موجهاً إلى البشر والمؤسسات لا إلى العقائد والإيمان.
هل تخضع المؤسسات الدينية للرقابة والمساءلة مثل سائر المؤسسات؟
كيف يمكن الفصل بين قدسية العقيدة وأداء المؤسسات البشرية؟
متى يصبح النقد إصلاحاً ومتى يُصوَّر على أنه اعتداء؟
ولا تقتصر المحرمات على السياسة والدين، بل تمتد إلى العادات والتقاليد والبنى الاجتماعية الراسخة. فالعائلة والطائفة والعشيرة ما زالت في كثير من الأحيان أقوى من الفرد، والانتماء إلى الجماعة يسبق الانتماء إلى الدولة. وتتحول بعض الممارسات الموروثة إلى حقائق لا يجوز الاقتراب منها، لا لأنها صحيحة دائماً، بل لأنها محمية بقوة العادة والخوف من الخروج على المألوف.
فالطائفة في لبنان تعدُّ أكثر من مجرد إطار ديني أو ثقافي؛ فهي في كثير من الأحيان بنية اجتماعية وسياسية متكاملة تُشكّل جزءاً من هوية الفرد وموقعه داخل المجتمع. ولهذا السبب يصبح نقد البنية الطائفية من داخل الطوائف نفسها أمراً بالغ الصعوبة، إذ يُنظر إليه أحياناً على أنه استهداف للجماعة أو تشكيك في وجودها ومصالحها. ومع مرور الزمن، تجاوزت الطائفة دورها التقليدي بوصفها رابطة روحية أو ثقافية لتتحول إلى مرجعية سياسية واجتماعية تؤثر في خيارات الأفراد وفرصهم وعلاقاتهم ومواقفهم العامة. ونتيجة لذلك، بات الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان يتقدم على مفهوم المواطنة، وأصبحت الطوائف لاعباً رئيسياً في إدارة الشأن العام وفي رسم حدود النقاش السياسي والاجتماعي.
وفي السياق نفسه، برزت ظاهرة الزعامة الوراثية في الحياة السياسية والدينية اللبنانية، حيث انتقلت مواقع النفوذ والقيادة داخل عدد من العائلات من جيل إلى آخر، حتى غدت بعض الأسماء جزءاً ثابتاً من المشهد العام لعقود طويلة. وقد أسهم هذا الواقع في ترسيخ علاقة معقدة بين النفوذ العائلي والشرعية الديمقراطية، إذ غالباً ما تتداخل المكانة التاريخية أو الرمزية للعائلة مع العملية الانتخابية نفسها، فتُمنح الثقة السياسية أحياناً على أساس الإرث والانتماء أكثر مما تُمنح على أساس البرامج والكفاءة والإنجاز. كما أن استمرار هذه الظاهرة يعكس قوة البنى التقليدية في المجتمع اللبناني وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها رغم التحولات السياسية والاجتماعية المتعاقبة.
ولا يقتصر الأمر على الطائفة والعائلة السياسية، بل يمتد في بعض المناطق إلى حضور العشيرة والعصبية العائلية بوصفهما شكلاً من أشكال السلطة الموازية للدولة. فعلى الرغم من وجود مؤسسات رسمية وقوانين نافذة، ما زالت الروابط العائلية والعشائرية تلعب دوراً مؤثراً في حل النزاعات وتأمين الحماية وتحديد الولاءات. وفي بعض الحالات، تتقدم أحكام العرف والتضامن العائلي على سلطة القانون، فتظهر أنماط من الوساطة والاحتكام إلى الوجهاء والعائلات الكبرى بوصفها بدائل أو مكملات للمؤسسات الرسمية. ومن هنا تنشأ حالة من الازدواجية بين الدولة القانونية من جهة، وشبكات النفوذ التقليدي من جهة أخرى، بما يجعل الولاء للعائلة أو العشيرة أو الجماعة المحلية عنصراً مؤثراً في الحياة العامة لا يقل أهمية عن الولاء للدولة نفسها.
لقد نجح اللبنانيون في تحويل كثير من القضايا إلى مقدسات سياسية أو اجتماعية أو طائفية، لكنهم لم ينجحوا في تحويل الدولة إلى مرجعية مقدسة للجميع. فصار نقد الدولة أمراً عادياً، بينما أصبح نقد الزعيم أو المرجعية أو الجماعة أمراً محفوفاً بالمخاطر. وهنا تكمن إحدى مفارقات الحياة اللبنانية: فالمحرمات الحقيقية ليست تلك التي تحمي الوطن، بل تلك التي تحمي الانقسامات التي أضعفته.
إن المجتمع الذي يخشى الأسئلة الكبرى يحكم على نفسه بالبقاء في دائرة الأزمات نفسها. فمناقشة تاريخ تأسيس الدولة، ومراجعة تجربة الحرب، ومساءلة السلطات السياسية والدينية، ونقد العادات التي تجاوزها الزمن، ليست أعمالاً عدائية ولا مشاريع هدم، بل هي شروط أساسية لأي نهضة حقيقية. فالأوطان لا تضعف عندما تواجه حقيقتها، بل عندما تتهرب منها، ولا تخاف من الأسئلة إلا المجتمعات التي لم تحسم بعد علاقتها بذاتها وتاريخها ومستقبلها.
الممنوعات في الإعلام اللبناني: الحرية بين الخطوط الحمراء والرقابة غير المرئية
ماذا عن الاعلام؟ يُقدَّم لبنان غالباً بوصفه أحد أكثر البلدان العربية تمتعاً بهامش من حرية الإعلام والتعبير. وإلى حدّ بعيد، يبدو هذا الوصف صحيحاً عند مقارنة المشهد الإعلامي اللبناني بالعديد من الدول العربية. غير أن الحرية الظاهرة لا تعني غياب المحظورات، كما أن غياب الرقابة الرسمية المباشرة لا يعني غياب أشكال أخرى من الرقابة أكثر تعقيداً وتأثيراً.
ففي لبنان لا يوجد ممنوع واحد، بل مجموعة من الممنوعات التي تختلف باختلاف الجهة السياسية أو الطائفية أو الاقتصادية التي تمتلك النفوذ والقدرة على التأثير. ولذلك يجد الإعلامي نفسه أحياناً أمام شبكة من الخطوط الحمراء غير المكتوبة، يعرفها الجميع ولا يعترف بها أحد.
من أبرز هذه المحظورات الاقتراب من الرموز الطائفية والدينية بطريقة نقدية مباشرة. فالنقد الذي يُنظر إليه في المجتمعات الديمقراطية باعتباره جزءاً من النقاش العام قد يتحول في لبنان إلى أزمة سياسية أو طائفية أو قضائية. ويزداد الأمر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمراجع الدينية أو الشخصيات التي تتمتع بهالة معنوية داخل جماعاتها.
كما يشكل نقد الزعامات السياسية التقليدية أحد أكثر الملفات حساسية. فالإعلام اللبناني لا يتعامل دائماً مع شخصيات سياسية مجردة، بل مع زعماء يرتبطون بجماعات وطوائف وأنصار يعتبرون أي انتقاد لهم استهدافاً لهويتهم الجماعية. وهكذا يتحول النقاش السياسي إلى معركة انتماءات بدل أن يكون نقاشاً في السياسات والبرامج والأداء.
ومن المحظورات الأقل ظهوراً الحديث المعمق عن البنية الاقتصادية للسلطة. فالكثير من المؤسسات الإعلامية ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمراكز نفوذ سياسية أو مالية أو مصرفية. لذلك يصبح تناول بعض الملفات الاقتصادية الكبرى أكثر تعقيداً من تناولها نظرياً، خصوصاً عندما تتداخل المصالح التجارية مع المصالح السياسية.
وهناك أيضاً محظورات تتصل بمرحلة الحرب الأهلية اللبنانية. فبعد عقود على انتهائها ما زالت روايات الحرب خاضعة لحساسيات متبادلة، وما زالت بعض الوقائع والأحداث تُناقش بحذر شديد خشية إعادة فتح جروح لم تلتئم أو إثارة نزاعات لم تُحسم.
أما أخطر أشكال الرقابة فليس ذلك الذي تمارسه الدولة، بل ذلك الذي يمارسه الإعلام على نفسه. فحين يعرف الصحافي مسبقاً أن موضوعاً معيناً سيؤدي إلى ضغوط، أو حملات، أو مقاطعة، أو خسائر مادية، فإنه قد يتجنب الاقتراب منه من تلقاء نفسه. وهنا تتحول الرقابة من قرار خارجي إلى قناعة داخلية، وتصبح أكثر فاعلية من أي منع رسمي.
السلاح أفظع الممنوعات والمحظورات
ومن بين أكثر القضايا حساسية في لبنان مسألة السلاح خارج إطار الدولة، ودور الميليشيات والقوى المسلحة في الحياة السياسية والأمنية. فهذا الملف لا يُنظر إليه بوصفه قضية أمنية أو دستورية فحسب، بل يرتبط مباشرة بتاريخ الصراعات الداخلية والحروب الإقليمية والانقسامات السياسية والطائفية التي شهدها لبنان على مدى عقود. ولذلك غالباً ما يتحول النقاش حول السلاح إلى مواجهة سياسية حادة تتجاوز البحث في مبادئ السيادة واحتكار الدولة للقوة المشروعة، لتلامس الهويات والانتماءات والمخاوف الجماعية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب أحياناً إجراء نقاش وطني هادئ حول مفهوم الدولة وحدود سلطتها ودورها في حماية المجتمع وإدارة شؤونه الأمنية.
وترتبط بهذه المسألة قضية لا تقل أهمية، وهي شرعية المؤسسات العامة وقدرتها على ممارسة صلاحياتها بصورة كاملة ومتساوية على جميع الأراضي والفئات. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ احتكار السلطة الشرعية وتطبيق القانون على الجميع من خلال مؤسسات منتخبة وخاضعة للمساءلة، إلا أن التجربة اللبنانية شهدت عبر مراحل مختلفة تداخلاً بين سلطات الدولة وسلطات الأمر الواقع السياسية والطائفية والعسكرية. وقد أدى ذلك إلى نشوء تساؤلات مستمرة حول حدود سلطة المؤسسات الرسمية وقدرتها الفعلية على اتخاذ القرارات وتنفيذها بعيدًا عن موازين القوى الفعلية القائمة على الأرض.
كما أن النقاش حول شرعية المؤسسات لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى القضاء والإدارة والتمثيل السياسي وآليات اتخاذ القرار. فكلما ضعفت ثقة المواطنين بالمؤسسات، ازداد اعتمادهم على الطائفة، أو الحزب أو الزعيم أو الجماعة المحلية بوصفها مصادر بديلة للحماية والخدمات والتمثيل. وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات الواقع اللبناني: فبينما يُجمع معظم اللبنانيين على أهمية الدولة وضرورة تعزيزها، ما زالت الولاءات والانتماءات الفرعية تنافسها في كثير من المجالات، الأمر الذي يجعل الحديث عن بناء دولة قوية وموحدة مرتبطاً بالضرورة بفتح نقاش صريح حول السلاح، والسلطة، واحتكار القوة، ومصدر الشرعية السياسية، ومستقبل المؤسسات الوطنية نفسها. فهذه القضايا، على حساسيتها، تبقى من بين أكثر الأسئلة إلحاحاً في النقاش اللبناني المعاصر، لأنها تمس جوهر فكرة الدولة وحدودها ووظيفتها في المجتمع.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الإعلام اللبناني حراً أو غير حر، بل ما إذا كان قادراً على مناقشة جميع القضايا بمعيار واحد ومن دون خوف من النفوذ السياسي أو الطائفي أو المالي. فحرية الإعلام لا تُقاس فقط بما يُنشر، بل أيضاً بما لا يُنشر، وبالأسئلة التي يتجنبها الجميع رغم أنها تمس جوهر الأزمة اللبنانية.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
